‎الرأسمال الاجتماعي ... المفهوم وآليات التوظيف رؤية لمواجهة التطرف العنيف

تاريخ النشر : 2020-06-24

م.م. محمد عباس اللامي 

‎إن أبرز ما يمتاز به عالمنا المعاصر في أغلب البلدان هو الانفتاح الانساني و التقارب المبني على منظومة مفاهيم تسهم  في تصدير الفكر وتوجيه العقل بما يخدم محركاتها ، وقد عرف الفيلسوف والعالم الامريكي فرانسيس فوكوياما رأس المال الاجتماعي بأنه " قدرة الناس على العمل سوياً لتحقيق أهداف وأغراض مشتركة للجماعات والمنظمات " ، وهذا يعني أن رأس المال الاجتماعي يقصد به أن الفرد لديه أرصدة وشبكة علاقات أجتماعية يمكن توظيفها من خلال التفاعل والتواصل وفق آليات ووسائل وأساليب متعددة .
‎يتم من خلالها بناء المجتمعات المستقرة في الجانب المعرفي و الاقتصادي والسياسي والأمني ، عبر الاندماج المجتمعي بالبحث عن المشترك وتجميد المختلف، اذ يشكل الرأسمال مسؤولية اجتماعية ومدنية يكرس الالتزام بها الأمان الفردي، والأسري، والسلم الأهلي، والتماسك الاجتماعي .
‎إن المنظمات غير الحكومية تلعب دوراً بارزاً ومهما في تأسيس وإدارة وتنظيم تلك العلاقات ولاسيما في توظيفها لمواجهة الافكار المتطرفة والهدامة التي تسعى الى النيل من كرامة الانسان وحرياته وخياراته التي صعنتها تجربة بشرية طويلة تبادلت عبرها الخبرات فتلاقحت ثقافتها مما حفزها لتجعل من العقل مصدرا لأفعالها ومواقفها  ، وسعيا لاستثمار أفضل للرأسمال الاجتماعي تعد تنمية قدرات الشباب أولوية في مختلف المجالات الفكرية والمهاراتية اكتشافا لامكاناتها وتفعيلا لقدراتها عبر مشاريع تطوير المناهج العلمية و طرائق التدريس التدريبية سعيا لمواكبة المتغيرات الثقافية و الاجتماعية والاقتصادية بما يسهم بصناعة مواجهة  فاعلة لهزيمة ودحر الافكار المتطرفة .
‎إن الرأسمال الاجتماعي يخلق قاعدة واسعة من الترابط المجتمعي تشخص وتعمل وتتكامل لمواجهة الاخطار المشتركة وللتخفيف من الصدمات ودرء المخاطر ، بشرط توفر ارادة لدى الادارات الحكومية تزرع الثقة المتبادلة بأفراد مجتمعاتها  تثمينا لقدراتها وامكاناتها لتحفيزها على صناعة البنية التحتية الاجتماعية وما يترتب عليها من البنى الفوقية كافة.
‎يشكل استثمار الرأسمال الاجتماعي فرصا واعدة لمواجهة الفكر المتطرف العنيف الذي يسعى لتفكيك عرى المجتمع عبر تسويقه مفاهيما مناطقية وطائفية تعمل على الاخلال بالأمن الوطني الشامل .
‎يشكل تفاعل الإنسان مع واقعه بشتىّ الأشكال التي يعبر عنها في تواصله تمثل التفسير والتصميم النظري والعملي لطابع تفاعله مع بيئته وعلاقاته ، تكشف عن عوامل وظيفية للتواصل المجتمعي ولاسيما أن البيئة المحيطة تخلق مهارة لدى الانسان تعزز ممكنات إبداعه كخزين ثري ينتظر توظيفا لمواجهة الافكار الظلامية  ، فالوعي  ينطلق مما هو داخلي اجتماعي وروحي لتنبثق شرارته كنشاط وإبداع وخلق يشكل نقلة نوعية لتوظيف عالم الأفكار لاستثمار الرأسمال الاجتماعي تحصينا لمجتمعاتنا ضد أفكار التطرف العنيف السامة . 
‎اننا اليوم بحاجة ماسة الى اكتشاف الطاقات المعرفية و ترصين التأمل التخصصي عبر إيصال الخبرات التحليلية التركيبية الى اعلى مراحلها  لاعادة صياغة بنية نظمنا المجتمعية وانساقنا الثقافية لمواجهة الفكر المتطرف المفضي الى الارهاب .
‎ان أتساع دائرة البحث والتحليل في دراسة رأس المال الاجتماعي ليشمل أبعاداً مختلفة بحسب حزمة الضوء الموجهة على شرائح مجتمعية معينة  وابتكار مزيدا من الأفكار والرؤى لتحقيق مجموعة من الاهداف التي تسهم  لتفسير عقد وألغاز بنية التطرف العنيف  عبر تفكيك علائقه وارتباطاته ، فقد أتجه الباحثون والمفكرون نحو تصنيف دراسته في إطار تخصصي ينسجم مع حجم آفاقه وتنوع أبعاده . 
‎وكان البعد الاجتماعي من بين أهم تلك الأبعاد ، ولكن الآراء  جاءت متباينة حسب طبيعة المنطلقات الفكرية المتنوعة الى مذاهب و تيارات تتعدد في  النهج والتفكير والمبدأ ، كما أن معظم الشروح والأحكام التقويمية للرأسمال الاجتماعي قد أتصفت بنسبية القيم والمعايير من جيل لآخر من الباحثين والمفكرين . ورغم ماأسهمت به تلك الآراء والأفكار والنظريات في الكشف عن أهمية أستثماره لقدرته على التأثير الايجابي مجتمعيا يبقى مفهوم الرأسمال الاجتماعي حقلا ثريا للباحثين الواعدين يوفر امكنات متنوعة لابتكار أفكار ورؤى تسهم بمحاصرة التطرف العنيف في مساحات اشتغاله المجتمعية وتمنح الأفراد رفضا ذاتيا لنزعاته وسمومه الممتية.