قراءة تأريخية فكرية لدور المثقف في تعزيز الامن القومي المجتمعي في العراق

تاريخ النشر : 2022-03-17

أ.م.د :باسم احمد هاشم الغانمي

م.م: نور عبود قمبر

قسم الدراسات التأريخية والاستراتيجية

يرتكز البناء الاجتماعي على الثقافة والقيم والافكار والمصالح والهويات في العلاقات داخل المجتمع الواحد . ومن خلال رؤيتنا التأريخية نتجه في منحى فكري يبتعد كثيرا عن مفهوم القوة في تحديد تلك العلاقات ونتجه الى مفاهيم فكرية ثقافية جديدة فاعلة في تحديد شكل هوية العناصر الاجتماعية المكونة للدولة ، وكيف تؤثر البيئة في سلوك النظام الاجتماعي من مصالح وقدرات وهويات ، وما هو تأثير المثل والقيم والثقافة والهويات في سياسات الدولة مثل (سياسة الامن القومي).

يركز البناء الاجتماعي على البعد الثقافي والفكري المؤسساتي الذي يناهض مفهوم اعتماد (القوة والسيطرة) تحت مسمى القانون الاجتماعي كأساس لبناء تلك العلاقات داخل المجتمع الواحد  والذي يركز على مسألة توازن القوى الاجتماعية ودور النظام السياسي البيروقراطي الذي يرى ان خصائص الدولة مهما اختلف فيها النظام السياسي سواء كان شموليا او ديمقراطيا هي خصائص متأصلة وخارجة عن تأثير البيئة الاجتماعية . على العكس من نظرية البناء الاجتماعي موضوع البحث التي ترى ان البيئة الثقافية لا تؤثر في سلوك الدول وعلاقاتها السياسية فحسب بل تتعدى ذلك الى طبيعة الدولة نفسها وفلسفة هويتها.

ان بناء الثقافة الاجتماعية خاصة في العراق تحتاج الى مجموعة محددات فكرية منها : تقبل الاخر على انه شريك تأريخي اولا ، وشريك اجتماعي ثانيا ، وشريك فكري ثالثا في ضوء ما يمتلكه من ثقافات خاصة . محددات جعلت امام المثقف العراقي مسؤولية تأريخية حقيقة لمعالجة ما يطرح من ثقافات اجتماعية وفكرية معتدلة لها اصالتها التأريخية والتراثية المتعايشة في اطار البلد الواحد. يتعامل المثقف مع هذه الثقافات على اساس انها مسببات توصله الى نتائج ايجابية قمتها هي التعايش السلمي في المجتمع العراقي وتحقيق غاية نهائية في ضوء هذا التعايش قوامها توفير (الامن القومي المجتمعي) . وهذا ما نجده في العراق بعد عام 2003 ان الزيجة الاجتماعية التأريخية بكافة تصنيفاتها المذهبية والدينية والاثنية حاولت تعزيز دورها في المجتمع العراقي من خلال توجهها صوب الارتباط بنفس التصنيف الاجتماعي مع دول جارة او اقليمية . دفعها في هذا التوجه اسباب كثيرة اهمها الخوف المفتعل من الشريك الآخر والتذرع بفقدان التوازن الاجتماعي الذي كان مطمأنا بسبب سطوة القانون والنظام الشوفيني الذي رزح تحت وطأته العراق اكثر من خمس وثلاثين عاما. اسبابا وجدت ملتقياتها الخارجية التي رأت في التدخل بالمشروع العراقي الجديد امرا مهما خاصة وان التركيبة الاجتماعية العراقية تسمح كثيرا لمثل هكذا توجهات انطبقت فلسفتها الاجتماعية تقريبا وما جاء به عالم الاجتماع الفرنسي دافيد إميل دور كايم (1858-1917) عندما قال (ان الحقائق الاجتماعية تتكون بتجميع الحقائق الفردية عبر محطات التفاعل الاجتماعي).

وهنا يمكن ان نطرح سؤالا فكريا معاصرا : من يحدد قيمة واهمية العلاقات في اطار البناء الاجتماعي داخل العراق؟ ، هل هو الفرد او الطائفة او القومية او النظام السياسي؟.

وللإجابة على هذا السؤال يجب ان نعرف الفوارق الفكرية الاساسية بين النظام السياسي الداخلي للعراق ، والانظمة الاخرى في مستوياتها الاقليمية والعالمية . ففي النظام السياسي الداخلي لا يلجأ الفرد الى حماية نفسه لان ذلك مرهون بواجبات الدولة التي يجب ان تكون حاضرة بقوة من خلال تطبيق القانون والدستور الذي اعترف بالشركاء المتعايشين في العراق كواقع تأريخي وثقافي وفكري متأصل ، وان لا يسمح للمساحات اجتماعية رخوة من التوسع لحساب التوافق الفكري والمذهبي والديني والاثني لكل جزء اجتماعي  على حساب الشريك الاجتماعي الاخر المعترف به دستوريا داخل اطار الدولة العراقية . ولنا شواهد تأريخية حديثة ومعاصرة في هذا الشأن قد نجد اهمها ما عانته الدولة العثمانية من تدخلات خارجية دولية بحجة حماية الاقليات الدينية والقومية التي برر تعامل الدولة العثمانية معها انه انتهاك واضح وصريح لحقوقها التأريخية والدينية والفكرية في ظل حكم اسلامي تعتمده الدولة العثمانية ، امرا اعطى مبررا رحبا لاختراق الدولة العثمانية بل وهدد مضاجعها لا في المركز فحسب بل في ولاياتها على حد سواء لدرجة ان انتجت هذه التدخلات ما عرف بالمسألة الشرقية التي كانت محصلة نهائية لتفتيت الدولة العثمانية القوية وقت حكمت سلطانها بقوة القانون وهيبة الدولة. وكذا الحال فيما عانته لبنان إبان الحرب الاهلية اللبنانية 1975-1990 من تعكير لصفوة التعايش والبناء الاجتماعي والثقافي والتأريخي بين زيجات المجتمع اللبناني خاصة وان خلخلة ذلك البناء جعلها مدعاة للتدخل الخارجي الذي فرض نفسه بقوة لحماية الاختلافات المذهبية والدينية والاثنية.

ولهذا نجد حسب رؤيتنا الفكرية ان (صناعة الامن القومي الاجتماعي في العراق يتحدد وفق منطلقات اساسية تبدأ بقوة الدولة وهيبتها ، ومدى قدرتها على توفيق البناء العراقي وفق مفهوم التعايش الاجتماعي المشترك المطمأن في ضوء صناعة علاقات خارجية متوازنة تنعكس ايجابا على الدولة اولا ، لا على الطائفة او المذهب او القومية).

من خلال ما تقدم نجد ان العلاقات الاجتماعية سواء في مستوياتها المحلية العراقية والعربية وحتى العالمية بدت تتجه نحو البعد الثقافي والقيمي للإنسان داخل المجتمعات المتنوعة دينيا واثنيا كمنطلق اساس في صناعة العلاقة المشتركة ، لا الاعتماد على مفهوم النظريات والقوانين الرأسمالية او الشمولية التقليدية التي تحدد طبيعة الانسان بنظيره وبالدولة وهذا يصلنا الى محدد هام في الامن القومي العراقي خلاصته (ان توازن القوى الاجتماعية داخل العراق مرهون بتوازن للتدخل الخارجي وقدرت صانع القرار السياسي في مناغمة ذلك التدخل بما يفضي لتحقيق الاستقرار الاجتماعي للعراق ككل لا لطائفة او مذهب او قومية على حساب اخرى ) .

لان عدم الموازنة في المفهومين يطرح نتائج عكسية تؤثر بمجملها على علاقة المجتمع بالنظام السياسي . الذي يجب ان ينظر الى التنوع الاجتماعي في العراق       كـ(مقدسات فكرية) واجبة الاحترام ، وبالنتيجة يحقق النظام السياسي جزءا كبيرا من امنه القومي الذي يقوم على ضرورة التعايش والانسجام بين طيات المجتمع العراقي.

فالبناء الاجتماعي في أي دولة يقوم على اسس حيوية اهمها: (البيئة الفعالة القائمة على الثوابت الاجتماعية التأريخية . وثانيا الانسان وما يملكه من تنوع فكري معتدل يرى في الشريك الاجتماعي نظيرا تربطه المصالح والعادات والتقاليد والاعراف داخل المجتمع) .

إذا ما حاولنا تقريب هذين الاساسين عالميا لوجدنا مثلا واضحا في الولايات المتحدة الامريكية التي لا ترى في القوة النووية التي تمتلكها بريطانيا او فرنسا تهديدا لأمنها القومي ، بقدر ما يعتريها تخوف كبير لامتلاك الصين او روسيا وحتى ايران مؤخرا لنفس او اقل من هذه القوة . وهذا المثال يجعلنا امام حقيقة اجتماعية مهمة : هي ان النوع الاجتماعي والمصلحة المتبادلة مهمين في تجاذب العلاقات الدولية على مستوى الدول لا الدولة الواحدة.

وهنا يمكن طرح سؤال مهم : كيف يمكن للعراق تحقيق الامن القومي في جانبه الاجتماعي مع كل المؤثرات هذه؟.

الاجابة مرهونة بمجموعة من الثوابت لا المتغيرات ومنها: (تعزيز الوعي الاجتماعي) وإرجاع دور (المثقف العراقي) بكافة تصنيفاته الاكاديمية والفكرية  وان تناط به مهام اجتماعية ذات بعد اعلامي معتدل يعزز الاواصر الاجتماعية الى حد كبير ، فلو رجعنا الى تأريخ قريب من التجربة العراقية في البناء الاجتماعي منذ تأسيس الجمهورية العراقية 1921 وقرأنا تراص المجتمع العراقي المتنوع ومدى تحقيقه لأمنه القومي الذاتي لوجدنا ان التجربة غنية كثيرا بمحطات ذلك التعايش الذي ذابت امامه كافة المنشزات الاجتماعية والفكرية فحداثة التجربة السياسية نوعا ما شبيهة بحداثة التجربة الديمقراطية العراقية بعد 2003 والتي نأسف ان نجد مستوى التأثير الخارجي بات واضحا على البناء الاجتماعي الداخلي في العراق. امرا خلق عدم الثقة والشك والريبة من الشريك الاخر وفق هواجس افتراضية اثرت في منحيين الاول علاقة المجتمع مع بعضه وثانيا علاقة المجتمع مع النظام السياسي . هذا التحسس جعل بعض اركان التنوع الاجتماعي لا تبالي ان تكون ميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة) في استحصال او محاولة انتزاع ما تدعيه من حقوق مغبونة ولو بالقوة وان كانت هذه القوة هي متطرفة فكريا.

كما تعد (تنمية ثقافة المجتمع المتوارثة لا تلك الثقافة المكتسبة) ثابتا آخر في تعزيز الامن القومي ، وان يلعب المثقف نفسه دورا كبيرا في تعزيز تلك الموروثات بأن يكون (قريبا من كل شرائح المجتمع العراقي والوانه وان لا يغلب مصلحة طائفته او مذهبه او قوميته على مصلحة البلد الوطنية) . وان يتخلى عن دوره الحالي المتضائل الذي امتاز بأنه كان نخبويا متأثرا ببعض التوجهات السياسية او الاجتماعية او الثقافية او الفكرية الخاصة لا الوطنية العامة ، جاء ذلك من تهميش السلطة لقدراته وامكانياته في صناعة مفهوم جديد للتعايش الانساني داخل العراق قائم على طمأنة الشركاء ان مفهوم الوطن يتقدم على مفهوم الطائفة او المذهب. حتى بات غير مبالي للتثقيف في بعض الاحيان للفكر الاجتماعي السلبي الذي ينعكس على المجتمع وامنه القومي .

يعد (الحفاظ على الهوية) ثابتا هاما في صناعة الامن القومي خاصة وان الهوية هي احد اهم محددات بناء الدولة ، فالدولة هي المجال الحيوي لتفاعل مجموع الهويات المشتركة ، وللهوية الاجتماعية التي يتبناها الانسان محددات ثلاث هي: هوية الذات وهوية النوع وهوية الدور ، تلك المحددات تنصب في مفهوم اوسع هو الهوية الاجتماعية المتعايشة كالهوية العراقية. التي تندرج في اطار الواقع القومي العربي الذي يربط العراق مع بيئته العربية .

لا يمكن انكار ان (النظام السياسي العراقي) يشكل ثابتا اخر في صناعة الامن القومي المجتمعي فالملتقيات الاجتماعية مهما اختلف مضمونها تحتاج الى كم كبير من الوسائل والصيغ التي يجب ان تتبناها الدولة . خاصة وان هناك محطات اجتماعية ملغومة تحتاج الى معالجات سريعة وفاعلة حتى لا تستغل كأحد جوانب إثارة الواقع الاجتماعي ضد المشروع السياسي ومنها (قضية النازحين) على سبيل المثال لا الحصر  والتي كثيرا ما استغلت على انها قضية اجتماعية قصد من خلالها ضرب التعايش التأريخي ، وهي في ذات الوقت تمثل مشروعا خصبا تتبناه بعض الجهات السياسية لتحقيق قاعدة شعبية داخل الطائفة الواحدة.