المحركات الفكرية للتطرف العنيف بنية الخطاب انموذجا

تاريخ النشر : 2020-06-22

 م . م . محمد عباس اللامي

تداخلت الأفكار وتقاطعت في فهم بنية الخطاب بعد أن أصيبت هياكلها بالتغريب فانتقلت  الى عوالم اللامعقول بعبارات تحرض على صناعة تطرف أعمى ينتج عنفا وارهابا داميا ، لذا تعد  الدعوة للتنقيب  والحفر في جذر التطرف ضرورة أفترضتها متطلبات الوعي العلمي لماهية التطرف العنيف ومحركاته الفكرية مع ملاحظة مؤشرات معطياتها الدافعة ، فقد أجتاحت الثقافة العدوانية المتطرفة المجتمعات بأختلاف ألوانها وأشكالها ولغاتها مستعيرة من خطاب احادي غاب عنه الاعتدال مما أفرز تأثيراً خطيرا على نمو الجماعات المتطرفة.
لايتوقف  تحليل بنية الخطاب على الملاحظات المظهرية لمكونات السرد فحسب بل يتجاوزها الى المحاولة للكشف عن الإيحاءات أو الرسائل المراد تسريبها الى المتلقين عبر الخطاب التلقيني المنغلق ، وعليه فان الخطاب يعد من جهة طريقة في السرد وفي الآن نفسه رؤية متعصبة ورأي ساذج يرفض الأفكار المختلفة ويستهجنها راميا معتنقيها بأوصاف التبديع والتفسيق والتكفير التي تحرض الأغرار على ايقاع الأذى بغير وجه حق بالمختلف في مخالفة صريحة لما  ورد من نصوص واضحة تدعو الى الاعتراف والاقرار بالاختلاف كسنة كونية تضفي على الحياة تنوعا وثراء   .
الخطاب الأحادي الذي يدعي احتكار الحقيقة والطهرانية المتخيلة عادة ما يلجأ إلى الاستعارات والرموز في التعبير عن مفاهيم دلالة النص فضلا عن توظيفه للتقنية التي تعد عملية معرفية ادراكية ، يتم من خلالها تمرير خطاب الى العالم المحيط بالإنسان كأضافة نوعية للخطاب الذي يقدمة المرسل  اذ تنتقل الرموز كمعتقدات ومعرفة الى الواقع  مما يحقق تواصلا للانماط بما تحملة من أفكار تعلن الحرب على مفهوم الانسانية فالواقع الإجتماعي اليوم يزدحم بالتناقضات والصراعات المُتعدّدة الجوانب والتطورات المُفاجئة، فهو في نَظَر كثير من الباحثين والمهتمين واقع غريب يجافي المنطق العلمي ، أما العَمليّات التي تجري فيه لا تُعد غريبة فحسب للإنسان وتَكوينه الروحي ، وإنما تعدّ كذلك مرعبة مُنغلقة ، وعمياء ، تغزو الكائنات الإنسانية  التي تستنطق الرموز الموروثة داخل فضاء المعاصرة اذ يمارس الذهاب الى الجوهر الحقيقي ، لإلتقاط الرموز الدلاليّة  ولسحبها الى المعاصرة بهدف نشر خطاب العنف والكراهية .

ويعد الخطاب أحد إبرز المحركات الفكرية لدى المتطرفين أذ أن تاريخه كأداة فعالة في التواصل بين الفرد والقنوات والمنصات المختلفة محققا عبر توظيفه للتطور التكنولوجي المستمر  نجاحا كبيرا كأداة ذات أولوية في  تحقيق اهدافه الاجرامية عبر تغيير القناعات والافكار بسياقات مختلفة ، ان انتاج الخطاب وتسويقه ليس حراً او بريئاً كما يبدو في ظاهره ، وانما تتجلى هيمنته بالحلول والمعالجات الكامنة خلف سياقاته لمعظم القضايا الثقافية والفكرية الإنسانية ضمن مفردات الدين والتدين الاجتماعي  والسياسة..  والتربية.. وغيرها .
 ولو تتبعنا مفهوم الخطاب لوجدنا أن خاصيته المرجعية تعد من اقدم الفنون ومرجعه الخطابة، اذ يحتوي على مجموعة من النصوص لغوية (مكتوبة او منطوقة) يتطلب تحقيقها وجود عنصرين (المرسل) و(المستمع)، ومن خصائصة التبسيط وخلوه من التعقيد متجنبا الاطالة والتكرار في مفرداته والتوافق مع المستوى الثقافي للمتلقي وموضوعه الواحد المكرر يرتكز على فكرة واضحة المعنى والدلالة ، معززا بدلائل تحقق مصداقيته،   اما سياقاته فتأتي على وفق ما يحققه من تأثير على قناعة المتلقي عبر ما يبثه من افكار تنطبع في الأذهان الرخوة يمكن توصيفها على وفق الاتي :-
أ‌-    الخطاب الاسلامي عبر ادعاء  (نشر تعاليم الدين و اخلاقه)
ب‌-    الخطاب الايصالي (نقل فكرة او معلومة ما)
ت‌-    الخطاب الابداعي (بث فكر ما ،  فلسفي، او سياسي)
         وغيرها من الخطابات
   وعليه فان الخطاب و ادواته تتغير وتتحول تبعا للعصور، فلكل عصر معطياته الثقافية التي من خلالها يتحقق التواصل بين افراده ضمن الثقافة الجمعية.
وسعيا لتجفيف ثقافة التطرف العنيف التي تغذي التوجهات الإرهابية على مستوى الفرد او الثقافة الدينية، مما يحتم اجراء تحديث لبنية الخطاب والانتقال بدلالته التوجيهية الى الاصلاح عبر تفتيت حاضنته التطرفية، وهذا لا يأتي الا من خلال المعالجة الايديولوجية القائمة لرصد ثقافة التطرف العنيف، من حيث مرجعياتها الفكرية لتأسيس خطاب معرفي جديد يتبنى التعددية ويقر بالتنوع للمضي قدما لمواجهة ميدانية مع التطرف العنيف عبر اثراء مناهج التربية و التعليم بمفاهيم تحث على اعمال العقل والتفكير عبر حيازة ملكات النقد والتحليل واعادة انتاج المعرفة بالتكامل مع الاعلام والاقتصاد، وبهذا الثالوث العملي  يمكن تحويل الخطاب اللغوي الى خطاب بصري من خلال ( المرسل ، الخطاب ، المتلقي ) لـ لتحفيز ثقافة الاستهجان الذاتية فردية ومجتمعية ضد نزعات التطرف بمختلف محركاته الدينية والمذهبية التي تستشري في مناخات ضعف الدول وفسادها الذي بات يزكم الأنوف.
لذا لابد من النظر الى المحركات الفكرية للتطرف العنيف من منظور عميق يدرك خطورتها  ولاسيما في صناعتها لبنية خطاب عنفي يفكك نسيج المجتمعات ويودي بشبابها ومواردها، ومما تجد الاشارة اليه في هذا السياق أن  الحلول الصلبة التي تواجه التطرف العنيف تعيش دورة حياة قصيرة بعد  اجهازها على أجساد الارهابيين ولكن الارهاب كفكرة يبقى حيا عبر بنية خطابه التي تنتقل من جديد غازية عقول الأجيال كثقافة صلبة تمتنع على التحديث، مما يتطلب حفرا في جدر التطرف العنيف لتفكيك محركاته الفكرية لتدمير بنية خطابه التي تقتات على الكراهية والموت وصناعة فكر حياة يعلي من شأن الانسان الذي يعمر بعقله ومهاراته الأوطان.