استراتيجيات الامن البيولوجي الدولية ودورها في التصدي لتهديدات الامراض الوبائية

تاريخ النشر : 2020-09-15

المقدمة

    احتل النظام الصحي في جميع انحاء العالم مرتبة متأخرة في قائمة الاولويات الوطنية على مدى القرون الماضية، لكن سرعان ما أدرك صانعوا السياسات الوطنية ومتخذي القرار حجم الاضرار الصحية المتزايدة التي احدثتها الازمات الصحية الناتجة عن الامراض الوبائية على مدى القرون الماضية، اذ اثرت هذه الازمات بشكل مباشر على المصالح الاقتصادية والسياسية وانهكت البنى التحتية الصحية للبلدان وكذلك اثرت على السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وكنتيجة لذلك تم أدراجها ضمن القضايا التي تهدد الامن الوطني للبلاد، ومنذ ان اصبحت هذه الازمات الصحية تهدد امن المجتمع والدولة تم تهيئة جميع الموارد والخبرات ووضع خطط استراتيجية توفر استجابة فعالة لمنع او التقليل من المخاطر الناتجة عن هذه الازمات، ويجب ان تكون هذه الاستراتيجيات مصممة وفقاً للسياق المحلي للدولة ولشدة ونوع الوباء، وقد تم التصدي للأزمات الصحية التي حدثت في القرون الماضية عن طريق وضع خارطة طريق للاستجابة الفعالة والتي من جانبها زادت الوعي والقدرة على تنسيق الرعاية الصحية واتخاذ التدابير الفعالة من حيث التكلفة والموارد المناسبة في بعض دول العالم والتي تم اعتمادها لاحقا كنموذج أولي عند التعرض لتهديد خطر وباءاً ما، فزيادة الوعي تطلبت جهداً كبيرا وتنسيقاً بين القطاعين العام والخاص والعديد من التخصصات والمعايير المختلفة بما في ذلك (علم الاوبئة والطب السريري واللوجستيات والاستجابة للكوارث)، وكذلك التنسيق بين اجهزة الدولة الامنية كافة مع المؤسسات الصحية، فعند تعرض الدولة الى خطر ما يؤدي الى تهديد الامن الوطني لابد من ان تستجيب جميع الاجهزة والجهات ذات الاختصاص والمسؤولة لدرء هذا الخطر عن البلاد، وإلى جانب دور صناع السياسة والقرار في وضع وإقرار خطة الاستجابة والدفاع بالتعاون مع الاجهزة الامنية والانظمة الصحية، فإن وجود قوى عاملة صحية مؤهلة تشمل (الكوادر البشرية من الاطباء والممرضين واصحاب الاختصاص في علم الاوبئة وغيرهم من الجهات المسؤولة) التي تدعمها انظمة تنسيق مناسبة، هي حاجة اساسية لإجل اكتمال الخطط الدفاعية اللازمة للاستجابة الفعالة، حيث اوصت منظمة الصحة العالمية بحدود اساسية مكونة من 23 مهنياً صحياً لكل 10.000 شخصاً وبزيادة هذه القوى الصحية العاملة ستزيد القدرة على الكشف المبكر في ما اذا كان اي مجتمع يعاني من مسببات الامراض الوبائية ذات الخطورة العالية، وكذلك ستؤدي هذه الزيادة الى تحسين المرونة الكلية للنظام الصحي الكلي للبلاد.

الامن البيولوجي ومخاطر الامراض الوبائية

أصبح الأمن البيولوجي عنصراً اساسياً ومسبباً رئيسياً للتهديدات التي تواجه العالم والبشرية في السنوات الأخيرة، إذ أدى النمو السكاني العالمي والتوسع المستمر لنطاق الأنشطة إلى تكثيف الاضطرابات في البيئة الطبيعية، كما ساهمت زيادة مساحات المعيشة البيولوجية من الضغط على البيئة، كذلك التغير الحاصل في المناخ العالمي و مع تكرار الظواهر الجوية المتطرفة والكوارث الطبيعية، قادت الى تعاظم التهديدات والأضرار المؤثرة على استقرار النظام البيئي، ولا ننسى التراجع الحاصل في الغطاء النباتي حيث بات نصف الغطاء في العالم يميل إلى اللون البني بسبب الاهمال والتلوث الصناعي وبناء المدن الحضرية بدون مراعاة التوازن البيئي وشروط السلامة البيئية، ويمكن تبيّن مدى الخطر الناجم عن هذه المشكلة بمعرفة أن نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي (حوالي 44 تريليون دولار أمريكي) من القيمة الاقتصادية للإنتاج يعتمد بشكل معتدل أو بدرجة كبيرة على النظم البيئية الطبيعية وبالتالي اصبح مهدداً بالخسائر، إن التطور السريع والمضطرب للتكنولوجيا الحيوية الناشئة، والتحديث المستمر لأساليب وأدوات التحول البيولوجي، يجلب العديد من الفرص والفوائد للمجتمع البشري، ولكنه يجلب أيضًا في الوقت نفسه تحديات ومخاطر جديدة تتعلق بالسلامة الأحيائية والأخلاقيات التكنولوجية المتبعة، ويصعب التنبؤ بالآثار السلبية المحتملة الناتجة عن هذا التطور، وبوجود بعض الممارسات الخاطئة بما فيها التجارة غير المشروعة، والنقل ضمن شروط بيئية وصحية غير سليمة، وحتى النهب للموارد البيولوجية عبر الحدود التي تستهدف موارد الأصول الوراثية البيولوجية للنباتات، والمواد الوراثية البشرية وبيانات تسلسل المعلومات البيولوجية، والتي قد تشكل تهديدات محتملة للأمن الغذائي والأمن الوطني، أدى هذا الوضع إلى زيادة ملحوظة في مخاطر السلامة الأحيائية وعوامل غير مستقرة في جميع أنحاء العالم، ومثال على ذلك أدى تصنيع إنتاج الأغذية وعولمة المبيعات والنمو السريع للتجارة الدولية والسياحة إلى تسريع تدفق مسببات الأمراض المنقولة عن طريق الأغذية والتي تنقلها الحيوانات وناقلات الأمراض إلى البشر، فمنذ مطلع القرن الحادي والعشرين استمرت جميع أنواع الأمراض الوبائية الجديدة والمتكررة والمفاجئة والأمراض المعدية وأمراض الحيوانات وغيرها من الحوادث في الظهور في العديد من الأماكن حول العالم، واستمر نطاق وسرعة الانتشار في الازدياد، حيث أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) خمس مرات حالة طوارئ صحية عامة ذات اهتمام دولي ابتداءً من سنة 2009 بظهور وباء فيروس إنفلونزا الخنازير H1N1، 2014 وباء فيروس شلل الأطفال البري، تفشي إيبولا نيان 2014 في غرب أفريقيا ، 2016 تفشي فيروس زيكا في البرازيل ، 2018 الكونغو (كينشاسا) مثل وباء الإيبولا، متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس) وأنفلونزا الطيور، ومتلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الاوسط (MERS)  وفيروس الإيبولا وفيروس ماربورغ وفيروس هانتا، منتهية بوباء فيروس كورونا المستجد سنة 2019، فمعظم هذه الأمراض المعدية  الخطيرة هي أمراض حيوانية المصدر وتتميز بخصائص العدوى الشديدة وسرعة الانتشار السريع على نطاق واسع من العالم.

مخاطر الامراض الوبائية..... الأوبئة هي انتشار الأمراض المعدية على نطاق واسع والتي يمكن أن تتسبب بشكل كبير في زيادة معدلات الاصابات والوفيات في منطقة جغرافية واسعة مما يؤثر بشكل مباشر على امن الفرد والمجتمع، وتسبب اضطرابات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، وتوتر في العلاقات الدولية  حيث تشير الاحداث إلى أن نسبة حدوث الاوبئة قد زادت خلال القرن الماضي بسبب التغيرات المايكروبية ومقاومة المضادات الحيوية وسرعة ظهور امراض جديدة نتيجة لطفرات نوعية مختلفة لسلالات الميكروبات التي كانت فعالة مسبقاً وخصوصاً تلك التي تصيب الحيوانات فيعود اسباب انتقالها من الحيوانات للبشر الى التغيرات البيئية والسلوك البشري الخاطئ.  

آثار انتشار الامراض الوبائية

على الرغم من التقدم الذي احرزه المجتمع الدولي  في التهيؤ للاستجابة لآثار الأوبئة ومحاولة التقليل منها، فعلى سبيل المثال أدى وباء المتلازمة التنفسية الحادة (سارس) عام 2003 والمخاوف المتزايدة بشأن التهديد الذي تشكله أنفلونزا الطيور إلى قيام العديد من البلدان بوضع خطط واستراتيجيات مسبقة لمكافحة الاوبئة، كما أدى تأخر الإبلاغ عن حالات السارس المبكرة إلى قيام منظمة الصحة العالمية بتحديث اللوائح الصحية الدولية (IHR) لإجبار جميع الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية على الالتزام بالمعايير المحددة للكشف عن الاوبئة والإبلاغ عنها والاستجابة لها، الا ان بعض الدول والبيئات المحدودة الموارد اضافت تحديات جديدة من خلال الثغرات الموجودة في نظامها الصحي وكيفية الاستجابة السريعة عن طريق اعداد خطط واستراتيجيات مسبقة لإكتشاف المرض في الوقت المناسب، وتوفر الرعاية الأساسية، وإجراءات الحجر الصحي والعزل، والتأهب خارج القطاع الصحي، بما في ذلك التنسيق العالمي لسرعة الاستجابة والسيطرة على انتشاره، وهنالك جملة من الاثار المترتبة على انتشار وباءً ما على المستوى العالمي اهمها:

  • الاضرار الاقتصادية قصيرة الامد التي تغطي فترة انتشار المرض، والاضرار طويلة الامد المؤثرة على النمو الاقتصادي للبلدان.
  • التغيرات السلوكية الفردية، مثل النفور الناجم عن الخوف من الذهاب الى أماكن العمل وأماكن التجمع العامة الأخرى، تسبب اضطرابات مجتمعية واقتصادية سلبية على النمو الاقتصادي أثناء مدة انتشار المرض.
  • في البلدان التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي، يمكن للأوبئة أن تزيد من الضغوط والتوترات السياسية. في هذه السياقات، أثارت تدابير الاستجابة لتفشي المرض مثل الحجر الصحي وضرورة اغلاق الحدود العنف والتوتر بين الدول والمواطنين.

ابرز الاوبئة التي ظهرت في القرن الماضي

الوباء يجمع أنواعًا متعددة ومميزة من الأحداث والتهديدات على امن الصحة العامة ، وكلها لها شدتها وتكرارها وغيرها من الخصائص المصاحبة للمرض، وعليه يتطلب كل نوع من هذه الأحداث إستراتيجية خاصة ومختلفة لغرض الاستعداد والاستجابة المثلى الخاصة بهذه الامراض، وبسبب التنوع الكبير لمسببات الامراض وتفاعلها مع البشر والبيئة المحيطة بما في ذلك آلية انتقال الامراض وشدتها وتمايزها فبالتالي زادت التهديدات الوبائية وارتفعت معها العوامل التي تحدد الحالات واحتواءها بسرعة أو ما إذا كان المرض سينتشر نتيجةً لذلك، وتختلف مسببات الأمراض ذات الإمكانيات الوبائية على نطاق واسع في آثارها الصحية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذلك القدرات والاستراتيجيات اللازمة للحد من انتشارها، وعليه يجب التمييز بين عدة فئات واسعة من التهديدات الوبائية، فيمكن تصنيفها بحسب امكانيتها على الانتشار والوصول الى ما يعرف بالوباء، فهنالك مسببات للأمراض ذات الامكانيات الكبيرة للتسبب في حدوث أوبئة عالمية حادة، تضم هذه المجموعة فيروسات الجهاز التنفسي (الأنفلونزا الوبائية)، فإنها تنتقل بسرعة فائقة بين البشر، ولديها فترات معدية طويلة من الأعراض بحيث  تعرقل حركة الأشخاص المصابين بها، اما المجموعة الثانية من مسببات الأمراض (تمثل تهديدا عالميا معتدلا مثلما حدث مع فيروسات NIPAH) ،H5N1  ، H7N9) لأنها لم تظهر انتقالاً من إنسان إلى إنسان ولكن يمكن أن تنتقل نتيجة للطفرات والتكيف، وتمتلك المجموعة الثالثة من مسببات الأمراض على سبيل المثال (الإيبولا ، ماربورغ ، لاسا) القدرة على إحداث أوبئة إقليمية أو عابرة للأقاليم، ولكن خطر حدوث وباء عالمي حقيقي يظل محدوداً بسبب بطء انتقال العدوى أو احتمال اكتشافها واحتوائها.

ومن بين جميع تلك المسببات الوبائية المعروفة، تشكل الأنفلونزا التهديد الرئيسي بسبب شدتها المحتملة، حيث تسبب وباء الأنفلونزا الشهير عام 1918 في مقتل ما يتراوح بين 20 مليون إلى 100 مليون شخص على مستوى العالم، انعكست شدته جزئيًا في ذلك الوقت على التقنيات الصحية المحدودة، حيث لم تكن هناك مضادات حيوية أو مضادات فيروسات أو لقاحات متاحة للحد من انتقال العدوى وبالتالي التقليل من الوفيات.

حيث نشأت معظم هذه الأوبئة من خلال انتقال "حيواني المنشأ" لمسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر وبحسب توقعات الباحثين في منظمة الصحة العالمية من المحتمل أن يكون الوباء القادم من الأمراض الحيوانية المنشأ،  تنتقل الأمراض الحيوانية المنشأ الى البشر عن طريق الحيوانات المستأنسة (مثل الخنازير المستزرعة أو الدواجن) والحياة البرية من خلال زيادة التفاعل بين الإنسان والحيوان بعد التدجين، وما زالت الأمراض الحيوانية المنشأ عالية الخطورة (بما في ذلك أنفلونزا الطيور) تبرز من أنظمة الإنتاج الحيواني، مثال على ذلك ظهرت بعض مسببات الأمراض (بما في ذلك الإيبولا) من الحيوانات البرية وانتقلت الى البشر من خلال الصيد واستهلاك الأنواع البرية (مثل لحوم حيوانات الأدغال)، وتجارة الحيوانات البحرية، وغيرها من أشكال الاتصال مع الحياة البرية.

 

انتقال الاوبئة

تتركز الأمراض الحيوانية المنشأ في الحيوانات الناقلة للفيروسات ضمن المناطق التي تتكون من أنظمة كثيفة للإنتاج الحيواني، بما في ذلك مناطق الصين والهند واليابان والولايات المتحدة وأوروبا الغربية وفي جميع المناطق التي تمتلك أسواقاً للحيوانات الحية، بحيث تكون خطر الإصابة بمرض حيواني المنشأ على نطاق أوسع بكثير، مع وجود بؤر في الصين والهند وغرب ووسط أفريقيا فأنها تضم العوامل المحفزة لمخاطر العوامل السلوكية (مثل صيد حيوانات الأدغال)، واستخراج الموارد الطبيعية (مثل زراعة النباتات ذات الاستخدام الصناعي وقطع الأشجار الطبيعية) والاخلال بنظام التوازن البيئي العام من حيث درجات توزيع الحيوانات وتنوعها في مناطق معينة، حيث يتأثر انتشار المرض داخل مجتمع ما بالعوامل المحددة لمسببات الأمراض بما في ذلك التكيف الوراثي وطريقة انتقال العدوى وعوامل المستوى البشري للسكان، مثل كثافة السكان وقابلية التعرض للإصابة، وكذلك أنماط الحركة المتبعة بالسفر والتجارة والهجرة، وسرعة وفعالية تدابير مراقبة النظم الصحية والاستجابة لها.

يمكن للتجمعات الكثيفة من السكان وخاصة في المراكز الحضرية التي تحتوي على مستوطنات غير رسمية مكتظة أن تكون بمثابة بؤرة لنقل الأمراض وتسريع انتشار مسببات الأمراض، بالإضافة الى ذلك يمكن أن يؤدي عدم المساواة الاجتماعية والفقر وارتباطاته البيئية إلى زيادة قابلية الفرد للإصابة بشكل كبير بفعل سوء التغذية وبالتالي ضعف في الجهاز المناعي للفرد، تشير جميع هذه العوامل إلى أن السكان المهمشين، بمن فيهم اللاجئون والأشخاص الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة والمستوطنات العشوائية في المناطق الحضرية، من المحتمل أن يواجهوا مخاطر مرتفعة من الاصابة بالأمراض أثناء حدوث وباء.

 

يرتبط الأمن البيولوجي  بالصحة العامة الوطنية، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية وبناء قدرات الدفاع الوطني للبلاد، وهو جزء مهم من نظام الأمن الوطني الشامل، ونظراً لذلك أدرجت البلدان المتقدمة الرئيسية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة السلامة البيولوجية في استراتيجيات السلامة الوطنية الخاصة بها وأصدرت خططها الاستراتيجية الوطنية للسلامة البيولوجية، كما أولت اليابان وكندا وفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا اهتماماً وثيقاً لقضايا السلامة البيولوجية الوطنية على مستوى التخطيط الاستراتيجي، وفيما يلي

 عرض للنقاط الرئيسية لاستراتيجية الأمن البيولوجي للولايات المتحدة وبريطانيا:

  1. الولايات المتحدة الامريكية.

تعد حكومة الولايات المتحدة الامريكية قضايا السلامة البيولوجية جزءاً مهماً من استراتيجيتها للأمن الوطني، ففي ايلول/ 2018 أصدرت إدارة الرئيس ترامب استراتيجية الدفاع البيولوجي الوطنية الأمريكية لمنع ومكافحة تهديدات الأمن البيولوجي بشكل أكثر فعالية وكذلك أصدرت خطة عمل الأمن الصحي، ونشرت المئات من أنشطة الوقاية والمشاريع المشتركة بين الإدارات ومكافحتها في جميع أنحاء الولايات، حيث ابدت التزامها خلال وقت محدود بعمل جيد في الوقاية والكشف والاستعداد للاستجابة لحالات طوارئ الصحة العامة حيث أصدرت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية "خطة تنفيذ استراتيجية الأمن الصحي الوطنية للفترة 2019 - 2022، لتعزيز قدرة الدولة على الوقاية والكشف وتقييم الاستعداد، ومحاولة التقليل من مخاطر الأمن الصحي والاستجابة لها والتعافي منها في القرن الحادي والعشرين، وتشير "الاستراتيجية الوطنية للدفاع البيولوجي" للولايات المتحدة الامريكية إلى أن التهديدات البيولوجية هي جانب فريد من جوانب الأمن القومي وتتطلب أساليب دقيقة ومنهجية لتقليل المخاطر، وتقترح الاستراتيجية إنشاء لجنة توجيهية للدفاع البيولوجي على مستوى الحكومة الفيدرالية والتعلم من حوادث التهديد البيولوجي السابقة لإنشاء آلية دفاع بيولوجي أكثر مرونة وفعالية من أجل حماية أفضل للشعب الأمريكي ورفاهية المواطنين، واقترحت ايضاً تبني أساليب فريدة ومبتكرة مغايرة عن أساليب الدفاع البيولوجي للحكومة السابقة للتكيف مع الخصائص المعقدة والمتطورة للتهديدات البيولوجية الآنية، ووضع استراتيجيات للتعامل مع التهديدات البيولوجية المختلفة بما في ذلك التهديدات العرضية التي تحدث بشكل طبيعي والمتعمدة او المصطنعة، كذلك القيام بعملية تقييم القدرات وتحديد أولويات موارد وإجراءات الدفاع البيولوجي داخل الحكومة، وإجراء تقييم شامل لاحتياجات الدفاع البيولوجي والمراقبة المستمرة لتنفيذ استراتيجية الدفاع البيولوجي الوطنية، واتخاذ تدابير لدراسة التهديدات البيولوجية الجديدة واتخاذ إجراءات وقائية فعالة على المدى البعيد، حيث قامت خطة التنفيذ بنشر إجراءات لثلاثة أهداف أساسية:

• إعداد وتعبئة وتنسيق جميع الإدارات الحكومية للاستجابة المشتركة لحالات الطوارئ والكوارث الصحية العامة، تعزيز الدور القيادي، وتعزيز التأهب الوطني، وتوحيد القوى الوطنية للاستجابة لحالات الطوارئ والكوارث الصحية العامة، حشد وتنسيق ونشر الموارد الطبية والصحية العامة للحكومة الأمريكية، تعزيز البنية التحتية الطبية والصحية العامة بشكل مستدام لتحسين الاستجابة لحالات الطوارئ، تقييم فعالية وجدوى قدرات الاستجابة الصحية للكوارث الإقليمية من أجل معالجة المشاكل المتعلقة بنظام الرعاية الصحية.

• حماية البلاد من الآثار الصحية للأمراض المعدية والتهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والسعي باستمرار لتحسين الاكتشاف المبكر للأمراض المعدية الوبائية،  والقيام بتطوير اللقاحات الخاصة بالأمراض السابقة، وتوفير تدابير طبية مضادة آمنة وفعالة، كذلك دعم احتياطيات المخزون المحلي، والاستفادة من قدرات القطاع الخاص بالحفاظ على شراكة قوية بين القطاعين العام والخاص من أجل تطوير تدابير طبية مضادة فعالة وتطوير الإنتاج، والترويج لإنشاء سلسلة توريد منتجات طبية مرنة.

 

  1. المملكة المتحدة.

 لطالما أعطت الحكومة البريطانية الأولوية للصحة العامة باعتبارها قضية أمن وطني، وأدرجت الأوبئة والأمراض المعدية الناشئة على أنها الأحداث الأكثر خطورة، كذلك أدرجت الهجمات باستخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية والإشعاعية والنووية كمخاطر ثانوية، وفي تقييم قدرة الأمن الوطني البريطاني لعام 2018، تم الارتقاء "بالأمراض والكوارث الطبيعية التي تؤثر على المملكة المتحدة" إلى أحد التحديات الرئيسية الستة التي قد تعزز أولويات الأمن الوطني في السنوات العشر القادمة، في يوليو 2018، أصدرت المملكة المتحدة "استراتيجية الأمن البيولوجي الوطنية البريطانية"، مؤكدة أن الحكومة البريطانية ستبذل قصارى جهدها لحماية المملكة المتحدة ومصالحها من مخاطر الأمن البيولوجي الكبرى، ففي سنة 2019 أصدرت الحكومة البريطانية "لمعالجة مقاومة الأدوية المضادة للميكروبات 2019 - 2024: خطة العمل الوطنية البريطانية الخمسية"، محذرةً من أن البكتيريا الخارقة في المستقبل يمكن أن يكون لها خطر هائل على الصحة العامة من خلال مقاومتها للأدوية المضادة للميكروبات، وفي تموز (يوليو) 2019 ، أطلقت اللجنة المشتركة لاستراتيجية الأمن الوطني في المملكة المتحدة نشاطًا بحثيًا بعنوان "الأمن البيولوجي والصحة العامة: الاستعداد للأمراض المعدية وتهديدات الأسلحة البيولوجية" لتقييم عمل الحكومة في مجال الأمن البيولوجي والصحة العامة، وتنسيق وتحسين خطة الحكومة للتعامل مع تهديدات الأمن البيولوجي، جمعت الاستراتيجية الوطنية للسلامة البيولوجية في المملكة المتحدة، لأول مرة بين العمل الذي تقوم به الحكومة البريطانية بأكملها لحماية البلاد ومصالحها من المخاطر البيولوجية الكبرى، وتوضح كيف ستعمل المملكة المتحدة على تحسين الاستجابة للمخاطر  بناءً على الأنشطة الحالية والقدرة على الاستفادة من الفرص، حيث قدمت التقارير عددًا من التوصيات لجوانب العمل منها:

• فهم المخاطر البيولوجية التي قد تواجهها في الحاضر والمستقبل وتعزيز عملية جمع المعلومات على نطاق واسع وتبادلها وتقييمها من خلال التعاون الدولي.

• منع حدوث المخاطر البيولوجية أو زيادة تهديد المملكة المتحدة ومصالحها عن طريق تعزيز التنسيق بين مختلف الإدارات الحكومية، وكذلك الاتصالات والتعاون الدولي الثنائي والمتعدد الأطراف، تعزيز مراقبة الحدود لمنع المخاطر البيولوجية من عبور الحدود، مواصلة التعاون مع الأوساط الأكاديمية والصناعة لضمان البحث العلمي البيولوجي المسؤول. 

• الإبلاغ عن المخاطر البيولوجية في أقرب وقت ممكن ومن مصادر موثوق بها قدر الإمكان، التعامل بشكل جدي مع معلومات مراقبة المخاطر البيولوجية على جميع مستويات الحكومة لضمان وتعزيز قدرات تحليل المعلومات الحكومية، ضمان الإبلاغ في الوقت المناسب عن الأوبئة والحوادث والكوارث، والتأكد من إبلاغ المجتمع لإتخاذ إجراءات سريعة، توفير التدريب والمعلومات والدعم للممارسين في النظام الطبي، تقديم الدعم الفني وتبادل المعلومات والمشورة العلمية لموظفي الطوارئ في الخطوط الأمامية، استخدام البيانات ووسائل التواصل الاجتماعي والنمذجة والبحوث الوبائية لكي تلعب دورًا في الاستجابة للمخاطر، مواصلة تطوير أدوات التحليل وقواعد البيانات، تعزيز البحوث التعاونية الرئيسية والاستجابة بين الشركاء الدوليين، وضع خطط استجابة للمخاطر التي قد يكون لها أكبر تأثير في تقييم المخاطر الوطنية، صياغة خطة الحكومة البريطانية للرد على تفشي الأمراض الدولية الكبرى، التعاون مع شركاء الصناعة لبناء قدرات الاستجابة للكوارث والتعافي، تقييم القدرة بانتظام على الاستجابة لتهديدات الأمراض النباتية والحيوانية، ويحتاج إلى اتخاذ إجراءات لإدارة المخاطر، الاستمرار في ضمان احتياطيات كافية من الموارد الطبية، العمل مع صناعات تطوير اللقاحات والأدوية لتسريع إنتاج المنتجات ذات الصلة ودخولها إلى الأسواق عند الطلب، في الوقت نفسه  يطرح التقرير موضوعين رئيسيين شاملين وهما ضرورة أن تستند جميع عناصر استجابة الحكومة إلى الفهم العلمي الصحيح والقدرات ذات الصلة، مع الاستفادة من الفرص التي توفرها التكنولوجيا البيولوجية للمملكة المتحدة، مع ذلك يجب مراعاة المخاطر بشكل كامل.

 

 

 

المقترحات:

  1. ضرورة تضمين التهديدات الناتجة عن الامراض الوبائية في الاستراتيجية البيولوجية العراقية.
  2. يجب ان تكون هناك خطة للاستجابة الفعالة للسلامة البيولوجية الناتجة عن الامراض الوبائية.
  3. الاخذ بنماذج الاستراتيجيات الدولية اعلاه كنموذج تطبيقي بما يشمل من خواص للتكوين البيئي والصحي والمجتمعي المشابه للبلاد.
  4. الاستفادة من الخبرات في مجال علم الاوبئة والطب السريري لعمل لجنة خاصة للكشف المبكر عن الاوبئة والامراض التي تهدد الامن الصحي العراقي في المستقبل مع وضع حلول ومقترحات ورؤيا مستقبلية في هذا المجال.
  5. التعاون المشترك بين القطاعين العام والخاص والحفاظ على انتاجية القطاعين بالتزامن مع وجود الازمة الصحية الحالية.
  6. الاخذ بعين الاعتبار التجارب السابقة وتجارب الدول في كيفية مجابهة الاوبئة وكيفية الاستجابة لها والعمل على بناء جيل جديد من الوعي المجتمعي فيما يخص تهديدات الامراض الوبائية وتأثيرها على ديمومة الحياة والاستقرار البيئي.
  7. تفعيل بعض الفقرات في استراتيجية التنوع البيولوجي العراقي الخاصة بتشجير المناطق الصحراوية لإعادة التوازن البيئي وكذلك مراعاة شروط السلامة البيئية عند القيام بمشاريع الاستثمار وبناء المدن الحضرية لما لها من تأثير مباشر على الامن الصحي.