نظام التعليم المدمج (blending learning) في العراق .. التحديات والمعالجات

تاريخ النشر : 2020-12-14

وفاء فوزي حمزة

قسم الدراسات الاجتماعية

المقدمة

ألقت جائحة كورونا بظلالها على جميع نواحي الحياة البشرية، وأربكت جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكان تأثيرها الأكبر على المنظومة الصحية والتعليمية في العالم اجمع، إذ تحول فيها التعليم من الحضوري إلى الالكتروني، كنوع من الوقاية والحد من تفشي الوباء، لكن سرعان ما بدأت مشاكله وعوائقه بالظهور خصوصا في البلدان التي لا تزال متأخرة فيما يخص التكنولوجيا والأتمتة والقدرة على مواكبة هذا التغير الكبير والركون إلى التكنولوجيا بشكل كبير ومفاجئ على مستوى التعليم.

ومن بين تلك البلدان، كان العراق مصنفا كبلد عانى من الحروب والصراعات المستمرة والتشتت وضعف الاستقرار على الاصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في ظل تخبط واضح في محاولة النهوض بهذا الواقع، وفيما يخص التعليم الالكتروني، اتجهنا كبلدان العالم الاخرى نحو تطبيق التعليم الالكتروني وكان لحداثة التجربة العراقية في التحديث التكنولوجي الرقمي، التي بدأت بعد عام 2003، عقب سنوات من الانقطاع عن مواكبة التطور الرقمي الحاصل في مختلف انحاء العالم.

ومع تأخر العراق بأشواط عديدة في هذا المجال، حاولت الهيئات التعليمية أن تطبق وبشكل عاجل استراتيجيات وانظمة الكترونية ابتدعتها بلدان لديها باعٍ طويل في مجال الرقمنة، في ظل فجوة تقنية واسعة، الأمر الذي أوقع التعليم الالكتروني في العراق بالعديد من المشاكل، لأسباب كثيرة، من بينها ضعف شبكة الانترنيت في عموم العراق، مع وجود مناطق ريفية ليس لديها أي معرفة بكيفية التعامل مع الانظمة الرقمية، كذلك ضعف البنى التحتية التعليمية وقلة المدارس واكتضاضها بأعداد كبيرة من الطلبة في الصف الواحد ناهيك عن قلة المتخصصين بالمجال الالكتروني والحواسيب ضمن الكوادر التدريسية، والفجوة التقنية الحاصلة بين المتلقي والهيئة التدريسية، وضعف معرفة الكثير من التدريسيين بالبرامج التعليمية الالكترونية الحديثة، كل هذه المعوقات شكلت تحديات أمام تطبيق أنظمة التعليم الالكترونية المستحدثة في العراق بعد قرار تطبيق التعليم الالكتروني من قبل وزارة التربية في العام الماضي، إذ لم يوجد بديل آخر لاستمرار التعليم، فحدثت بعض المشاكل من بينها عدم اكمال المناهج المقررة حيث عبر الطلاب المراحل الدراسية دون معرفة وافية بالمناهج المقررة خلال المرحلة، الأمر الذي قاد إلى التفكير باستخدام النظام التعليمي المدمج ضمن السنة الدراسية الجديدة 2020 - 2021. 

التعليم المدمج، جذور التجربة

ظهر مصطلح التعليم المدمج عام 2008 ضمن أبحاث نشرت على شكل دوري وتم تحديثها بشكل مستمر، قُدمت من قبل الرابطة الدولية للتعليم الالكتروني عبر الانترنيت (INACOL)، والتي عملت على ابتكار أنظمة تعليمية تسهل على الطالب والمعلم مسار العملية التربوية من مرحلة رياض الاطفال وحتى نهاية التعليم الثانوي، لخلق جيل واعي معتمد على ذاته بالمعرفة والمهارات التي يحتاجها ومتلائمة مع متطلبات المجتمع، إذ قامت هذه الرابطة بإعداد سلسلة برامج تدريبية، ووضعت معايير دولية للمناهج الالكترونية، وكيفية المزج بين التعليم المدرسي التقليدي المتعارف عليه وبين التعليم الالكتروني الرقمي، ولقد حضيت هذه البرامج والدورات والمناهج بالدعم السياسي والاجتماعي والاقتصادي من قبل صانعي القرار في الولايات المتحدة وقت نشرها، نظرا لتوجه العالم باتجاه التكنولوجيا وعالم الرقميات.

ضمن هذه السلسلة، تم عرض بعض الاساليب المطورة من قبل الممارسين وواضعي السياسات التربوية التعليمية، استجابة لقضايا التعليم الرئيسية ذلك الوقت، فكانت الغاية الاساسية من عملية المزج بين الطريقتين هي التأكيد على ضرورة شمول ومشاركة جميع طبقات المجتمع من مختلف الاجناس والأعمار داخل وخارج البلاد في العملية التربوية التعليمية، عبر اتباع هذا النظام الالكتروني، لتحرير الطلاب من جميع القيود المكانية المحصورة بأماكن المدارس، وكذلك القيود الفكرية التقليدية المحددة بنظام تعليمي واحد، وخلق بيئات تعلم ذاتية تتمحور حول الطالب وتوجهاته الشخصية، وتطوير مهاراته المهنية والتقنية التي سيكتسبها أثناء تلقيه التعليم الالكتروني والبرمجيات الرقمية بشكل عام، مع وجود كادر تدريسي مؤهل تأهيلاً عالميا، وباستخدام موارد رقمية مبتكرة وحديثة، بما سيضمن اعتماد الطالب على نفسه، مبتكراً لنفسه أسلوبا لتعليمه، وتطويره لادواته التعليمية، متفرداً بأفكاره، متخذا مكانته العملية والعلمية في  مجتمع نخبوي ذو كفاءات حقيقية.

 

تعريف التعليم المدمج

يقصد به المزج بين التعليم الصفي التقليدي وبين التعليم الالكتروني عن طريق شبكات الانترنيت في اطار واحد، والاستفادة من التقنيات الالكترونية المتاحة لتسهيل العملية التدريسية، إذ يكمل أحدهما الآخر، وكما جاء في تعريف (هورن وستاكر) بأنه نظام تعليمي رسمي يتلقى الطالب من خلاله تعليماً جزئيا عن طريق الانترنيت، مع بعض العناصر التي تتيح للطالب التحكم بالوقت (أي لم يعد التعلم مقتصراً على اليوم الدراسي او السنة الدراسية) والمكان ومسار التعّلم.

وبحسب ما نشرت الرابطة الدولية (INACO)، فإن نجاح برنامج التعليم المدمج في المراحل الدراسية كافة، بل حتى حين يتم اعتماده في الشركات الخاصة، يعتمد على متطلبات وعوامل رئيسية كالتالي:

  • متطلبات تقنية تشمل البنى التحتية للنظام التدريسي ومدى قدرته على التماشي مع متطلبات هذا النظام الرقمي.
  • خضوع جميع المقررات الالكترونية للمعايير الدولية لأهميتها البالغة في الإصلاح التربوي لتحديد المواصفات والامتيازات التي تستحق الاعتماد التربوي وتضمن استمرار جودتها وجودة مخرجاتها، واعتمادها كمرجع للهيئات التدريسية والإدارات التربوية وواضعي السياسات التعليمية ومنفذيها من اجل الارتقاء بالعملية التربوية وتطوير المناهج والممارسات التدريسية وتقويمها لملائمة العقود الجديدة.
  • إمكانية توفر الأدوات والوسائل المستخدمة في التدريبات العملية الالكترونية بما فيها من منصات الكترونية والحواسيب وما إلى ذلك من الأدوات اللازمة لهذا النظام.
  • المتطلبات البشرية والتي تشمل إمكانية توفير كادر تدريسي مؤهل وذو خبرة واطلاع على هذا النظام الالكتروني وجوانبه الفنية والاجتماعية ويمتلك القدرة على مواجهة التحديات والعوائق لنجاح هذا النظام ودمجه بالتعليم التقليدي.
  • لابد من عمل تقييم فكري للطالب من قبل الهيئة التدريسية يشمل معلومات وبيانات دقيقة عن إمكانية وقدرة المتعلم ومدى استجابته لهذا النظام من خلال إعداد أنشطة فكرية واجتماعية تساعد على تقييم أداء المتعلم (مستوى التذكر، مستوى الفهم والادراك، امكانية التطبيق، وقدرة التحليل والابتكار).

أنماط نظام التعليم المدمج

تعددت الانماط للتعليم الالكتروني المدمج وتنوعت بما يتلائم مع البيئة التدريسية والفئات العمرية للمتعلمين وقدرتهم على التلقي، وقسمت المفهوم العام إلى ثلاثة انماط رئيسية تشمل جميع الفئات العمرية وتتخصص فيما بعد تبعاً لذلك، وهي كما يلي:

 

  • التعليم الصفي التقليدي ويشمل العملية التعليمية المتعارف عليها.
  • التعليم الالكتروني ويشمل التعلم عن بعد عبر شبكات الانترنيت ومن خلال منصات الكترونية تعليمية بدون الوجود وجه لوجه مع الكادر التدريسي.
  • التعليم الممزوج بين التقليدي الصفي وبين الالكتروني، إذ يتم تقسيم الفصول التدريسية   بشكل يكمل كل منهما الاخر.

المعايير الدولية لعمل المقررات الرقمية الالكترونية وبحسب الرابطة الدولية (INACOL):

اولاً. المحتوى الأكاديمي

  • يجب ان تكون أهداف المقرر واضحة لجميع الطلاب المشتركين في نشاطات المقرر   ليتمكنوا من أدائها حتى نهاية المقرر.
  • أن يتماشى المقرر ومحتوياته وواجباته مع معايير الدولة ومعايير المناهج الموضوعة لها.
  • أن تتسم محتويات المقرر بالدقة والعمق.
  • الثقافة المعلوماتية وإدراج مهارات الاتصال جزء لا يتجزأ من المنهج الدراسي.
  • توفير مصادر التعلم وتعددها قبل بداية العام الدراسي.
  • توضيح الأهداف للطلاب ليكونوا على دراية بالمتطلبات في المقرر وما سيتعلمونه.
  • أن يصمم المقرر على مستويات معينة من الصعوبة (سهل، متوسط، صعب) فليس كل الطلاب على مستوى واحد من الفهم.
  • تعريف المصطلحات بحيث يتاح للطلاب فهم المصطلحات المبهمة في المقرر.
  • المستخلص والملخص بحيث يكون المستخلص في بداية المقرر بهدف إعطاء الطلاب فكرة عن المقرر الذي سيدرسونه والملخص يكون في نهاية المقرر.
  • إعطاء المزيد من الروابط حول الموضوعات التي يرغب الطالب في الاستزادة عنها.

 

ثانيا. المحتوى التقني

  • يُسمح للمعلم بإضافة انشطة او تقييمات رقمية خاصه به لتوسيع فرص التعلم.
  • وضوح وتناسق المقرر اثناء تصفح المقرر.
  • توفير الوسائط في صيغ متعددة لسهولة الوصول والاستخدام، ولتلبية حاجات الطلاب المختلفة.
  • الاجهزة والبرامج والمتصفح تكون محددة بتعليمات ومحاذير توضع من قبل الهيئة التدريسية.
  • يصمم المقرر ليتناسب مع التنظيمات الدولية للمقررات ومعايير التشغيل الرقمي.
  • إبقاء معلومات الطلاب المشاركين في المقرر قيد السرية كما هو مطلوب من خصوصية وحقوق أسرة العمل التعليمية.

 

امكانية تطبيق النظام التعليمي المدمج في العراق

فيما يخص النظام التعليمي في المدارس نجد ان تطبيق هكذا نظام في الوقت الحالي سيواجه صعوبات وتحديات كثيرة نظرا للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها البلد، حيث تقسم هذه التحديات إلى قسمين:

أولا: تحديات تقنية وفنية وتشمل:

  • ضعف التغطية الشاملة للانترنيت في جميع مناطق ومحافظات العراق وانعدامها في المناطق الفقيرة، كذلك عدم استمرار التجهيز بالكهرباء، وبغياب اهم عوامل نجاح النظام التعليمي المدمج سيكون تطبيقه صعبا وسيفقد غايته الاساسية وهي شمول جميع افراد المجتمع بالتساوي في العملية التربوية.
  • استغلال السوق العراقي لهذه الازمة برفع تكلفة الاجهزة اللوحية ومستلزمات النظام التعليمي الالكتروني.
  • عدم تكافؤ الاجهزة الموجودة لدى المتعلمين في منازلهم واختلافها من حيث القدرة والسرعة وصلاحية المحتوى المنهجي المتبع.
  • عدم وجود منصة الكترونية محدثة متبعة للمناهج الدراسية مما يؤدي إلى تشتت الطلاب بسبب تعدد الوسائل والتطبيقات المستخدمة.

ثانيا-التحديات الاكاديمية والمجتمعية وتشمل:

  • ارتفاع ملحوظ في عدد العوائل العراقية تحت خط الفقر بسبب جائحة كورونا وضعف الدخل الاقتصادي لباقي العوائل ذات الدخل المحدود، بما يعيق قدرتهم على شراء أدوات ووسائل التعليم الالكتروني، كالحواسيب والاجهزة الذكية المستعملة في هذا النظام.
  • قلة الخبرة البرمجية والالكترونية، ونقص في الكوادر التدريسية المؤهلة للتعامل مع نظام تعليمي الكتروني ودمجه بالتعليم التقليدي.
  • ضعف الثقافة الرقمية والتكنولوجية وكيفية التعامل  لدى بعض الطلاب وعوائلهم خصوصا أن الجزء الاكبر من أعباء التدريس سيقع على عاتقهم وعاتق الطالب ومهارته الذاتية في التعامل مع أدوات وبرامج التعليم الالكتروني.
  • وواجه قرار اعتماد نظام التعليم المدمج بالرفض من قبل بعض الكوادر التدريسية، لتيقنهم من فشله، وعدم وضوح وجهازية الخطة التعليمية، التي يعتمد نجاحها على مدى التزام الطلاب بالخطة، من جهة وبمشاكل البيئات التدريسية من جهة اخرى.

اما فيما يخص الكليات والمعاهد فستكون وطأة التحديات اخف نظرا للفئة العمرية والخبرة الأوسع في استخدام التكنولوجيا والنظام الالكتروني، ولكن الحال لن تخلو من بعض المعوقات التي ذكرت سابقا.

المعالجات:

تتوقف إمكانية المعالجة وإيجاد الحلول على مدى تعاون الطلاب والاساتذة مع بعضهم لنجاح النظام الالكتروني المدمج، إذ تقع على عاتق جميع الاطراف تحمل هذه المسؤولية، ومن بين أهم المعالجات:

  • توفير منصات الكترونية محدثة تعنى بطرح المناهج المقررة رسميا وإمكانية التواصل بينها وبين الطالب، وتشمل هذه المنصات جداول عرض المناهج ودورات التدريب والامتحانات، وايضا شروحات وافيه للمناهج من قبل الاساتذة.
  • تتحمل الدولة تكلفة وسائل وأدوات النظام الالكتروني وتوفيرها للطلاب كافة.
  • عمل دورات تدريبية تخصصية للكوادر التدريسية على النظام التعليمي المدمج، وأدواته وكيفية التعامل مع الطلاب واحتياجاتهم.
  • تطوير الخطة التعليمية على المدى الطويل وضم التعليم الالكتروني لها لما له من أهمية ومميزات كثيرة تعود على الفرد والمجتمع.
  • ضرورة التواصل بين الكوادر التدريسية وأهالي الطلاب للعمل على حل المشكلات التي تواجههم وإكمال مسيرة التعليم.
  • ضمان حقوق جميع أفراد المجتمع وفئاته العمرية بمشاركتهم في العملية التربوية.