مراكز الدراسات والأبحاث وأثرها على الأمن الوطني

تاريخ النشر : 2020-09-16

 

المقدمة

 تشكل مراكز الدراسات و الأبحاث الموجودة في مختلف دول العالم  المصدر الأساسي للمعلومات المختلفة التي يتم تقديمها في نهاية المطاف لصانعي القرار على مختلف مستوياتهم لاتخاذ ما يرونه مناسباً وفق رؤية مستقبلية شاملة من اجل النهوض بواقع جديد او تطوير الواقع الحالي إلى مستوى أفضل .

و شهد عالمنا العربي نهضة كبيرة خلال العشر السنوات الماضية  في إنشاء هذه المراكز والاعتماد عليها في تقديم الكثير من الخدمات المختلفة ، حيث تشعبت مهام وأدوار هذه المراكز لتشمل كل مناحي حياة المجتمع، وأصبحت تركز على الأمن القومي  والوطني وكل ما من شأنه ضمان أمن واستقرار الوطن الذي يحظى باهتمام خاص من قبل أصحاب القرار ، إضافة إلى مجال الدراسات الإستراتيجية التي تعد من أهم ركائز العمل الأمني لكونه يمثل القناة الرئيسية التي تمكن صاحب القرار من التعرف على الواقع وتطلعات المستقبل.

و بالنظر إلى ما تقدمه هذه المراكز من معرفة متخصصة ومعلومات معرفية وتقييمات مختلفة تجاه بعض القضايا الملحة ، أدت بالنهاية إلى زيادة الوعي المعرفي لدى الكثير ممن يتعاملون مع هذه المراكز من خلال اطلاعهم على التقارير والمعلومات التي تقدمها هذه المراكز من أبحاث ودراسات ذات أهمية كبيرة .

أنواع مراكز الدراسات والأبحاث

 هناك أنواع مختلفة من مراكز الدراسات الأبحاث والتي تختلف فيما بينها من حيث نوع الخدمة ألمقدمة ، فهناك الكثير من مراكز الدراسات الإستراتيجية التي تقدم خدمات مختلفة بعضها يكون على المستوى الاستراتيجي للدولة وبعضها يقدم خدمات بحثية تخص المجال العلمي والتكنولوجي والطبي .ومن أهم مراكز الدراسات والأبحاث :

   أ.مراكز الدراسات الإستراتيجية التي تختص بدراسة وتحليل الأوضاع العامة للدولة ودول الإقليم عن طريق دراسة البيئة الإستراتيجية السائدة والخروج باستنتاجات وتوصيات توضع أمام أصحاب صانعي القرار لاتخاذ ما يرونه مناسباً ، وهذه المراكز منتشرة في معظم عالمنا العربي ومختلف دول العالم ، فقد نجحت في تقديم تقييمات مختلفة عن البيئة السائدة ، وهذا ما دفع بعض المفكرين والساسة إلى تسمية هذه المراكز بخزانات التفكير ( THINK TANKS ) .

  ب.المراكز البحثية العلمية البحتة والتي تختص في العلوم والتقنية والطب وتطوير الصناعات الحديثة وغالبا ما تستحوذ الدول المتقدمة صناعيا على جل هذه المراكز.

  جـ.المراكز البحثية الاستشارية والتي ترتبط بمؤسسات مستقلة أو شركات ، حيث تقدم خدماتها للجمهور مباشرة ، ومثال على ذلك المكاتب الاستشارية للمشروعات العمرانية الكبيرة والتي تحتاج إلى دراسات استشارية وأصحاب خبرة .

    د.مراكز الدراسات والأبحاث الإستراتيجية  التي تتعامل مع الفكر والمستقبل وتحاول فك وتحليل رموز المعاضلات التي تواجه الأمة من منظور استراتيجي ، حتى تكون هذه الأمة قادرة أو مستعدة لمواجهة هذا المجهول. ونوعية هذه المراكز في الحقيقة هي التي توجه بقية المراكز البحثية الأخرى المتخصصة في شتى المعارف للتركيز على نوع محدد من البحوث.

أهمية مراكز الدراسات والأبحاث

 ان المعاهد البحثية ومراكز الدراسات قبل ان تكون انتاجا ثقافياً ومعرفياً ، هي منجز حضاري متميز، اذ ان المعاهد البحثية هي المرآة التي تعكس اهتمام الأمم والشعوب المسلحة بالعلم والمعرفة واستشراف آفاق المستقبل وفق المنظور العلمي والمعرفي ، كما تعكس توجه الأمم والشعوب في حفظ تراثها ومنجزاتها المعرفية والحضارية.

كم تعد المعاهد البحثية بمثابة المخزن والوعاء لذاكرة التاريخ الانساني في أبعاده المختلفة ، وعلى حسب اهتمام واختصاص مراكز البحث والدراسة . والمراكز البحثية كحدث أو منجز حضاري بل هي وليد الواقع النهضوي الذي يعيشه مجتمع ما ، اذ يسعى كل مجتمع في مسيرته التنموية الى تأسيس الأطر المنسجمة وظروفه التاريخية ، التي تحفظ منجزاته العلمية والمعرفية ، ويسعى نحو تطويرها وتأكيدها في الوسط العام . لقد شهد هذا القرن تطورا هائلا في مختلف الميادين والحقول ومنها " مراكز البحوث والدراسات"، فغدت الشعوب والأمم تتبادل معارفها ، وتحافظ على مميزاتها وخصائصها ، انطلاقا من ورش العمل البحثية المنتشرة في أرجاء المجتمعات المتحضرة . كما أصبحت مراكز البحث وسيلة فضلى لعرض المنجز الفكري والعلمي والحضاري لأية أمة من الأمم.

أهداف مراكز الدراسات والأبحاث

 تمثل مراكز الدراسات والأبحاث حجر الأساس لدى الأمم والشعوب المتطلعة إلى بناء نهضة علمية سليمة، وهي في نفس الوقت تعمل كحارس أمين على أمن واستقرار ومقدرات الأمة ضد أي اعتداء مادي أو معنوي ، حيث تعمل هذه المراكز على رصد الخطر والتنبيه من خلال الدراسات والاستنتاجات العلمية حتى تمكن صاحب القرار من اتخاذ الخطوات اللازمة قبل وقوع أي شيء لا يحمد عقباه. كما ان هناك الكثير من الدول التي تحرص على حفظ أمنها الوطني ورغبتها في تطوير سياساتها المحلية والإقليمية والدولية، بحيث تضع كل إمكانياتها في دعم وتطوير مثل هذه المراكز الوطنية.

 تختلف أهداف مراكز الدراسات والأبحاث بحسب طبيعة تكوينها والجهة التي قامت بإنشاء المركز، فبعض هذه المراكز البحثية تقدم خدمة جليلة للإنسانية وخاصة في مجالات العلوم والطب والتقنية، ومشاركة العلماء والمفكرون من مختلف بقاع الأرض في البحوث والتطوير بما يعود بالنفع على الجميع. غير أن بعض مراكز الدراسات و الأبحاث والتي تتعلق بدراسة السياسات والاستراتيجيات للدول لها مدلولات أمنية قد تنعكس سلبا على الامن الوطني للدول التي أجريت هذه الدراسات حولها، وتوجد مثل هذه المراكز في الدول الكبرى التي تتمتع بامكانيات مالية وبحثية هائلة ولها اهتمامات خاصة خارج حدودها الاقليمية. وعلى سبيل المثال يوجد بالولايات المتحدة الامريكية مابين (1200-1300 ) مركز تعمل في مجالات مختلفة منها تعمل في صياغة السياسة الخارجية الامريكية، وكذلك رسم استراتيجيات السياسة الداخلية والخارجية ووضع الخطط لتنفيذها . أما عن الدول التي لا تتوافر لها الإمكانيات المادية والعلمية الكافية ويوجد بها مراكز الدراسات و الأبحاث الاستراتيجية فانها في الغالب تحاول قدر الاستطاعة القيام بدراسة أوضاعها الداخلية ومحاولة التعرف على مصادر التهديد ، وهذا يعني دراسة جميع محاور التهديد المحتملة داخليا وخارجيا السياسي ، الاقتصادي ، العسكري ، الاجتماعي ، والخروج بتصورات ونتائج تنعكس الى سياسات واستراتيجيات تصب في مصلحة الأمن الوطني.

المشاكل التي تتعرض لها مراكز الدراسات والأبحاث

هناك العديد من المشاكل التي تتعرض لها مراكز الدراسات والأبحاث ، ويرجع ذلك الى اسباب مختلفة وكما يلي :

 أ. مشكلة التمويل. وهي مشكلة متعددة الأبعاد وتختص بالأمور المالية ، وتمويل هذه المراكز ، حيث تمتنع الدولة أحياناً عن التمويل المحلي لهذه المراكز ، وبالتالي تقع هذه المراكز أما فريسة للتمويل الأجنبي بكل أشكاله، مما قد يدفعها للوقوع في مشاكل مختلفة تكون ذات أجندة مختلفة أو أن عليها مواجهة إغلاق هذه المراكز .

   ب. الرؤية الفردية. كثير من مراكز الأبحاث هي مراكز يديرها أشخاص معنيون بها ، حيث يحمل المركز رؤية وأفكار وتحليل الأشخاص القيمين عليه ، كما ان الدول تحمل اسماء هذه المراكز وتؤثر عليه من خلال رؤيتها للأمور .

  جـ. التوجه الفكري. كثير من المراكز تخلط بقصد أو بغير قصد ما بين دور مراكز الدراسات كبؤرة للتفكير والتخطيط ومابين دور الحزب السياسي أو المنظمات الجماهيرية ، كما أن كثيرا منها أنشئ أو تحول الى منبر تعبوي لأفكار السلطة السياسية الحاكمة.

   د. السقف الديمقراطي. مراكز الدراسات لايمكن أن تقوم بعملها دون الحصول على مجال كاف للوصول الى المعلومات من جهة والى البحث العلمي دون قيود سياسية أو فكرية من جهة أخرى، وهو ما تفتقده معظم مراكز البحوث والدراسات في الدول ، لاسيما حين تتعرض لتدخلات امنية في عملها .

تمويل مراكز الدراسات والأبحاث

 تعد عملية تمويل مراكز الدراسات والأبحاث أساس نجاح عمل هذه المراكز ، حيث تعتبر الدراسات والأبحاث من الإعمال المكلفة مادياً ، نظراً لما تحتاجه هذه الدراسات من جهد وفرق عمل مختلفة للوصول بها إلى مستوى متقدم ، ونظراً لزيادة التكلفة المادية لدى هذه المراكز فقد لجأ بعضها  إلى طلب التمويل الخارجي الأجنبي بدلاً من التمويل المحلي .

 من المخاطر التي تقع في حالة تمويل المراكز اجنبياً هو وقوع هذه المراكز فريسة السيطرة الأجنبية ، لا سيما على القرارات والتوجهات والأجندة التي تتبناها هذه المراكز ، وبالتالي الرضوخ إلى السياسات التي تعتمدها الدول الممولة.  

المقترحات

 ولدعم عمل مراكز الدراسات والابحاث نقترح ما يلي  :

  أ. تكون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجهة المسؤولة لتوفير الدعم المعنوي والمالي لمؤسسات ومراكز البحث العلمي والتنسيق فيما بينها.

  ب. مراقبة مخرجات هذه المراكز من الدراسات والأبحاث ومن هي  الجهات التي تقدم لها .

  جـ. تشكيل رابطة لمراكز ومؤسسات البحوث والدراسات على المستوى الوطني لتكريس التوجه الوطني .

  د . منح الباحث حصانة الرأي تحت السقف الاكاديمي في طرح الدراسات والبحوث انطلاقاً        من مبداء (الاراء تعرض ولا تفرض ) .

  ه . تعزيز التعاون مع مراكز الابحاث والدراسات على المستوى الاستراتيجي الوطني والمستويين الاقليمي والدولي .

  و . عدم جعل هذة المراكز مكان استراحة لبعض كبار السن والدرجات العليا .

  ز . التاكيد بان يكون العاملين في هذا المجال من ذوي الاختصاص وحسب التوصيف الوظيفي وشمولهم بالخدمة الجامعية .

 

الخاتمة

 هناك الكثير من الدول التي تعتمد على مراكز الدراسات والأبحاث من خلال تقديمها الدراسات والتقارير المختلفة  ، فالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تعتمد اعتماداً كبيراً على هذه المراكز ، لاسيما وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ، مراكز الابحاث في الوطن العربي لا زالت بحاجة إلى دعم وتمويل وطني وتوجيه وتفعيل دورها حتى تتمكن من تقديم ما هو مفيد ، مع العلم ان هناك مراكز متقدمة في هذا المجال ولكنها قليلة .

 اذا لم يتم مراقبة مراكز الدراسات والأبحاث ودعمها وطنياً فانها ستخرج عن الخط الذي قامت من اجله وهو خدمة الامن الوطني والمحافظة على الهوية الوطنية وتقديم ما هو مفيد من الأبحاث العلمية والتخصصية والدراسات الإستراتيجية للوطن، وبغير ذلك فانها ستكون ذات أجنده خارجية تخدم مصالح وأهداف الدول الأخرى .

وعلية فأن صانع القرار ( السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ) يحتاجون إلى أرضية متوازنة وصلبة يقفون عليها حين اتخاذهم القرار، فالإدارة الحديثة المتطورة لا تحتمل القرارات الآنية المرتجلة ، ولا بد للقرارات من أن تنهض وفق معرفة دقيقة للواقع الصحيح وعلى ضوء تصورات واضحة للمستقبل تقدمها مراكز الدراسات غايتها دعم الامن الوطني الشامل .

 

 

 

 

 

المصادر

العقيد اوسنجلي  -  كلية الدفاع الوطني الاردنية                                          

معاهد الابحاث- محاضرة جامعة الدفاع الوطني –كوريا الجنوبية

 

 

 

                  

 

 

 

                                                                                                 اللواء الركن الدكتور

                                                                                                 خالد عبد الغفار البياتي

                                                                                              قسم دراسات التطرف العنيف