أطفال داعش.. إعادة التأهيل وبناء الهوية

تاريخ النشر : 2020-11-02

 منذ سقوط مشروع ما يسمى دولة الخلافة الإسلامية في سوريا والعراق، ما زال المجتمع الدولي يواجه مشكلات جمة لإنهاء تداعيات هذا التنظيم والمأساة التي خلفها على مستوى الدول والشعوب، او على مستوى عناصر التنظيم وذويهما، إذ أن هزيمة داعش ميدانيا وتحرير الاراضي العراقية من دنسه وإنهاء وجود مقاتليه في كلا البلدين لا يعني بالضرورة القضاء على جميع الآثار السلبية التي خلفها هذا التنظيم .

   فقد تمكن خلال مدة سيطرته على بعض المناطق من إنشاء حواضن مؤيدة له وبؤر متشبعة بأفكاره ما زالت تشكل تهديداً حقيقياً للقيام بأعمال ارهابية داخل العراق وخارجه، ولا سيما عناصر التنظيم التي فرت الى ملاذات لها في صحراء الجزيرة بين العراق وسوريا، فضلا عن استمراره بنشر أيديولوجيته وأفكاره المتطرفة والتي تحظى بتأييد بعض افراد عشائر المنطقة الشرقية لسوريا والغربية من العراق، هذا بالإضافة إلى الدور الذي يمارسه آلاف السجناء من الارهابيين القابعين في السجون في التثقيف الفكري بمبادئ التنظيم والسعي لبعثه من جديد والترويج لطروحاته المتطرفة، ولعل واحدة من أرهاصات القضاء على هذا التنظيم والتخلص من آثاره هوعلاج التركة الثقيلة التي خلفها والمتعلقة بعناصر التنظيم المعتقلين، وأفراد عائلاتهم من نساء واطفال المحتجزين في مخيمات اللاجئين بحراسات امنية مشددة والتي ترفض بلدانهم عودتهم إليها.

     وثمة اُعتقاد سائد بأن أطفال داعش المحتجزين في تلك المخيمات يوصفون بـ”القنابل الموقوتة” التي يتوقع تفجرها إن تركت دون معالجة، وأنّهم يمثّلون الجيل الجديد من التنظيم، الذي سيكون ربما الأكثر وحشية ودموية من آبائهم، ويتوقع أن تستفيد قيادات داعش من الأطفال والنساء بشكل واسع، لإعادة التمحور داخل المناطق الجغرافية التقليدية لما يسمونها بـ( دولة الخلافة الخرافية في العراق وسوريا).

وقد اوردت دراسة للمركزالأوروبي للبحوث والدراسات، أنّ الآلاف من الأطفال الذين انضموا إلى ما كان يعرف بـ”أشبال الخلافة” في العراق وسوريا، قام تنظيم داعش بتدريبهم على الفنون العسكرية والقتالية في مناطق عدة من العراق وسوريا، كما أخضعهم لعمليات تلقين أفكاره المتطرّفة لإقناعهم بالقيام بعمليات انتحارية في أوربا ، فضلا عن ذلك هناك ارتفاع ملحوظ بعدد النساء اللواتي التحقن بتنظيم داعش، مما أدى الى أرتفاع عدد الولادات هناك .

     ويقول الباحث المصري عمرو فاروق المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية في حديث ل"ليفانت "، إنّ أطفال داعش يشكلون خطرا كبيرا يواجه العالم، لأنّهم يمثّلون الجيل الجديد من الإرهاب، يحمل آيديولوجية أكثر تطرّفاً ودموية من الآباء المؤسسين، كما أنّ الغالبية منهم تلقّوا تدريبات عسكرية وتأهيلاً فكريا متطرفاً مكثّفاً خلال السنوات التي قضوها داخل معسكرات التنظيم، والتي اسهمت الأمهات اسهاما بارزا في تغذيتهم بها في أثناء وجودهم في المخيمات، فضلاً عن التمسك بفكرة الثأر المسيطرة على عدد كبير منهم، ممن يعتقدون بتكفير الآخر وارتداده، ومن ثم الرغبة في الثأر لذويهم ولدولتهم المزعومة بالقتل والحرق والتدمير، استنادا الى معتقداتهم في وجوب الجهاد وإقامة الحد.

وبهدف ايجاد حل لأزمة أطفال داعش، لابد من وضع إستراتيجية بعيدة الامد وخطط دولية ومحلية يلتزم بها المجتمع الدولي ومنظمات مكافحة التطرف العنيف ، تنفّذها الحكومات المعنية ومنظمات المجتمع المدني والجهات المختصة، لوضع آليات ناجعة من شأنها إبعاد الأطفال عن أحضان داعش ووضعهم تحت برامج تأهيلية وتدريبية مكثّفة، لتغيير أفكارهم وتصحيح المفاهيم الاعتقادية التي يؤمنون بها،  وانتزاع الفكر المتطرّف نهائيا من عقولهم عبر عمليتي الهدم والبناء،  وادماجهم في الحياة المدنية وتأهيلهم فكريا وثقافيا وتعليميا .

      إنّ الاعتماد على تغيير الفكر بالفكر ضرورة حتمية ، لكن لابد من مساندتها بقدر من المراقبة الأمنية غير المنظورة أو غير المباشرة دفعا لبروز عقدة النقص أو متلازمة الشعور بالذنب، فإعادة التأهيل والادماج لأطفال داعش ضرورة لا محيص عنها يجب على الدول ان تسعى لتحقيقها بغية الحفاظ على أمنها القومي من الخطر المتوقع لجيل قد تشرَّب فكر التطرف والتكفير والانتقام . ولذلك يجب السعي لابتكار حلول رصينة وناجعة لتأهيل هؤلاء الاطفال نفسيا وفكريا وتعليميا بما يضمن حصولهم على هويات وطنية بدلا من بقائهم بلا هوية، مما يستدعي المضي عبر مجموعة من المسارات التي تسهم متكاملة بمعالجة معضلة أطفال داعش، ومنها:

١- مسار التأهيل الفكري ، لتحريرهم من أسر الأفكار الظلامية عبر تحفيزهم على دخول برامج تدريبية وتأهيلية فكرية وثقافية ملهمة تصلح ان تكون بديلا ناجحا عن الأفكار الظلامية التي احتلت عقولهم .

٢- مسار الادماج المجتمعي، لإعادة تأهيلهم مجتمعيا .

٣- مسار التأهيل النفسي، لمعالجتهم من تداعيات التطرف والارهاب الذي شوه أرواحهم، وإخضاعهم لبرامج التعديل السلوكي والنفسي .

٤- المسار القانوني، لتكييف  أوضاعهم عبر منحهم اوراقا ثبوتية تعريفية تساعد في اعادة ادماجهم في المجتمع .

٥- المسار الاقتصادي عبر تدريبهم على اتقان مهن تسمح لهم بدخول سوق العمل، وتحقق لهم اكتفاءً ذاتيا.

٦- المسار التعليمي، والمتضمن توفير فرص دراسية لهؤلاء الاطفال عبر توفير فرصة التحاقهم بالدراسة وانخراطهم في المدارس مع غيرهم، وهذا جزء مهم من عملية الادماج المجتمعي .

 هذه المسارات وغيرها كفيلة بتحقيق المعالجة المطلوبة لهذه الشريحة من مخلفات داعش الظلامية، وهي بالتأكيد تعمل عمل المضادات الحيوية الفاعلة في العلاج والتخلص من آثار تلك الامراض المستعصية التي إن تركت دون علاج ناجح وفاعل وسريع تستفحل وتصيب الجسم برمته وبالتالي يفقد السيطرة عليها،  لذلك نرى ان الفرصة ما زالت مناسبا لمعالجة ظاهرة اطفال داعش، وأن المبدأ العام في هذه المعالجة لا ينطلق فقط من منطلق الوقاية ودرء المفاسد وتحصين المجتمع من اضرارهم المستقبلية وتفويت الفرصة لإعادة انتاج داعش عبر تلك القنابل الموقوتة المسماة أطفال داعش، وإنما ينطلق ايضا من الشعور بالمسؤولية الاخلاقية والوجدانية في انقاذ هؤلاء الاطفال وايجاد مناخات تربوية صالحة لتأهيلهم ورعايتهم وتقديمهم للمجتمع اناس صالحين اسوياء .