لماذا التأريخ .. وكيف نبني امنا قوميا مستقرا

تاريخ النشر : 2022-06-23

من خلال تجربتي الاكاديمية التي قاربت لأكثر من عقد ونصف في المؤسسات الاكاديمية العراقية الرسمية وكوني قارئا بسيطا لفائدة التأريخ كأحد اركان العلوم الانسانية ، تكاد تتضح لدي حقيقة لا مناص منها "ان كل الاهداف المستقبلية لا يمكن تحقيقها ما لم نستفد من التجربة التأريخية" ، تلك التجربة التي رافقت اجتماعيا على اقل تقدير تطور حياة الانسان البدائية بكل مفاصلها من خلال المحاولات التي بدأت بالفشل وانتهت بالنجاح ، ذلك المفهوم "النجاح" الذي مثل النتيجة الاخيرة للتجربة التاريخية الانسانية المتكررة سواء في صناعة الانسان او تطور مهاراته الحياتية منذ بدء الخليقة والى الآن.

فعندما نعي دور واهمية التأريخ في بناء مفاصل المجتمع ونظامه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، والاخيرة هو صلب ما نحاول طرحه وربطه بحركة التأريخ ، فلا يمكن ان نمتلك القدرة على "التحليل" لمستقبل السياسة في العراق ما لم تتوفر لدينا "القرينة التأريخية" التي تجلبها التجارب السابقة . وقد تتجاوز اهمية قراءة التأريخ حدود فهم الحاضر فحسب  بل يلامس الى حد كبير توفير الفرص المناسبة التي يجب ان يسير بها العراق مستقبلا خاصة في "كيفية بناء امن قومي مستقر" موضوع البحث اعلاه.

هذه المعادلة توفر لنا امكانية ترسيخ الوعي لدى العراقيين بكافة طوائفهم وإثنياتهم ، ان اهمية التأريخ تندرج اولا في توفير مناخ فكري وثقافي مناسب يرسخ مفهوم "التعايش الاجتماعي التأريخي في العراق" وهذا ما يجعلنا نتجاوز حقيقة بناء حاضر مستقر والعبور الى مستقبل اكثر استقرارا ،  وإذا ما وفرنا قراءة جيدة لتأريخنا فسنتمكن من خلق الشخصية الايجابية الفاعلة في بناء الوطن تلك الشخصية التي تؤمن بضرورة بناءه اولا ووتقويم الذات الانسانية "المنحرفة" ثانيا والتي من شأنها ان تكون مصدر قلق دائم امام بناء وطن متعايش ينعم بأمن قومي عالي. والعراق مليئ بالتجارب التأريخية التي تنتهي بمرتكزات اساسية منها : "ان المحطات التأريخية لمفهوم التعايش في اطار الوحدة الاجتماعية هي الاساس في كل قوة اقتصادية وسياسية" وهذا ما يجب ان يستغله صانع استراتيجية الامن القومي العراقي . وان مفهوم الحرية والديمقراطية يجب ان تكون من اولويات تعزيز تلك الوحدة الاجتماعية وبالتالي تعزيز مفهوم الاطمئنان في توزيع الادوار السياسية والعدالة الاجتماعية التي يجد البعض من الشركاء انها مفقودة في هذه المرحلة من تأريخ العراق بشكل لامس الى حد كبير احداث "فجوة اجتماعية مصطنعة" نتيجة عدم توفر عوامل الاطمئنان وبالتالي خلق جو من الضبابية إزاء اهداف الامن القومي العراقي . ذلك الامن الذي سيبقى "مجتزءا" اذا ما اعتمدنا على "حراك السياسة المعاصرة" وتركنا "الحراك التأريخي للمجتمع العراقي في ابعاده الفكرية والثقافية".

السؤال المهم الذي يطرح : هل يوفر لنا تأريخ العراق المعاصر ادلة تأريخية تحاكي الترابط بين المستوى الثقافي والفكري للمجتمع واثرهما على رسم خطوط النظام السياسي العراقي بما يلامس ترسيخ الامن القومي ؟.

نلحظ من خلال تتبعنا لتاريخ العراق الحديث والمعاصر ان متبنيات خلق مستوى ثقافي وعلمي داخل العراق في ظل بيئة من التشضي الاجتماعي الذي خلقته مراحل الصراع الدولي في العراق امرا صعبا للغاية ، لكننا يمكن ان نعول كثيرا على دور النخبة المثقفة العراقية في محاولة جادة منها لـ"رأب الصدع الاجتماعي المختلق" بما يبدد مصالح الاستعمار سواء زمن الدولة العثمانية ونظيرتها البريطانية . تلك النخبة التي مارست دورا كبيرا وواضحا في ترسيخ مفهوم المواطنة وامكانية العودة بالبلاد الى مفهوم العيش المشترك الذي بات مفقودا نوعا ما بسبب التحول في السياسة الخارجية من عثمانية الى انكليزية غير متفقتين لا من حيث مظهر النظام السياسي او جوهره ، كان على هذه النخب المثقفة دورا تأريخيا كبيرا في ابراز التجارب التأريخية التي وفرت تلك المساحة" لبقاء ذلك التعايش النوعي" داخل العراق رغم الظروف الخارجية ، نخبا لم تكن مثقفة علميا فحسب ، بل تقدمت ثقافتها الفكرية لتصنع ظروفا سياسية مارست ضغطا كبيرا على مجريات السياسة الدخيلة طوال تأريخ العراق ، حتى كان تنظيرها وتنظيمها الحزبي رفيعا الى درجة كبيرة ، حتى ورغم اختلاف توجهاتها الايدلوجية الا انها قدمت المواطنة على الطائفية والفئوية فكل  الاحزاب اليسارية والقومية والدينية ، اتفقت على مباديء موحدة هو استمرارها في تحشيد الزخم الشعبي تجاه قضية العراق المصيرية إزاء الاحتلال الانكليزي للعراق ، ولم تتبنى النخب المثقة اي برامج حزبية طويلة الامد بل كانت برامجها مرحلية حسب ما تقتضيه المصلحة الوطنية . كانت فلسفة النخب المثقفة داخلها تؤمن بقضية "رفض الرمزية" وترفض احتكار السلطة بيد جهة سياسية معينة وتعمل وفق نظرية الشراكة السياسية القائمة على اساس الاطمئنان بضرورة وجود الشريك التأريخي . وغيرها الكثير من المعطيات التي تعطينا درسا ان امكانية الاستفادة من التجربة التأريخية امر وارد اذا ما توافرت عوامل احترام التأريخ في صناعة المستقبل ، معطيات موجزة توفر لنا قراءة تأريخية في امكانية الاستفادة من التجربة التأريخية لبناء استراتيجية امننا القومي تلك الاستراتيجية التي يجب ان تضع من اولى اولوياتها صناعة المفهوم الفكري والثقافي والعلمي  للانسان نفسه وقبل كل شيء ، ذلك المفهوم الذي يوفر لنا مساحة رحبة في تقبل الاخر ويوفر لنا قاعدة شعبية مثقفة يمكنها مزاولة ذات الدور التاريخي الذي عاشه العراق في النصف الاول من القرن العشرين تحت نفس الظروف التي يعيشها اليوم تقريبا . علينا ان نعي ان ثمة اسباب بعينها جعلت من الحراك الاجتماعي والسياسي في العراق خلال المدة 25 تشرين الاول 1921-14 تموز 1958 مكن النخب المثقفة السياسية من خلق روح تبديل الاستيزار لـ (59) وزارة خلال (38) عاما في اجواء جعلها امنية مستقرة ، لم يخسر العراق في هذه التجربة التأريخية اي من استراتيجات امنه القومي ، بل كان تبديلا وزاريا "مريحا نوعا ما" ، ويرجع ذلك الى دور النخب المثقفة اولا ودور التنظيم الحزبي في صناعة حكومات مستقرة عابرة للطائفية والفئوية تضع امنها القومي في اولويات حراكها السياسي ، ناهيك عن ارتفاع الوعي الشعبي المتآتي من ارتفاع المستوى العلمي الذي تجاوز الفئوية والحزبية والمناطقية والطائفية وجعل من العراق هدفه الاول والاسمى .