اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل

تاريخ النشر : 2021-06-13

سارة حسن

قسم الدراسات السياسية

المقدمة.

التطبيع يعني التواصل وبناء وتطوير العلاقات بين دولة واخرى، والوصول الى علاقة طبيعية بعد قطع العلاقات بسبب حرب او خلافات على ترسيم الحدود،  وان كلمة تطبيع "تأتي ضمن بعد سياسي واجتماعي بمعنى الاعتياد، وهي بناء علاقات رسمية او غير رسمية في كافة المجالات. وان العلاقات الطبيعية بين الدول هي، تبادل السفراء ووجود علاقات دبلوماسية واقتصادية وسياسية وثقافية وحتى عسكرية.

ويمكن تعريف تطبيع العلاقات بأنها مصطلح سياسي يشير الى جعل العلاقات طبيعية بعد فترة من التوترات او القطيعة لأي سبب كان.

وقد عرف قاموس اكسفورد "التطبيع Normalization" على انه جعل الشيء مناسباً للظروف وانماط الفعل.

ولكن التطبيع مع إسرائيل والذي طرحه الرئيس الامريكي دونالد ترامب 2020، والذي عرف بمبادرة السلام بين كل من دولة الامارات العربية المتحدة والبحرين والسودان مع إسرائيل، يخالف التطبيع الذي يكون بين دول متصارعة او متقاطعة، خصوصاً هذه الدول لاتربطهما حدود مع إسرائيل وليس هناك حروب بينهما، وهذا التطبيع يمكن اعتباره بوابة للاستعمار الاسرائيلي وليست شراكة بين دولتين في مجال السياسة والاقتصاد، وان هذا التطبيع يعني طمس الحق الفلسطيني في ارضه على الرغم من قرار 194 للامم المتحدة والذي أقر حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بأيديهم. سنتطرق في هذه الورقة تطبيع العلاقات بين الدول التي حصلت فيها نزاعات عسكرية  تاريخياً، والبحث في اسباب تطبيع العلاقات بين بعض الدول الخليجية والسودان مع اسرائيل.

أولاً-التطبيع في العلاقات بين الدول العربية واسرائيل تأريخياً.

كانت اولى محاولات التطبيع بين اسرائيل والدول العربية في معاهدة السلام هي:

- معاهدة السلام بين مصر واسرائيل (كامب ديفيد1979).

وقد وقعت هذه المعاهدة في الولايات المتحدة الامريكية بأشراف الرئيس الامريكي جيمي كارتر لوقف الحرب بين مصر واسرائيل في شبه جزيرة سيناء عام 1979، بين الرئيس المصري الراحل انور السادات ورئيس وزراء اسرائيل مناحم بيغن، ومن خلال هذا الاتفاق تم سحب القوات العسكرية الاسرائيلية من سيناء، وخروج مصر من الجانب العربي الرافض لأسرائيل وانهاء حالة الحرب بينهما، وبذلك تم تطبيع العلاقات بين الدولتين.

تنص هذه الاتفاقية على:

1-جعل مصر اول دولة عربية تعترف رسماً بإسرائيل.

2-جعل منطقة سيناء منزوعة السلاح.

3-حرية مرور السفن الاسرائيلية عبر قناة السويس.

4-الاعتراف بمضيق تيران وخليج العقبة ممرات مائية دولية.

نتائج اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل:

من الاثار المترتبة على هذه الاتفاقية رفض من الدول العربية والاسلامية حيث اعتبرت الدول هذه الاتفاقية خيانة للقضية الفلسطيني، وعدم قدرة مصر على الوقوف بجانب اي دولة تتعرض لنزاع مسلح مع اسرائيل، كذلك اسقاط التزام مصر بمعاهدة الدفاع المشترك وميثاق جامعة الدول العربية الذي يلزم الاطراف الموقعة عليه بمساعدة الطرف العربي الذي يتعرض الى اعتداء صهيوني، وتمت مقاطعة مصر من قبل الدول العربية وتعليق عضويتها في جامعة الدول العربية ونقل مقرها من القاهرة الى تونس مؤقتاً.

-معاهدة السلام بين الاردن واسرائيل(وادي عربة 1994).

تعد الاردن ثاني دولة عربية بعد مصر تعقد معاهدة سلام مع اسرائيل، تم توقيع هذه المعاهدة في منطقة وادي عربة في الاردن على الحدود الاردنية الاسرائيلية، وقد تم تطبيع العلاقات بين الدولتين وتناولت المعاهدة النزاعات الحدودية بين الأردن والضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بالإضافة لقضايا المياه والبيئة والمعايير الحدودية وجوازات السفر والتأشيرات واللاجئين الفلسطينيين، وكذلك فتح الحدود بين الاردن واسرائيل والسماح بالسفر والسياحة عن طريق فتح المعابر بينهما، وبإشراف الرئيس الامريكي بيل كلينتون، وقد وقع المعاهدة رئيس الوزراء الاردني عبد السلام المجالي ورئيس وزراء اسرائيل إسحق رابين، وكانت تهدف هذه المعاهدة الى تحقيق سلام عادل ودائم وشامل في الشرق الاوسط مبني على قرارات مجلس الامن الدولي.

أهم بنود الاتفاقية:

1-تحديد الحدود الدولية بين البلدين على اساس تعريف الحدود زمن الانتداب البريطاني.

2-أتفق الطرفان على اقامة علاقات دبلوماسية وتبادل للسفراء المقيمين وذلك خلال مدة شهر من تاريخ تبادل وثائق التصديق على المعاهدة.

3-أقامة علاقات اقتصادية وثقافية وإعطاء تأشيرات للسياح وفتح الخطوط الجوية بينهما.

4-تعهد الطرفان وفقاً للاتفاقية الامتناع عن التهديد بالقوة او استعمالها.

5-الامتناع عن تنظيم الاعمال والتهديدات العدائية او المعادية أو ذات الطبيعة التخريبية أو العنيفة وعن التحريض عليها او المساهمة والمشاركة فيها ضد الطرف الاخر.

6-بحسب الاتفاقية تم اعطاء الاردن افضلية للإشراف على الاماكن المقدسة في القدس، وتوزيع مياه نهر الاردن وأحواض وادي عربة الجوفية بشكل عادل بين البلدين.

 

ثانياً: التطبيع في العلاقات بين الدول العربية واسرائيل 2020.

1- الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي(معاهدة أبراهام او إبراهيم 2020).

 الاتفاق الذي اعلنه الرئيس الامريكي دونالد ترامب في 13اب 2020بين الامارات واسرائيل، وبهذا الاتفاق  تعد الامارات العربية ثالث دولة بعد مصر والاردن توقع اتفاقية سلام مع اسرائيل، وان هذا الاتفاق تم بإشراف الولايات المتحدة، بحيث يمكن القول انه اتفاق ثلاثي بين كل من (الولايات المتحدة -الامارات –اسرائيل). الاسباب المعلنة من قبل الامارات لهذا الاتفاق هو تسوية العلاقات بين البلدين، وان الاتفاق سوف يوقف عملية الضم الاسرائيلي لمناطق غور الاردن من الضفة الغربية.

 وجاء في نص الاتفاقية:

1-ان هذا الاتفاق الثلاثي بين (الولايات المتحدة الامريكية-الامارات العربية-اسرائيل)، يعمل على تعزيز السلام في منطقة الشرق الاوسط، وان الاتفاقية تمت وفق احكام ميثاق الامم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، واحترام السيادة بين الاطراف الموقعة على الاتفاق.

2-من خلال هذه الاتفاقية سيتم توقيع اتفاقيات ثنائية تتعلق بالاستثمارات والسياحة والامن والاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والرعاية الصحية والثقافية والبيئة بين البلدين.

3-ان اقامة العلاقات بين اثنين من اكبر التجمعات حيوية في الشرق الاوسط يؤدي الى نمو الاقتصاد وتعزيز الابتكار التكنولوجي.

4-ان الامارات العربية المتحدة واسرائيل ستعمل على تطوير اللقاح لفيروس كورونا (كوفيد 19).

5-جمع هذا التطبيع اثنين من اكبر شركاء امريكا في منطقة الشرق الاوسط.

6-مساعي تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، بقصد ترسيخ ثقافة السلام بين الديانات الثلاث والبشرية جمعاء.

2-الاتفاق البحريني الاسرائيلي 2020:

تعتبر البحرين ثاني دولة خليجية ورابع دولة عربية تطبع مع اسرائيل، ففي 11 ايلول 2020 اعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن هذا الاتفاق بقوله ( خطوة تاريخية جديدة اليوم، الدولتان الصديقتان العظيمتان إسرائيل ومملكة البحرين توصلتا لاتفاق سلام. ثاني دولة عربية تعقد السلام مع اسرائيل في 30 يوماً). ويعرف بالاتفاق الثلاثي (البحريني-الاسرائيلي-الامريكي)،  وقد جرى الاتفاق بين الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة ملك البحرين ورئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، بأشراف الرئيس الامريكي دونالد ترامب.

 الاسباب المعلنة من قبل الخارجية البحرينية لهذا الاتفاق هي:

1-أن اتفاق السلام مع اسرائيل هو رسالة ايجابية للشعب الاسرائيلي.

2-أن اعلان إقامة العلاقات بين مملكة البحرين واسرائيل يصب في مصلحة امن المنطقة واستقرارها وازدهارها.

3-ان السلام العادل والشامل مع الشعب الفلسطيني هو الطريق الافضل والمصلحة الحقيقية لمستقبله ومستقبل شعوب المنطقة.

ومن اهم ما جاء في نص الاتفاق الثلاثي(البحريني-الاسرائيلي-الامريكي).

1-اهمية الحفاظ على السلام وتعزيزه في الشرق الاوسط والعالم على اساس التفاهم المتبادل والتعايش، وكذلك احترام كرامة الانسان وحريته، بما في ذلك الحرية الدينية.

2-تشجيع الجهود المبذولة لتعزيز الحوار عبر الاديان والثقافات للنهوض بثقافة السلام بين الديانات الابراهيمية الثلاث والبشرية جمعاء.

3-نسعى لإنهاء التطرف والصراع لتوفير مستقبل افضل لجميع الاطفال، ولتحقيق رؤية للسلام والامن والازدهار في الشرق الاوسط وفي العالم.

4-نسعى الى دعم العلم والطب والتجارة كوسيلة لإلهام البشرية وتعظيم إمكاناتها.

5-نشجع على اقامة العلاقات الدبلوماسية بين اسرائيل وجيرانها في المنطقة وفق مبادئ معاهدة ابراهيم.

 

ثالثاً: الاسباب غير المعلنة للاتفاق (البحريني والاماراتي مع اسرائيل2020).

ان الاسباب المعلنة للتطبيع بين الامارات والبحرين مع اسرائيل، هي تسوية العلاقات بين الدول المطبعة واسرائيل، واقامة علاقات دبلوماسية بينهما. اما الاهداف غير المعلنة حسب وجهة نظر بعض المحللين السياسيين يمكن ايجازها ما يأتي :

1-ان هذا الاتفاق  فتح المجال بين الامارات العربية المتحدة واسرائيل في مجال تصدير النفط الى أوربا دون المرور عبر قناة السويس، ويتم من خلال شحن النفط الخام والمنتجات النفطية من دولة الامارات الى الاسواق الاوربية عبر خط انابيب لنقل النفط بين مدينة إيلات على البحر الاحمر وميناء عسقلان على البحر المتوسط.

2-اما من الناحية الامنية والعسكرية فأن هذا الاتفاق سوف يعمل على بناء قواعد عسكرية في الخليج، حسب تصريحات اسرائيلية، مما يحقق لإسرائيل اهدافهم في التوسع وزيادة نفوذهم داخل منطقة الشرق الاوسط، وكذلك مواجهة ايران العدو الاكبر لإسرائيل في المنطقة، بحسب رأي الولايات المتحدة واسرائيل.

اتفاق التطبيع السوداني الاسرائيلي:

تاريخياً ان العلاقات السودانية الاسرائيلية عرفت بأنها علاقة عداء، لأن السودان من الدول الرافضة للاحتلال الاسرائيلي، كما شاركت قواتها المسلحة مع الجيوش العربية في جميع الحروب الكبرى التي خاضتها ضد الاحتلال الاسرائيلي منذ احتلال فلسطين عام 1967.

اما الان فالسودان هي ثالث دولة عربية تطبع علاقاتها مع اسرائيل بعد الامارات والبحرين حصل بين الدول العربية واسرائيل خلال 2020،  وقد اعلن من  قبل الرئيس الامريكي دونالد ترامب في 23 تشرين الاول بقوله (فوز كبير للولايات المتحدة والسلام في العالم، وافق السودان على اتفاق سلام وتطبيع مع اسرائيل، قامت الثلاث دول بذلك وفي غضون اسابيع فقط والمزيد سوف يتبعهم). وقد تم في نفس اليوم الذي تم فيه التطبيع ازالة السودان من قائمة الدول الداعمة للارهاب.

وقد تم هذا الاتفاق بأشراف رئيس الولايات المتحدة الامريكية، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، ورئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو. وقد نص الاتفاق على:

1-تسوية العلاقات بين البلدين واقامة علاقات دبلوماسية بينهما.

2-الاتفاق على بدء علاقات اقتصادية وتجارية مع التركيز في البداية على الزراعة بالإضافة الى مجالات التكنولوجيا الزراعية والطيران.

أذن كان الهدف من وراء التطبيع بين اسرائيل والسودان يكمن في رفع السودان من قائمة الدول الداعمة للأرهاب واعادتها الى المجتمع الدولي في مقابل الاعتراف بأسرائيل.

 

وفي الختام يمكن القول.

ان التطبيع مع الكيان الاسرائيلي في مصر والاردن هو تطبيع بين الحكومات وليس الشعوب، وان هذه الدول ترتبط بحدود مع اسرائيل وقد حصلت بينها نزاعات عسكرية مما دفعها الى التطبيع، ففي مصر ولحد الان رغم تأييد الحكومة المصرية لتطبيع الامارات والبحرين يبقى الشعب المصري رافضاً لارتباطه مع الكيان وكذلك الشعب الاردني، اما الدول التي لا ترتبط بحدود وليس هناك توترات بينها مثل(الامارات والبحرين والسودان)، فهي ليست مضطرة لهذا النوع من العلاقات، خصوصاً انها تعمق من الازمة في القضية الفلسطينية وتعترف بالوجود الاسرائيلي على حساب الشعب الفلسطيني، فمهما كانت العلاقة بين البلدان العربية واسرائيل يجب ان لا تنزلق لمستوى التطبيع.  

 ولابد من الاشارة ايضاً ان التطبيع يبقى مرفوض من طبقة واسعة من الشعوب العربية في الدول التي طبعت علاقاتها مع اسرائيل سواء قبل او بعد 2020، اضف الى ذلك ان هناك دول اخرى عربية واسلامية ستدخل في المستقبل ضمن مجموع الدول التي ستطبع علاقتها مع اسرائيل، ويبقى الخاسر الاكبر في هذه الاحداث هو الشعب الفلسطيني.