الخطاب السياسي بين النخبوية والشعبوية

تاريخ النشر : 2022-04-07

(من أذاع معنى كريما  فليلتمس له لفظا كريما ، فإن حق المعنى الشريف  اللفظ الشريف)

بشر بن المعتمد

الخطابة سواء كانت منطوقة أو مكتوبة أحد سبل التواصل وأداة لتحرير الافكار من عقول صانعيها الى عموم الجمهور، لذا فهي تستند على الركائز الاساسية للتواصل من مرسل ومتلقي ومحتوى .

ومن المتعارف عليه ان يكون الخطيب مفوها بليغا عارفا بما يقول به يملك الأسلوب المؤثر الذي يأسر العقول والقلوب  المستند على خلفية معرفية واسعة ومتنوعة.

وإن لغة الخطابة تمتاز بأسلوب يجمع بين السهل الممتنع والعمق والبلاغة واستعارة العبارات المقتضبة بالمفردات والمكتنزة بالمعاني والمفهوم من العامة والخاصة والقادرة على التأثير والتغيير.

لذلك يعتقد عالم اللسانيات الامريكي "زيليج هاريس" في بحث الخطاب: فهم لا ما يقول الخطاب، بل كيف يقول؟ بفرض تحقيق وعي أوسع له من خلال تجاوز الحدود الوصفية للجملة، ثم كشف الرابط بين اللغة والثقافة.

لتكون الثقافة مقترنة بالخطاب والمفردة تعطي مدلولا أوسع من معانيها المتداولة.

وفي عالم السياسة شكلت الخطابة عاملا مهما في نشر الافكار السياسية وافهامها الناس ومن ثم الاقتناع بها لتتحول الى سلوك سياسي وهذا يتطلب نوعا خاصا من الرجال يحوز إمكانيات متفوقة وقدرات وسمات تؤهله لأداء هذا الدور المعقد والصعب الذي يفرض بمن يؤديه ان يكون ملما بأخلاقيات وأعراف المجتمع المخاطب ويراعي المشاعر النفسية للجمهور ويمتلك المنطق والحجة للوصول الى درجة الاقناع .

وقد برز في التاريخ المعاصر العديد من الخطباء السياسيين الذي برعوا في الاستحواذ على عقول الجمهور بما يملكون من حسن البيان والفصاحة والاسلوب الأدبي المؤثر والنافذ واللذين إستطاعوا تحريك الجماهير واحداث نقلات كبيرة في دولهم بأسلوبهم الخطابي الحاذق فبرز في الوطن العربي عبد الله النديم وسعد زغلول ومصطفى كامل، اما في أوربا فكان  لخطاب (متزيني) دور في بث الروح الوطنية لتوحيد إيطاليا، وظلت خطب الرئيس الامريكي (ابراهام لنكولن) تدرس  في الجامعات  لما احدثته من التأثير في الشعب الامريكي، وليس بعيدا الدور الخطابي الكبير لـ(غامبيتا) احد مؤسسي الجمهورية الفرنسية الحديثة في صياغة أفكار الثورة الفرنسية وتعبئة الجمهور بمبادئها، فضلا عن اسماء سياسيين ومفكرين مثل (فيكتور هيجو) و(لامارتين) و(بوسويه) والتي صارت مقالاتهم وخطبهم محل دراسة واهتمام ليومنا هذا لما تضمنته من معاني عالية وافكار راقية وصياغة بليغة وأسلوب منسق يبهر المتلقي .

ولكن بمرور الزمن ظهر على الساحة السياسية خطابا بأسلوب جديد يختلف عن الأسلوب السابق وامتاز ببساطة اللغة والسطحية مع استخدام المفردات السوقية وأطلق عليه الخطاب الشعبوي وذلك لانه موجه نحو  عامة الشعب وبشكل مباشر أو انه استخدم المفردات والاساليب الشعبية المتداولة التي تخاطب العاطفة وتحركها كوسيلة لايصال الخطاب الى الناس، لذلك وصفه (غوستاف لوبون) في كتابه (سايكولوجية الجماهير) بقوله: إن الافكار لا تكون فاعلة الا اذا تحولت الى عواطف، ولا يمكن للقائد السياسي أن يحرك الجماهير الا من خلال عاطفته المتطرفة.

وامتاز الخطاب الشعبوي بمصفوفة من السمات منها أنه يقوم على توسيع التعارض بين النخب الحاكمة وعامة الشعب  وتحميل هذه النخب كل معاناة الشعوب  ومصاعبها مع التركيز على فساد الحكام واستحواذهم على مغانم السلطة وحرمان الفقراء منها مما يلاقي صدى واسعا في نفوس الشعوب الفقيرة الناقمة على السلطة مما يوسع قاعدة المتفاعلين مع هذا الخطاب.

ويعمل الخطاب الشعبوي على مخاطبة عواطف الناس ومشاعرهم وليس مخاطبة العقول بل يجتهد الخطاب في تحريك مشاعر التهميش والحرمان وتوظيف مشاعر الغضب  والمزاجات المتمردة والاندفاعات  الفردية لتحقيق الهدف السياسي.

كما ان الخطاب الشعبوي لا يستند الى نظرية سياسية تستند الى تصورات علمية ومعتمدة وعلى إحصاءات رقمية ناتجة من دراسات وبحوث متخصصة بل هو خطاب حماسي تحشيدي شعبي خال من المحتوى الفكري يخاطب العاطفة والمشاعر لانه موجه لشرائح لا تملك الوعي والنضج السياسي .

وعرف الخطاب الشعبوي بتجاوزه لهياكل ومؤسسات الدولة  مستغلا حاجات الناس وجهلهم بالقوانين وانساق عمل المؤسسات الحكومية ، فهو بالرغم من مشروعية المطالب الا انه لا يتحمل إجراءات وسياقات مؤسسات الدولة ضمن القوانين النافذة .

وقد تلتقي الشعبوية مع الديمقراطية في هدف مشاركة الشعب في صنع القرار باعتباره مانح الشرعية للحكام، الا إنهما يفترقان في ميادين أخرى، إذ أن الخطاب الشعبوي يساهم أحيانا في وصول أشخاص الى السلطة لا يمتلكون المؤهلات والمعرفة لصنع القرار وإدارة الدولة وتفعيل دور المؤسسات الحكومية، مما يدفع به للتناقص مع العمل المؤسساتي كما ان الخطاب الشعبوي قد يدفع بالجماهير المنفعلة الى تحويل الديمقراطية إلى فوضى وتخريب وتجاوز على سيادة النظام والقانون تحت تأثير العقل الجمعي المنقاد عاطفيا.

بينما نجد في أصحاب الخطاب الشعبوي بعض صفات التميز منها انهم لا يملكون المؤهلات المعرفية المتنوعة التي تؤهلهم لطرح خطاب علمي مدروس يستند الى نظريات سياسية مستلة من قادة الفكر والرأي ويعوضون بذلك بالولاء الشعبي والطاعة العمياء لأسباب دينية او اجتماعية بحيث يلبي الجمهور ويردد دون معارضة او استفسار، يساعدهم في ذلك غياب او انخفاض كبير في منسوب الوعي السياسي لدى الجمهور يقابله ارتفاع في مناسيب الجهل والتخلف مع شعور باليأس والاحباط من هياكل السلطة.

ولكن رغم ذلك نجد شيوعا للخطاب الشعبوي حتى في الدول المتقدمة إذ ساهمت شعبوية خطاب الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب وابتعاده عن أفكار النخبة السياسية في وصوله للبيت الابيض، وهكذا استطاع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بخطاب شعبوي بعيد عن الأرقام والمعادلات إقناع البريطانيين وانتخابه خاصة في قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي .

وفي اجواء السياسة العراقية استطاع الخطاب الشعبوي ان يحتل حيزا كبيرا ويحتل موقع الصدارة في الاعلام وذهنية الجمهور حيث تحولت بعض التغريدات مقاطع الخطاب السياسي الممتلئ بالمفردات الشعبية  لبعض  القادة  الى أهازيج أو اناشيد وأغاني في الساحات والشوارع متماهيا مع ثقافة الجمهور وغضبه من السياسات الحكومية وشعوره باليأس من التغيير والإصلاح كما تحولت بعض مفردات هذا الخطاب الى كلمات شائعة  ومتداولة على صفحات التواصل الاجتماعي .

ومن أجل ان يكون الخطاب فاعلا ومؤثرا وموجها للجميع ومراعيا للفوارق المعرفية والطبقية وان يحقق الغاية منه وهي تحرير الافكار ونقلها  للناس ليتأثروا بها وتغير من سلوكهم السياسي يحب ان يقترن بالعمق والبساطة والفكرة والسلاسة وان يجمع بين العلمية والوضوح وطرح المفاهيم بأسلوب مبسط ومتاح للجميع بحيث يفهمه العوام ولا ينفره الاكفاء واصحاب العقول .

بأعتبار ان من واجب السياسي الاول هو الارتقاء بمستوى وعي المواطن ليكون فاعلا وعارفا بأدواره وعضوا صالحا في بناء المجتمع وليس مجرد اداة للوصول والانقياد والاستجابة، وان يرى البعض ان الخطاب الشعبوي قد افلح في تحقيق غاياته من التجارب الحادثة ولكنه واقعا لن يستمر لأن مصير الحقيقة ان تنكشف ولو بعد حين وان الشعوب لابد ان  تعرف أن مسكنات الخطاب الشعبوي  لن ولَم تداوي جراحه او تشفي علله دون الرجوع الى الوعي والعلم والمعرفة والتي قد يصعب فهمها في بداية الامر ولكنها تمتلك الصحة والفاعلية .

وكما بدأنا حديثنا بمقولة  لـبشر بن المعتمد نختم مقالتنا بقول آخر (أذا أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة لفظك ولطف مداخلك وقدرك في نفسك على أن تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف على الدهماء ولا تجفوا عن الاكفاء فأنت البليغ التام).

 

زهير الجبوري