البنية القانونية التنظيمية للأجهزة الرقابية في العراق

تاريخ النشر : 2020-09-22

لا يخفى على احد دور الاجهزة الرقابية في الحد من الفساد المالي والاداري في قطاعات الاعمال المختلفة لذلك دعت الحاجة الى تأسيس اجهزة تتولى هذه المهام وكان العراق السباق بين دول المنطقة المجاورة في انشاء اولى هذه الاجهزة في عشرينيات القرن الماضي وتحديداً عام 1924 باسم دائرة مراجعة عموم الحسابات متزامنتاً مع تأسيس اول وزارة مالية عراقية في عام 1920 للقيام بتدقيق مصروفات الدولة من الناحية الحسابية والتي تم دمجها بعد ذلك مع دائرة مفتش الحسابات العامة في العام 1924 وتم تسميتها بدائرة المراقب والمفتش العام للحسابات وفي عام 1927 تم تأسيس ديوان الرقابة المالية بالقانون رقم (17) ثم توالت القوانين التي تنظم عمل الديوان وتحدد واجباته وصلاحياته ففي عام 1968 صدر القانون ذي الرقم (42) وفي عام  1980 صدر القانون المرقم (194) وفي عام 1990 صدر القانون المرقم (6) واخيراً وفي عام 2011  صدر القانون ذي الرقم (31) الذي منح الديوان الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والاداري لتحقيق اهدافه ومهامه ،ولكي يمنح الديوان الصلاحيات الواسعة فانه يرتبط بأعلى سلطة تشريعية في البلد فقد كان ارتباطه في السابق بالمجلس الوطني اما بعد عام 2003 فقد ارتبط بمجلس النواب.

ويتولى رئيس الديوان أو من يخوله الرقابة على المال العام أينما وجد من خلال الرقابة على أعمال الجهات الخاضعة لنطاق رقابته في جميع أرجاء العراق بموجب قانونه والقوانين النافذة الأخرى، ويعد الديوان أحد الأجهزة الرائدة في حماية المال العام والكشف عن حالات الغش والتلاعب ومكافحة الفساد المالي والإداري والمساهمة الفاعلة في دعم الاقتصاد الوطني وبناء عراق جديد قائم في إدارته على أسس مالية واقتصادية وقواعد علمية وقانونية رصينة وثابتة.

ويقوم الديوان بإصدار عدد من التقارير اهمها التقرير السنوي الذي يرفعه الى مجلس النواب في خلال (120) يوماً من نهاية كل سنة يتضمن نتائج الرقابة على الاجهزة الخاضعة لرقابته وفق خطته السنوية وكافة الآراء والمقترحات التي يراها ضرورية لأداء عمله .

وبعد العام 2003 انيطت ادارة البلاد  الى سلطة الائتلاف فاصدر الحاكم الاداري بول بريمر الامر رقم (55) لعام 2004 والذي بموجبه تم تشكيل مفوضية النزاهة والملحق بالقانون النظامي الصادر عن مجلس الحكم المنحل لتتولى تطبيق وتنفيذ قوانين مكافحة الفساد ومعايير الخدمة العامة الى حين صدور قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في عام 2004 الذي تم بموجبه المصادقة على انشاء هيئة النزاهة بالمادة (49) منه  ، بيد انه رغم اصدار القانونين الانفي الذكر الا انه بقيت هناك بعض جوانب القصور والغموض التي دعت الى اصدار القانون ذي الرقم (30) لعام 2011 لينظم عمل الهيئة ويبين اختصاصاتها ومهامها وصلاحياتها في الحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد وتنظيم العلاقة مع الاجهزة الرقابية الموجودة ، وتقوم هذه الهيئة بالواجبات الاتية:

  • التحقيق في حالات الفساد المشكوك فيها كقبول الهدايا والرشا والمحسوبية والمنسوبية واستغلال المنصب والتمييز على اساس عرقي او طائفي والاختلاس والتزوير بواسطة محققيها وتحت اشراف قاضي التحقيق المختص .
  • وضع اسس ومعايير لأخلاق وسلوكيات عامة للوظيفة التي يتوجب الالتزام بها من قبل موظفي الدولة .
  • التثقيف وزيادة الوعي ) بالأخلاق الوظيفية (.
  • الشفافية في إعطاء المعلومات.

ومن اجهزة الرقابة ايضا التي تم تأسيسها بعد عام 2003 رقابة السلطة التنفيذية على نفسها متمثلة بمكاتب المفتشين العموميين اذ تشكلت هذه المكاتب وفق المادة (2) في الفقرة (1) من امر سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة رقم (57) لعام 2004 والتي نصت على (يتم بموجب هذا الامر انشاء مكتب للمفتش العمومي داخل كل وزارة من الوزارات العراقية يرأسه مفتش عمومي ) ، وابرز مهامه فحص ومراجعة سجلات الوزارة لضمان النزاهة والقيام بالتحقيق الاداري وتلقي الشكاوي المتعلقة بالغش واساءة التصرف التي تؤثر على عمل الوزارة ومتابعة سير العمل ، علماً بأن هذا القانون منح السلطات او الصلاحية للوصول الى كافة الوثائق والمعلومات حتى لو اتسمت بالسرية ، ويجب الالتزام بالمعايير المهنية عموما عند تنفيذ اجراءات التدقيق المالي والتحقيق والتفتيش والمراجعة التي يقوم بها مكتب المفتش العمومي.

ومن اجهزة الرقابة العليا ايضاً رقابة السلطة التشريعية ) البرلمان العراقي(  والذي يحق لمجلس النواب الرقابة على اداء السلطة التنفيذية وله الحق في استجواب مسؤولي الهيئات المستقلة ، بالإضافة الى الرقابة على تنفيذ الموازنة العامة بشقيها الايرادي والانفاق العام فهي تشمل رقابة المشروعية ورقابة الأداء من حيث المحتوى وخاصة في ختام السنة المالية من خلال تشكيل لجان متخصصة تتولى هذه الاعمال الرقابية متمثلة بلجنة النزاهة البرلمانية التي تقوم بتقديم خلاصة عملها وما توصلت اليه الى مجلس النواب ليتم مناقشته واتخاذ الاجراءات اللازمة بصددها .

ويتضح جليا للقارئ ان انشاء كل هذه الاجهزة بعد عام 2003 جاء كنتيجة لتفاقم حالات الفساد المالي والاداري وتدهور الوضع السياسي والامني وله ان يتصور هل ان هذه الاجهزة رغم تعددها وازدواج عملها وتقاطعه الذي يؤدي الى ارباك وتعطيل العمل في بعض الاحيان افضل ام ان يتم توحيد هذه الاجهزة في جهاز واحد يتمتع بالقوة والمشروعية مسؤول عن رقابة جميع مؤسسات الدولة.

 

 

حسام عبد العباس

القسم الاقتصادي

/ايلول / 2020