عـولـمـة الـتـــطـــــرف

تاريخ النشر : 2020-09-07

الباحث
محمد عباس اللامي

كثيراً ما نسمع اليوم عن ظاهرة (العولمة) ونتائجها وآثارها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من المجالات ،حيث لا يمكننا أن نغض النظر عما يجري تحت مظلة هذه الظاهرة الكونية حتى وان كنا ممن يخالفون أو ممن لا يؤمنون بالعولمة كظاهرة أخذت تأثيراتها الهائلة تتغلغل في كل بقاع المعمورة ، فكراً وسلوكاً وثقافة .
كما يؤكد العديد من الباحثين على أن جذور العولمة تعود إلى بدايات نشوء النظام الاقتصادي الرأسمالي وخصوصا بعد أن طرح مفكرو المدرسة التجارية توجهاتهم التي يُنظر من خلالها إلى العالم وكأنه وحدة اقتصادية يتطلب فيها المتاجرة في كل مكان وإقرار حرية التجارة الخارجية، ولعل أبرز هؤلاء المفكرين  دايفيد هيوم  ( ولد في 26 أبريل 1711 - وتوفي في 25 أغسطس 1776) ، فيلسوف واقتصادي ومؤرخ اسكتلندي ، حيث مثل فكره مرحلة الانتقال من الفكر التجاري إلى الفكر الاقتصادي ، إذ كان هيوم يقر بضرورة إطلاق حرية التجارة الخارجية وعدم تقيدها وإلغاء كافة الحواجز التي تحد منها (1) 
فالعولمة تشير إلى التغيرات النوعية في الهياكل الاقتصادية والسياسية والفنية والثقافية والتوجهات والتغيرات على المستوى القومي والعالمي (2).
ففي ظل العولمة الثقافية وسيطرة الثقافة الغربية تراجعت أهمية الثقافة المكتوبة إلى حد كبير، وأفسح المجال أمام الصورة ، لتؤدي دوراً بالغ الخطورة فالصورة أصبحت خطاب ناجز مكتمل يمتلك سائر مقومات التأثير الفعال في مستقبله وهي لغة تستكفي بذاتها ، وهذا في أساس شعبيتها وتداولها الجماهيري الواسع ، وهو بذات الوقت أساس خطورتها ، وكما تستطيع العولمة تجاوز الحدود وتجعل من البعيدين جغرافيا قريبين بفضلها حتى  تصل إلى أي إنسان في عقر داره ، كذلك الصورة فقد أصبحت قادرة على تحطيم الحاجز اللغوي معتمدة على الإبهار ودغدغة المشاعر بما يمكن تسميته تغييب العقل لفسح المجال للغرائز التي هي هدف ذلك السيل من الثقافة المصورة (3) إذن فتقنية الصورة الحديثة تخلق حالة من الاستلاب لدى المشاهد ، وهي دون شك تحمل الكثير من المضامين الاجتماعية والثقافية والإيديولوجية وتعمل عملها في سلوك الأفراد والجماعات ، ولا سيما في المجتمعات التي تعيش فراغات ثقافية أو شعورا بالنقص أمام ثقافة الآخر وعلى الرغم من الايجابيات التي تتركها العولمة في مجالها الثقافي والسياسي والاقتصادي (4)، الا أن الجماعات المتطرفة أستثمرت هذا التطور أيضا بتغذية الافكار المنحرفة والمتطرفة المؤدية للارهاب حيث عملت الجماعات المتطرفة على الاقتتال في مسرح الإنترنيت أو المعلوماتية أي القتال الإلكترومعلوماتي كونه يخاطب الفرد أولا قبل أن يخاطب الجماعة ، وهو في كثير من الأحيان يخاطب الفرد بمعزل عن مرجعيته الثقافية والاجتماعية ، وهذا ما يسهل في كثير من الأحيان عمليات الاختراق الثقافي والفكري .
كما مثل عالم الانترنيت نافذة علمية جديدة جعلت من الشبكة العنكبوتية وسيطا لفرض الاراء وصنع القرار وتبادل المعلومات ، فقد اصبحت البشرية تشهد ظاهرة عالمية سميت أيضاً بالعولمة تسعى من خلالها لتوحيد الافكار  الثقافية واالاجتماعية والاقتصادية والسياسية تدفع بها الى رؤى وتوجه محدد عبر توظيف وسائل الإتصال ووسائل الإعلام، والشبكة المعلوماتية والتقدم التكنولوجي بشكل عام لخدمة أهدافها ، فلم يعد هناك أي حواجز جغرافية أو تاريخية أو سياسية أوثقافية ، فأصبح العالم يخضع لتأثيرات معلوماتية وإعلامية واحدة ، أسهمت التقنية الحديثة في تطور العلم وجعله مختلفا عن الأمس (5).
أستغلت المنظمات المتطرفة العالم افتراضي لتسويق افكارها وأنشطتها الارهابية  في أقامة علاقاتها ، القائمة بالاساس على تقنيات رقمية احتلت عقول كثير من المشاهدين والمتابعين للمنصات الالكترونية لما تتمتع به من جاذبية واستقطاب خصوصا في عالمنا العربي .
 وبسبب عدم وجود قوانين رادعة وغياب السيطرة على المنافذ الالكترونية لعدها جزء من حرية الفرد ظلت مواجهة التطرف عبر وسائل الاعلام الرقمي متأخرة نوعا ما ، والذي يعزو سببه ايضا لعدم التواصل وضعف التنسيق والتعاون مع الشركات الكبرى التي تدير  السوشيل ميديا " Sushil Media " وهذا ما استفادت منه التنظيمات المتطرفة لتحقيق اهدافها ، في ظل ضعف بنية الشبكات المعلوماتية إزاء خطابات التطرف والإرهاب وقابليتها للاختراق بسهولة، لأن شبكات المعلومات مصممة في الأصل بشكل مفتوح من دون قيود أو حواجز أمنية ، وذلك رغبة منها في التوسع وتسهيل دخول المستخدمين، والحفاظ على خصوصيتهم، كما تعاني الأنظمة الإلكترونية والشبكات المعلوماتية من ثغرات معلوماتية يمكن للمنظمات الإرهابية استغلالها في التسلل إلى البنى المعلوماتية التحتية ، حفزت اختراقها لتنشر المضامين والصور والأفلام الدعائية للفكر الإرهابي و المتطرف عبر نظام إيكولوجي واسع من المنصات، وخدمات تبادل الملفات والبيانات التي تلتزم بها وسائل الإعلام ، ووسائل الإعلام الاجتماعية (6).
فقد شهدت بعض الصفحات الألكترونيّة ما أسماه البعض "البيعة الافتراضيّة" لزعيم تنظيم داعش من جانب آلاف السلفيِّين الجهاديِّين. وجاء ذلك على إثر إعلان الناطق باسم التنظيم الإرهابيّ عن تأسيس ما يُسمَّى "دولة الخلافة" في المناطق التي يُوجَد فيها التنظيم في العراق وسورية، وظهرت صفحات على شبكات التواصل الاجتماعيّ من بينها ما يُسمّى "بيعة أمير المؤمنين أبو بكر البغداديّ"، و"إعلان الولاء الشرعيّ لأمير المؤمنين أبو بكر البغداديّ"، وغيرها، وهو الأمر الذي ساهم في انتشار التنظيم الإرهابيّ ، وتوسيع رقعة مُؤيِّديه عبر العالم الافتراضيّ ، كما أنَّ توجيه الخطاب بوساطة الإرهابيّين من منابر تلك المواقع ، وإبراز الخسائر المادّيّة والبشريّة الناجمة عن تلك العمليّات إنّما هو خدمة غير مُباشِرة للإرهابيِّين إذ إنَّ تلك المواقع تُساعِدهم على تحقيق أهدافهم في نشر الذعر بين الناس، وهذه المواقع تستخدم -أيضاً- في التواصل بين الخلايا النائمة ؛ لأنّ الإنترنت أداة إعلاميّة مُتنوِّعة سهلة الاستخدام، ورخيصة التكلفة تُساعِد في التخفّي، وفي الوقت نفسه تصل إلى المُستهدَفين في كلّ مكان. كلُّ ذلك يُشجِّع التنظيمات الإرهابيّة على نقل عمليّاتهم إلى العوالم الافتراضيّة فيما يرى الباحث ضعف التدريب، والإعداد، والتعليم، وغياب الوعي الإداريّ، إضافة إلى تجاهل التقنيّات، ومُواكَبة العالم في مجال الأمن الرقمي جعل المُتطرِّفين في سباق مُستمِرّ، وواسع في استخدام العالم الافتراضيّ للتسويق، وتنفيذ جرائمه في مساحات واسعة من العالم (7).
ورغم كل ما ذكرناه فهنالك عدة مخارج لمواجهة التطرف العنيف ، ولاسيما المخارج السياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية وغيرها، ولكن مقتضى الثورة الرقمية  ، يفيد بأن المواجهة الرقمية تعد اليوم من أهم المواجهات ، خاصة أن هذه الثورة تسببت في خلخلة المشهد الديني والثقافي والسياسي  في المنطقة والعالم ، وأصبح التأثير على الناس  عبر الفضاءات الرقمية، أسهل وأيسر بكثير اليوم، مقارنة بالماضي .
 ولقد خلقت هذه الشبكة العديد من العقبات التى تتطلب حلولاً جديدة ومبتكرة بل وسريعة فى نفس الوقت، كما أنها تتطلب فريقاً من كل الهيئات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية لتدريب كوادر لتسليحهم  بأدوات ومؤهلات حقيقية في جمع وتحليل البيانات وأستثمار شبكة المعلومات الدولية لاكتساب المهارات والدلائل التى تمكنهم من تحديد النشاطات المتطرفة .
و المعقدة نظراً للتقنيات المستخدمة  في النشر والتسويق ، واعداد البرامج التنموية و الاهتمام بالمناهج التعليمية لترسخ مفهوم قبول الآخر ونشر روح التسامح ، بمعنى اصح يتوجب اعداد استراتيجية شاملة لمواجهة التطرف والابتعاد عن الانشطة الفردية والمتفرقة والعمل الجاد بنشر الامور الايجابية في المجتمع والعمل على النصح والإرشاد من أكثر الطرق استخداما لتقليل التطرف الفكري والاعتماد على تنشيط بعض الاعتقادات والقيم الإيجابية، والمشاعر الطيبة في نفوس الأشخاص حتى يتقبلوا تغيير سلوكهم، ويعتمد أيضاً على التناقض بين الأفكار التي توجد لدى المتعصب الأمر الذي يخفض القلق، والتوتر و التعصب ومنح الخبرات والمعلومات من خلال التواصل الاستراتيجي .
المصادر
(1)     مجذاب بدر عناد الغريري، العولمة أسلوب للهيمنة الإمبريالية، مجلة دراسات دولية، مركز دراسات دولية، بغداد، العدد الثالث عشر، تموز، 2001، ص 2
(2)    ياربر ، بنجامين وأخر : العولمة بين التأقلم والمواجهة ، ت: أحمد محمود ، المجلس الاعلى للثقافة ، 
الهيئة المصرية لشؤون المطابع الاميرية ، القاهرة ، ١٩٩٨ ، ص ١٥٢ - ص ١
(3)    د. منير الحمش، العولمة ليست الخيار الوحيد، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1998، ص 42
(4)    باقر سلمان النجار، العولمة والثقافة: قراءة في أفكار عامة،مجلة النهج، دمشق، العدد16، نيسان، 1998، ص78
(5)    محمد عباس  ، اللامي  ، السوشيل ميديا بين حرية التعبير وخطر الارهاب ، مجلة الفن في مواجهة الارهاب والتطرف، بغداد ، العدد 1 ، اذار 2019 ، 44
(6)    محمد عباس ، اللامي ، الدبلوماسية الافتراضية فك الارتباط وحصار التطرف ، مركز  النهرين للدراسات الاستراتيجية ، بغداد 2019 ص 29
(7)    المصدر نفسه