الطموحات الاستراتيجية البحرية لتركيا: عقيدة الوطن الأزرق (Mavi Vatan)

تاريخ النشر : 2020-09-30

إيال بينكو- المعهد الدولي لأبحاث الهجرة والأمن

ترجمة: د. احمد يوسف كيطان- قسم الدراسات السياسية

خلفية تاريخية

وقعّت تركيا في نهاية العام(2019)، اتفاقية مع ليبيا منحتها السيطرة على المياه الاقليمية الليبية، وانشئت من الناحية العملية "ممراً" بحرياً في شرق البحر الأبيض المتوسط، هذه السيطرة على المنطقة البحرية ستسمح  لتركيا بالتحكم في حركة السفن ومخزونات الغاز الطبيعي وأنابيب نقله في المنطقة، فعلى سبيل المثال: سيحتاج مشروع أنابيب نقل الغاز من إسرائيل إلى اليونان وإيطاليا "مشروع East Med"، الى المرور عبر هذه المنطقة، وتسبب هذا الاتفاق في استياء اليونان ومصر وقبرص وإسرائيل وفرنسا، فضلاً عن عدم قبول الأمم المتحدة به، إذ ابدت امتعاضها منه. في شباط الماضي، أعلن الجيش الوطني الليبي(بقيادة خليفة حفتر) عن قصف سفينة تجارية تركية في ميناء طرابلس، هذه السفينة التجارية كانت تحمل على متنها أسلحة لحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة وتركيا.

وبإلقاء نظرة شاملة واستراتيجية على تسلسل الأحداث التي انخرطت فيها تركيا مؤخراً، يتضح ان تركيا تعمل على تعزيز جهودها من اجل ان تصبح قوة بحرية إقليمية، فتحركاتها في البحر الأبيض المتوسط ​​وبحر إيجة وعملياتها الأخيرة في سوريا والبحر الأحمر وأماكن أخرى من العالم، هي في الواقع جزء من خطة أكبر وأعقد، صممتها تركيا لفرض سيطرة بحرية على البحار المحيطة بها، هذه الخطة ستتيح لها الاستقلال الاقتصادي والطاقوي وتحقيق الازدهار، تعرف هذه الخطة التركية باسم "عقيدة الوطن الأزرق-Mavi Vatan"، اعلن عنها الأدميرال التركي جيم جوردنيز في العام(2006)، ومن الجدير بالذكر ان الأدميرال جوردنيز كان قد خدم في البحرية التركية حتى العام(2012)، وله خبرات عملياتية وقيادية كبيرة، كما عمل بصفة مدير لقسم الاستراتيجية والتخطيط في القوات البحرية التركية.

 

 

عقيدة الوطن الأزرق "Mavi Vatan"

تهدف عقيدة الوطن الأزرق التي أعلنها الأدميرال جوردنيز -برعاية الحكومة- الى تحقيق سيطرة تركيا في البحار الثلاث المحيطة بها، وترسيخ نفوذها الإقليمي والدولي، والسماح بالوصول الى مصادر الطاقة، مما سيساعد في دعم نموها الاقتصادي والديموغرافي دون الاعتماد على دولٍ أخرى.

إلى جانب الأهداف المعلنة لعقيدة الوطن الأزرق، يكمن الهدف الرئيس لتركيا، وهو إلغاء آثار معاهدة لوزان التي فرضت عليها في العام(1923)، هذه المعاهدة التي اجبرت تركيا -بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الامبراطورية العثمانية- على تقييد حركتها، ووضعتها تحت رعاية القوى الغربية لما يقرب من(100) عام مرت على توقيعها، وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين كانت تركيا تتمتع في المقام الاول برعاية غربية وأمريكية، اتاحت لها التمتع بالسيادة والأمن من خطر التهديد الشيوعي، لكن مع سقوط الكتلة الشيوعية وإضعاف روسيا، وبالتزامن كذلك مع النمو الاقتصادي والديموغرافي لتركيا (81 مليون نسمة حالياً مع توقعات نمو تصل الى90 مليون نسمة في عام2030)، ارتفعت احتياجات تركيا من الطاقة، باعتبارها محرك نمو الاقتصاد التركي.

يعتمد الاقتصاد التركي في المقام الاول على اقتصاد السوق المحلي، والقائم على التأثير الخارجي والاستثمار الاجنبي، كما تعتمد مصادر الطاقة في تركيا على مورّدين خارجيين فقط، وموردوا الطاقة الأساسيون لتركيا هم كل من: (روسيا وإيران والعراق وليبيا)، إذ استوردت تركيا من هذه الدول في العام(2018) أكثر من مليون برميل من النفط في اليوم، وأكثر من (51)مليار متر مكعب من الغاز، فمن جانب، يجعل هذا الاعتماد على موارد الطاقة الأجنبية تركيا أكثر نشاطاً من الناحية العسكرية واكثر استعداداً للقتال، وذلك من اجل ضمان استمرار إمدادات الطاقة، ومثال ذلك: نشاطها العسكري في شمال سوريا وشمال العراق وليبيا والقرن الأفريقي، ومن جانب آخر، فإن لتركيا التزاماً سياسياً تجاه كل من روسيا وإيران والعراق وليبيا، حتى وإن لم ترغب بذلك، فعلى سبيل المثال: يوضح القتال في شمال سوريا والتوتر والتنسيق الدقيق مع الروس، التزام تركيا تجاه روسيا، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتأسيساً على ذلك؛ فإن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين روسيا وتركيا (بشكل عام وفي سوريا بشكل خاص) هو احتمال ضعيف للغاية.

إن الادراك بالحاجة إلى الاستقلال الطاقوي دفع تركيا إلى صياغة عقيدة "الوطن الأزرق"، والتي تهدف -كما ذكرنا- إلى السيطرة على مصادر الطاقة والتحرر في هذا المجال. لقد وضعت عقيدة "الوطن الأزرق" أهدافاً للسيطرة التركية في نطاقين جغرافيين: يشمل النطاق الأول ثلاثة بحار محيطة بتركيا هي كل من: (البحر الأبيض المتوسط ​​وبحر إيجة والبحر الأسود)، اما النطاق الثاني والمهم من الناحية الاستراتيجية فيشمل البحر الأحمر وبحر قزوين وبحر العرب وصولاً الى الخليج العربي. وتتجسد الهيمنة التركية بتطبيق مبدأ "الوطن الأزرق" في التحكم بحرياً بهذه المناطق، بما في ذلك السيطرة على احتياطات النفط والغاز، اما الجانب الآخر لتعزيز الهيمنة التركية فهو تقديم الدعم السياسي لدول المنطقة، وإنشاء القواعد العسكرية وتدريب القوات العسكرية التي ستقف إلى جانبها، حيث أنشأت تركيا عدداً من القواعد العسكرية والبحرية في كل من الصومال والسودان وليبيا وقطر، وقامت بتدريب الجنود وتوريد الأسلحة والذخيرة وغيرها من اشكال الدعم العسكري الاخرى، ففي الآونة الأخيرة، تحدث التقارير عن ان تركيا أرسلت إلى ليبيا نحو (2000)عنصر من المرتزقة السوريين والمستشارين العسكريين الاتراك، يعملون بإسمها للدفاع عن حكومة الوفاق الوطني الليبية والذود عنها.

بناء قدرات القوة البحرية

تعمل القوات البحرية التركية بصورة منتظمة عبر البحر الأبيض المتوسط، وفي البحر الأسود (مع التركيز على العمل قبالة سواحل بلغاريا)، وفي بحر إيجة (بجوار السلسلة الشرقية لجزر اليونان). بدأت البحرية التركية في السنوات الأخيرة العمل أيضاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وبحر العرب والخليج العربي، وحتى العمل مع باكستان، ويقوم التعاون مع باكستان على أساس رؤية استراتيجية ستستخدمها تركيا من اجل تطوير وجود دائم لها في بحر العرب والخليج الهندي.

تدرك تركيا أن تضاريسها الأرضية المغطاة بالجبال، توفر لها ميزةً دفاعيةً وأمناً ضد الهجمات البرية، اما حدودها البحرية والتي تمتد عبر ثلاثة بحار؛ فهي حدود ضعيفة من ناحية، ومن ناحية أخرى تشكل فرصة لتركيا في توفير احتياجاتها من الطاقة واستقلالها الاقتصادي وتوسعها، فهذا الفهم الجيد الذي يستند الى جذور التاريخ العثماني، جعل أردوغان بعد وقت قصير من صعوده الى الحكم، يشرع في برنامج لبناء وتمكين القوات البحرية التركية اطلق عليه تسمية (Milgem)، هذا البرنامج مستكمل من حيث التمويل والوسائل، ومستند أيضاً إلى ادراك أن مفتاح بناء القوة التركية وتأسيسها كقوة إقليمية ودولية، يكمن في اعتماد تركيا على نفسها وتطوير تكنولوجيتها وصناعاتها المحلية. تركز صناعة الدفاع التركية على انتاج وتطوير السفن والطائرات وأنظمة الأسلحة المتقدمة للجيش بشكل عام والبحرية بشكل خاص، ليس هذا فحسب، بل ان الطموح التركي يذهب الى جعل تركيا احدى المُصدّرين الرئيسيين للأسلحة على مستوى العالم، وهو ما سيسمنحها القدرة على التأثير في الدول والسياسات، كما هو الحال بالنسبة للتجارب الأمريكية والصينية والروسية.

تمكنت تركيا من خلال مشروع(Milgem) من تطوير وبناء (4) طرادات حربية مضادة للغواصات، وطراد واحد لجمع المعلومات الاستخبارية، و(4) فرقاطات حربية سطحية، و(4) فرقاطات حربية مضادة للطائرات، كما تم بناء (4) طرادات حديثة للبحرية الباكستانية خلال السنوات الماضية، وكذلك بناء (33) طائرة إنزال للبحرية التركية مصممة لإنزال قوات المشاة والمدرعات على شواطئ العدو. إن تطوير قدرات التطويق البحري والانزال على الشواطئ من قبل تركيا يمنحها القدرة على العمل قبالة الجزر الشرقية لليونان والسيطرة عليها خلال اي حملة مفترضة. بالإضافة إلى ذلك، تقوم تركيا حالياً وبالاعتماد على قدراتها الذاتية ببناء (6) غواصات ألمانية من طراز(U-214) في أحواض بناء السفن المحلية الخاصة بها، بترخيص ومساعدة من أحواض بناء السفن الألمانية(HDW)، ومن المتوقع أن يتم تشغيل الغواصات التركية الست -بما في ذلك قدرات(AIP)والتي تتيح للغواصات القدرة على التحمل الطويل تحت الماء- بين عامي (2021- 2027) والانضمام إلى الأسطول التركي الذي يضم (10)غواصات أخرى تعمل في الخدمة منذ فترة طويلة.

إن أهم ما يميز عملية تعزيز القوات البحرية التركية هو بناء حاملة طائرات، والتي من المتوقع أن يتم تشغيل طائرات(F-35) فيها، وحاملة الطائرات التي من المفترض أن تدخل الى الخدمة خلال عام (2021)، ستطور قدرة عملياتية كبيرة لتركيا في البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر، مع التركيز على نشاطها العملياتي في ليبيا والسودان ودول أخرى في المنطقة، كما تدرس تركيا بناء حاملة طائرات اخرى، فليس هناك شك أن ادخال حاملات الطائرات الى قواتها المسلحة سيطور قدرة ردع مهمة لتركيا.

من المتوقع أن تقوم البحرية التركية خلال السنوات القليلة المقبلة، بإدخال (16) طائرة استطلاع الى الخدمة، ونحو(40) طائرة مروحية، و(16) غواصة (بضمنها الغواصات الست الجديدة) ، و(21) فرقاطة، و(18) طراد، و(35) قارب صاروخي، و(32) كاسحة ألغام بحرية، وسفينة أُم لتقديم الخدمات اللوجستية والإمدادت بعيدة المدى، وعشرات من السفن العامة. يخدم في صنف القوة البحرية التركية حالياً نحو(260) ألف جندي، بما في ذلك وحدات كوماندوز وقوات مشاة البحرية، يتم تدريبهم بصورة منتظمة من قبل الولايات المتحدة، مجهزين بصواريخ متطورة مضادة للدبابات، وعجلات مدرعة، وأسلحة للقتال البري. وقد اكتسبت هذه القوات خبرة عملية واسعة في الحملتين العسكريتين في سوريا وليبيا، والتي من شأنها أن تساعد في تحسين قدراتها العملياتية وعقيدتها القتالية.

الخلاصة

لاتمثل عقيدة "الوطن الأزرق" -التي تم تطبيقها في السنوات الأخيرة- الزعيم التركي(أردوغان) فقط، بل انها تمثل طموحاً قومياً تركياً يدعو الى عودة تركيا الى التأثير السياسي والاقتصادي في المنطقة التي كانت خاضعة لها في زمن الإمبراطورية العثمانية، وجوهر هذه العقيدة ذات الاهداف السياسية والاقتصادية هو ضمان استقلال تركيا في الجوانب الاقتصادية والحيوية، والذي يتحقق من خلال ان يكون لتركيا حضوراً مؤثراً في مياه البحر المتوسط والبحر الاسود وبحر أيجة والبحر الاحمر والخليج العربي والتحكم فيها.

ادى تبني عقيدة "الوطن الأزرق" إلى شروع تركيا بعملية بناء ضخمة لقواتها البحرية، لم تقتصر فقط على شراء العشرات من السفن والطائرات الجديدة، بل تضمنت أيضاً تطوير القدرات والتقنيات المحلية التركية في بناء السفن والطائرات وأجهزة التجسس ونُظُم الأسلحة.

سيؤدي تعزيز القدرات التركية في السنوات القادمة إلى تشغيل قوة بحرية تضم أكثر من (140) قطعة من السفن والغواصات وأكثر من (60) طائرة ومروحية وآلاف العناصر من مشاة البحرية، معززة بقواعد عسكرية منتشرة في مناطق قريبة وبعيدة، مثل: ليبيا والسودان والصومال وقطر وباكستان، وكذلك تدريب الوحدات القتالية وتزويدها بالمعدات.

في بداية شهر آذار عام(2019)، نفذت البحرية التركية أكبر مناورة قتالية في تاريخها، أُطلق عليها اسم مناورات "الوطن الأزرق"، هذه المناورات التي كانت بمثابة ممارسة عملية للعقيدة التركية وتحقق من مدى فعاليتها منذ العام(2006)، أعطت "طابعاً" رسمياً لقدرات تركيا العسكرية، بما في ذلك الحرب على سطح الماء وتحته، وكذلك قدرات الهجوم البري والإنزال، إذ اصبحت الطموحات البحرية التركية واقعاً بعد(13)عاماً من إعلانها، ففي احتفال للبحرية التركية أقيم في أيلول عام(2019)، تم التقاط صورة لأردوغان وقائد قواته البحرية وخلفها لوحة كتب عليها عبارة "الوطن الأزرق"، الامر الذي عبّر عن سريان مفعول العقيدة سياسياً. ويدرك أردوغان أن إسرائيل وروسيا وفرنسا ومصر والسعودية واليونان وقبرص لا تدعم طموحاته السياسية والاقتصادية، لذا فإنه يعمل على تطبيق هذه العقيدة بتأني وبشكل مدروس، بحيث لا يُنظر إليها على أنها تشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي.

إن تطبيق تركيا لعقيدة(الوطن الازرق) على الصعيد الاقليمي، سيضمن منحها استقلالية فاعلة وسيسمح لها بأن تكون قوة بحرية واقتصادية وسياسية تتحكم في مياه البحر الأبيض المتوسط ​​وبحر إيجة والبحر الأسود والبحر الأحمر.