النواب المستقلون..... فاعل جديد في العملية السياسية

تاريخ النشر : 2022-01-11

زهير الجبوري

بات الحديث عن الدور المستقبلي للنواب المستقلين الفائزين يحتل حيزا من نقاشات الأروقة السياسة والوسط الإعلامي، بعد حصولهم على 40 مقعداً نيابياً، حسب النتائج الأولية التي اعلنتها المفوضية المستقلة للانتخابات، لنتائج التصويت لمجلس النواب في دورته الخامسة، والتي جرت في العاشر من تشرين الاول عام 2021.

مفهوم السياسي المستقل

قبل الحديث عن ماهية الدور والاداء المتوقع للنواب المستقلين، لابد من الوقوف على مفهوم الاستقلالية في العمل السياسي، كونه مدار جدل ونقاش بين المختصين.

يرى البعض، ان النائب او السياسي المستقل هو من يرشح لخوض الانتخابات باسمه الشخصي، ككيان فرد من دون الانضمام الى القوائم الحزبية المشاركة في الانتخابات، ولكن هذا الوصف يمكن ان ينطبق على مرشحين اخرين، من المنتمين للأحزاب، ولكنهم يدخلون الانتخابات بشكل فردي، لمقتضيات فنية وانتخابية، وسرعان ما يلتئم مع كتلة حزبه بعد الفوز، او أن هناك مرشحين بشكل منفرد، ولكنهم يحظون بالدعم من جهات حزبية، باعتبارهم يملكون قاعدة جماهيرية، مثل بعض شيوخ العشائر.

أي ان هذا التعريف ينطبق على المستقلين فعلا وعلى غير المستقلين.

 لذا راح البعض يصف المستقلين بالذين ليس لهم اي انتماء حزبي، أو ممارسة نشاط سياسي ضمن المنتظم الحزبي، وهنا يرد إشكال مضمونه أن الكثير من غير المنتمين للأحزاب لهم ميول او توجهات تقترب من طروحات هذا الحزب أو ذاك، لذلك على الرغم من إدعاء البعض بالاستقلالية الا اننا نلحظ في سلوكه وكتاباته تعبيرا حيا عن توجهات وافكار حزبية واضحة.

أما إذا كان الاستقلال في نظر البعض هو غياب الموقف تجاه الاحداث، فهذا مخالف لبديهية من بديهيات العمل السياسي الذي يتطلب منه رأيا وموقفا حول أي حدث سياسي، سواء كان محليا او دوليا، وان يكون للمستقل موقف متميز في ذلك.

بينما يرى اخرون ان الاستقلالية في العمل السياسي تعني الوسطية والاعتدال في إطلاق الأحكام والمواقف في الحدث السياسي، في وسط الآراء الحزبية المتعارضة او المتناقضة، والموقف الوسطي غير دائم التوفيق، إذ أن هناك احداثا تتطلب مواقف اكثر حدة ووضوحا، وتفرض مغادرة الوسطية خاصة في القضايا الانسانية وحقوق الانسان.

وذهب البعض في التعبير عن الاستقلالية بالوقوف على مسافة واحدة بين الافكار والتصورات المطروحة، وهنا يبرز خلل اخلاقي، اذ لا يمكن للإنسان وخاصة إذا كان سياسيا ان يكون على مسافة واحدة من الحق والباطل، بل ان المنطق الاخلاقي يفرض عليه ان يكون قريبا وملتصقا بالحق، ومبتعدا مسافة كبيرة عن الباطل .

لذا يمكننا ان نصف السياسي المستقل بانه الانسان المثقف والواعي والمدرك لخلفيات ما يدور حوله من احداث، ويكون صوتا معبرا عن تطلعات شعبه وأحلامه ويصوغها صياغة قانونية بروح سياسية.

المستقلون في الأنظمة السياسية

تختلف الأنظمة السياسية للدول في تعاطيها للأدوار السياسية مع الفعاليات السياسية في البلد، وفق مقتضيات قانونية او رؤى سياسية، لذلك نجد اختلافا في قضية وجود المستقلين في السلطتين التشريعية والتنفيذية، فبعض الدول مثل الكويت التي لا تقر بوجود الأحزاب لذا يكون جميع المرشحين للمجلس النيابي من المستقلين بالرغم من وضوح توجهاتهم السياسية.

وهناك دول تحجز نسبة من المقاعد يتنافس عليها المستقلون فقط، وهكذا تكون القوانين الانتخابية ملبية لحاجة مجتمعية وسياسية بنفس الوقت.

وفي دول اخرى يكون النظام السياسي عاملا مساعدا، لخلق فرصة لوجود المستقلين في المشهد السياسي مثل نظام الحزب الواحد او نظام الحزبين، إذا كانا يملكان آيديولوجيتين مختلفتين، او على طرفي نقيض، فيسعى الناخب الى التخلص من هذا التجاذب الحاد، بالتصويت للمرشحين المستقلين، ليخلق خطا وسطيا جديدا، يستوعب الناس ويجذبهم عن تخندق الافكار وتباعدها.

المستقلون في الانتخابات العراقية

شارك في انتخابات مجلس النواب العراقي المبكرة، لعام2021 كمرشحين مستقلين (مرشح منفرد) 789 مرشحا من أصل 3249 مرشحا، اَي ما يمثل 24% من مجموع المرشحين، استطاع 40 مرشحا الفوز بعضوية مجلس النواب، لتكون نسبة المستقلين في مجلس النواب المنتخب ما يقارب 12%، وبلغ عدد المصوتين من الناخبين للمرشحين المستقلين 680'716'1 صوتا وهو ضعف أصوات القائمة الثانية في عدد المصوتين، وقد يضاف إليهم عدد آخر من المرشحين المستقلين الذين نزلوا تحت عنوان (قوائم مستقلة).

هذا الفوز المهم والذي أربك وغير الخارطة السياسية تحت قبة البرلمان، والذي سيفرض واقعا جديدا بدخول لون جديد وفاعل في المجلس، ويتوقع منه ان ينتج تغييرا في المعادلة السياسية، جاء بسبب عدد من العوامل منها:

  • القانون الانتخابي الجديد رقم 9 لسنة 2020، الذي عمد الى إلغاء نظام سانت ليغو المعدل، الذي عمل به في الانتخابات السابقة والذي اعتمد نظام القوائم وعلى مستوى الدائرة الواحدة لكل محافظة لتحل الدوائر المتعددة على مستوى المحافظة، والترشح الفردي في القانون الجديد، مما ساعد كثيرا على خلق فرص متساوية للمرشحين من المستقلين والمتحزبين، وبهذا يمكن للقانون الانتخابي المنصف ان يوفر الفرصة لتغيير الواقع السياسي، اذا حسن اختياره وتطبيقه.
  • تلكؤ الأحزاب التقليدية في عملية استيعاب الشباب العراقي بأفكارهم وتطلعاتهم الجديدة، ورغبتهم في التغيير نحو الاحسن، وعدم قدرتهم على إقناع الشباب بطروحاتهم التي لم تواكب التطورات والتغيرات الحاصلة في عادات وسلوك الجيل الجديد المتاثر بالانفتاح على العالم الخارجي، والاطلاع على تجارب الدول الاخرى في العالم المتمدن، رغم كثرة عدد الأحزاب وتنوع توجهاتها، وعناوينها المشاركة في العملية الانتخابية.
  • تقهقر الأحزاب السياسية التقليدية في ادائها الحكومي وحالة التراجع الكبير في الخدمات العامة والتدهور في مختلف القطاعات، مع عدم توفير فرص العمل للخريجين والعاطلين عن العمل، وتدهور الوضع الاقتصادي للبلد مع إمكانيات العراق النفطية والذي يؤكد صحة رأي الشباب المحبط من اداء الاحزاب السياسية وسلوكها وأمانتها، أرغمها الى التوجه الى المستقلين كبديل لهذه الأحزاب، لقيادة البلد لبر الأمان.
  • إن احتجاجات تشرين 2019 خلقت رأيا عاما جارفا بضرورة التغيير فيما يخص موضع الأحزاب التقليدية السلطة، باعتبارها "سببا لمشاكل العراقيين" كما نقلت أدبيات الاحتجاجات، وجاءت نتائج الانتخابات ترجمة فعلية للتغير الحاصل في الرأي العام، أنتج سلوكا انتخابيا مغايرا للمعتاد، افرز ميلا كبيرا نحو انتخاب المستقلين نكاية بقوائم الأحزاب الاخرى.

المصاعب المتوقعة امام المستقلين

  • على الرغم من المحاولات الحثيثة للفائزين المستقلين لتشكيل كتلة برلمانية مستقلة، عبر عدد من اللقاءات المتبادلة لكنها لحد الان لم توضح بصورة اكيدة ملامح هذه الكتلة وحجمها البرلماني، وخارطتها الجغرافية بصورة واضحة وأكيدة، بل راينا تشكيل كتلتين مستقلتين أعلن عنهما اعلاميا، ولكن دون فعالية تفاوضية جادة مع العناوين السياسية الاخرى.
  • لم يطرح المستقلون الفائزون أي برنامج سياسي، او رؤية متفق عليها لتكون خارطة طريق لادائهم النيابي القادم، وإعلان بنوده الرئيسيّة ليكون مشروعا وطنيا قد يلتئم عليه نواب اخرون، من جهات سياسية اخرى.
  • صعوبة التغلب على الاعراف السياسية السائدة منذ مدة والتي رسمت بصمتها على مجمل العملية السياسية ومنها المحاصصة المكوناتية، التي كانت من بين الأسباب المنتجة للفساد الذي اصاب الدولة وعرقل عملها، وفي قراءة بسيطة لخارطة توزيع المقاعد على أساس المكونات، نجدها توزعت كالآتي: حصة المكون الكردي 4 مقاعد وحصة المكون السني 12 مقعد، والمكون الشيعي 24 مقعد، وفي حال عدم قدرة المستقلين على الائتلاف لتكوين كتلة وطنية عابرة للطائفية، فانهم سيتماهون مع العرف السياسي السائد ولن يحدثوا التغيير المأمول منهم، والذي يحقق امل ناخبيهم.
  •  كيفية ترويض جمهورهم المتمرد والضاغط عليهم والناقم على الوضع السياسي بروحه الثورية، والاحتجاجية والتي تقترب من العنف احيانا، بما يتناقض مع قواعد اللعبة السياسية، والتي يجب الاحتكام اليها من قبل كل من دخلها رغم رغبته في احداث التغيير، وهذا يحتاج موازنة دقيقة من عقليات سياسية تمتلك الخبرة والحنكة في التعامل مع المواقف المتعاكسة، والتي قد لا يمتلكها بعض النواب المستقلين، بسبب قلة الخبرة، وولوجهم الاول في دهاليز السياسة وعقدها المستعصية.
  •  سيواجه المستقلون صعوبة كبيرة في التعامل مع التدخلات الخارجية المختلفة، في العملية السياسية الداعمة للاطراف السياسية في الوقت الذي يمثلون فيه حضورا نوعيا جديدا، يحتاج الدعم والتأييد لتثبيت أركانه، وتدعيم وجوده مع قلة الإمكانيات والأدوات التي يملكها المستقلون، مقابل الإغراءات الخارجية التي انزلق اليها من سبقهم من المشاركين في هذا النظام السياسي، ننتظر ونأمل أن تنتصر إرادة من يفضلون مصلحة الوطن ويسعون لتحقيقها.