سوسيولوجيا الانحراف و الجريمة ونظرية النافذة المكسورة

تاريخ النشر : 2020-09-30

اعداد قسم الدراسات الاجتماعية

م.م. أسماء خيرالله كريم

 

ان زيادة معدلات الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وما تعرضه وسائل الاعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي من صور وقصص لتلك الجرائم، ولاسيما حالات السطو المسلح والاعتداء والاختطاف  والقتل ...الخ ، يتطلب منا فهم الاسباب والمسببات، لوضع الحلول والمعالجات، على اعتبار ان الجريمة مهدد من مهددات الامن الاجتماعي. فأي خلل في المجال الاجتماعي و الاقتصادي ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي ويتسبب في زيادة الفوضى وعدم الاستقرار في المجتمع، و يخل بالامن الوطني، الذي لم يعد مفهومه يتوقف على وجود خطر عسكري، بل هو مفهوم شامل لجملة من المقومات والقدرات مثل قدرات الدولة العسكرية و الاقتصادية وكذلك مدى قوة تماسك الصف الداخلي والتفاف المجتمع حول الدولة اضافة الى قدرة الدولة على تطبيق القانون وتحقيق التنمية الاجتماعية.

ومن البديهي انه لا  تخلوأي دولة من مشكلة الجريمة سواء المنظمة او غير المنظمة الا ان طرق معالجتها قد تختلف من دولة الى اخرى.

ففي فترة تسعينيات القرن الماضي وبعد ارتفاع معدل الجريمة في بعض الأماكن العامة في الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما في ولاية نيويورك، دفع بعض الاختصاصيين في علم الجريمة مثل "جورج كلينج" للتفكير في حل هذه المشكلة التي يزداد تفاقمها يومًا بعد آخر، إلى أن خرجوا بنظرية "النافذة المكسورة"

جوهر النظرية:

ان كان هنالك نافذة مكسورة في سيارة مهملة ومر عليها بعض الوقت ولم يتم اصلاحها فسوف يستنتج المارة بان لا احد يهتم لامرها، مما يدفعهم الى كسر المزيد من النوافذ ، وعنه نستنتج ان اهمال معالجة مشكلة بسيطة سيؤثر على موقف الناس من تلك البيئة بشكل السلبي حيث ان من يقوم بتكسير ليسوا مجرمين إنما أناس عاديون تأثروا بتلك البيئة والظروف .

فالإنسان يلتزم بالانضباط ويطبق القوانين والآداب العامة طالما البيئة المحيطة مشجعة على ذلك، ولكن اذ ما  ساد الانفلات فان هذه الالتزام والانضباط سرعان ما  يزول .

منظروا هذه النظرية يعتمدون في إصلاح الأمور على اعتبار "وبائية الجريمة والسلوك الاجتماعي السلبي" ، اذ  يرون أن الجريمة معدية وأنها قد تبدأ بنافذة مكسورة، وتنتقل إلى مجتمع بأكمله. فيجب أن تردع تلك الأفعال منذ البداية قبل ان  تتفاقم وتنتشر بين الناس كالوباء.

ولو نظرنا الى الحالة العراقية من منظور نظرية النافذة المكسورة ، فيمكن القول ان اتباع سياسة اصلاح النافذة المكسورة يمكن ان تتم  على صعيدين العام و الخاص.

على الصعيد العام:

الكثير من المشاكل البيئية والاجتماعية والاقتصادية والامنية كانت بدياتها مشكلات صغيرة تم تغافلها مما ادى الى تفاقمها، حيث انعكست على مواقف وسلوك الناس بشكل سلبي. 

فزيادة معدلات البطالة والامية والطلاق والفقر وغيرها من المشكلات الاجتماعية التي اذ ما لم يتم ايجاد معالجات وحلول سريعة لها سوف تلعب دور في انجرار الافراد اكثر الى الجريمة طالما تصل اليهم رسالة  مفادها ان لا رقيب عليهم ولا محاسبة يمكن ان تطالهم، وعليه لم تعد الجرائم تقتصر على السرقة أو الاعتداء أو العنف، بل تجاوزت إلى الاتجار بالمخدرات والبشر والقتل والاغتصاب، الامر الذي يتطلب اعادة فرض قوة القانون والدولة على كل سلوك جرمي صغيرا  ام كبير حتى يستشعر الناس ان هنالك قانون يفرض سلطته على الجميع مما يدفع الناس الى الالتزام بالانضباط والقواعد.

فتجاهل الطفولة ومعاناتهم في ظل تراجع التعليم وزيادة الامية  و تفكك الاسر، سوف تشكل مشكلة اكبر اذ ما ترعرعوا في بيئة مشجعة على الجريمة اذ يستسهلوا هذا الطريق في الكسب المادي وعليه سوف تزداد  حالات انحراف الاحداث وانتقالهم الى الجريمة فيما بعد.

و نستنتج ان ضعف فرض سيطرة القانون وملاحقة المقصرين والمذنبين سوف يخلق موقف سلبي للافراد من هذه البيئة  تشجع على ازدياد الجرائم وزيادة عدد مرتكبيها.وهنا لابد ان تكون للدولة سياستها التي تراعي فيها المشكلات قبل تفاقمها.

اما على الصعيد الخاص :

فالانحرافات التي يتم غض الطرف عنها بصورتها العبثية ، ستؤدي إلى مضاعفة الضرر الذي تسببه، ولكن عندما يتبنى أغلبنا معالجتها من خلال كف تصرفاتنا المماثلة، أو التواصل مع المعنيين بها، سيحد ذلك  بدرجة كبيرة من تنامي الضرر الواقع، فعلى سبيل المثال التوقف عن هدر المياه ، والتوقف عن رمي النفايات في الشوارع وعلى الارصفة وتسجيل شكوى عن الاضرار المشاهدة وغيرها من الامثلة اذ ما تم الاخذ بها فسوف تجنبنا مشاكل كبرى، وتكون خطوة في تحقق امننا الاجتماعي .

فالعراق اليوم يتطلب بناء دولة المؤسسات وكذلك إعادة بناء الإنسان العراقي، وهذا البناء لابد ان يقوم على مبدأ إصلاح النافذة المكسورة على ان يكون  بالمستوين العام والخاص.