حرب الكمامات الباردة

تاريخ النشر : 2020-04-11

 

م. د. حسن سعد عبد الحميد  

مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية/ قسم الدراسات السياسية

2020م

    منذُ ان أطل فايروس كورونا (كوفيد 19) برأسه على العالم انطلاقاً من مدينة ووهان الصينية وانتشاره في بقية دول العالم، ومع التزايد المستمر لأعداد الوفيات بين المصابين به ازداد الطلب على الكمامات الطبية وأجهزة التنفس الرئوي بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي أسهم في فتح باب لحرب باردة غير معلنة بين الدول.

 فالكثير من الدول التي تفشى فيها الوباء بسرعة أظهرت عجزاً واضحاً في إنتاج الكمامات الطبية وأجهزة التنفس الرئوي بالكميات الكافية لاستيفاء الحاجة المحلية لها، مما ألزمها إلى البحث عن حلول وخيارات عاجلة ضرورية لشراء تلك المتطلبات الصحية لمواجهة الوباء، وأخذت الأنظار تتجه صوب العملاق الاسيوي ومصنع العالم الصين المنتج الضخم لتلك الكمامات، ومع التنافس المستعر بين الدول لامتلاك حصص وشحنات سريعة للشراء، افتقدت المنافسة الدولية لأبسط قواعد الشفافية والنزاهة التي من المفترض أنها تحكم قواعد العولمة الاقتصادية العالمية.

 هذا التنافس أخذ منحى حرب باردة بين الدول مع ازدياد التخوف العالمي بعد بيانات منظمة الصحة العالمية بأن الكمامات ليست ضامناً بما فيه الكفاية للوقاية من الوباء بعد أن تحدثت عن اقتصار الموضوع على ارتداء الأطباء والمرضى والاشخاص المحيطين بهم مباشرة لارتدائها، واستناداً على قناعات ومعطيات علمية ثبت عدم دقتها لاحقاً، لتبرر المنظمة ذلك الموقف هو لتجنب الهلع واستحواذ الناس على أكبر قدر من الكمامات والذي قد يؤدي إلى تفاقم نفاذ اعدادها لاسيما تلك المخصصة للأطباء والممرضين.

قرصنة  طبية أم مواقف غريبة!!

 على الرغم من الإجراءات التحذيرية التي وجهت للعديد من دول العالم ومنها الولايات المتحدة الامريكية للتعامل مع الوباء بجدية إلاً أن أدارة ترامب تعاملت مع الأمر ببرود وغطرسة، والامر الذي زاد التعقيد درجة أخرى معارضة بعض الولايات لاجراءات الحظر مع أولى موجات الوباء التي انتشرت في بعض المدن الامريكية، ومع التفشي السريع في نيويورك وغيرها من المدن الامريكية سارعت الولايات المتحدة إلى إلزام الشركات والمصانع الطبية الامريكية بمنع تصدير الكمامات والاجهزة التنفسية الطبية والمعدات الطبية الاخرى ذات الصلة الى الخارج طبقاً لقانون الانتاج الدفاعي الامريكي الذي عمل به أبان الحرب الكورية عام 1950م، وشروعها نحو الاستيلاء والقرصنة الطبية للكثير من الشحنات الطبية الموجه لدول العالم المختلفة، وهي قرصنة انتقلت عدواها للدول الاخرى.

فالولايات المتحدة استولت على شحنة كمامات طبية في بانكوك كانت متوجهة الى شرطة برلين والتي كانت قد اتفقت مسبقاً عليها، فضلاً عن 600 الف قفاز طبي، كما قامت الولايات المتحدة بشراء اقنعة طبية كانت متوجهة لفرنسا إلا أن الامريكيين قاموا بالمزايدة عليها والدفع اضعاف قيمتها النقدية لشراء تلك الطلبية وهي قابعة في مطار شنغهاي، لتصبح المطارات والمصانع الصينية ملتقى لقراصنة الجدد وكأننا امام لصوص من نوع أخر، فان كنت لا تمتلك مالاً وفيراً فلا مكان لك هناك، فالامريكيون يدفعون نقداً وبسرعة ودون تدقيق، وهو أغراء كبير للتجار الصينيين لاعتماد الصفقة وأن كان على حساب معاناة العالم، وهذا كان حديث الدبلوماسيين الاوكرانيين وهم يرومون الدفع مقابل الطلبية الطبية التي اتفقوا عليها مسبقاً، وعند وصولهم انصدموا بتواجد زملائهم من الدبلوماسيين الروس والامريكيين والفرنسيين وهم يسعون الى الاستيلاء على شحناتهم، وكاننا امام حرب قتالية من اجل كمامة.

   هذا الأمر لم يتوقف عند الحدود الامريكية بالقرصنة، فقد اثارت تلك التصرفات حفيظة الالمان الذين وصفوا الموقف الامريكي بالقرصنة الطبية وانها ليست طريقة بناءة للتعامل مع الشركاء عبر الاطلسي في اوقات الأزمات العالمية.

ولعل هذا الأمر فتح المجال واسعاً أمام قراصنة جدد للاستيلاء على الكمامات الطبية، إذ اشترت المانيا شحنة اقنعة طبية كانت مخصصة لاوكرانيا عبر الدفع بقيمة اعلى من قيمتها الاصلية، وايطاليا تصادر شحنة كمامات كانت متجهة إلى تونس، والحال مشابهة لتركيا التي صادرت شحنة كمامات كانت متجهة إلى أسبانيا، والتشيك تقرصن وتصادر شحنة كمامات كانت متجهة إلى ايطاليا.

  هذه الحالات من القرصنة المتعددة قدمت لنا مفارقة غريبة وهي أن الدول التي كانت تصف نفسها بدول المساعدات الإنسانية، الدول التي تراعي حقوق الإنسان وتتبرع للدول الفقيرة والمنكوبة في اوقات الأزمات، هي ذاتها اليوم تمارس القرصنة وتنزع قناعها المزيف وتظهر على حقيقيتها.

فالولايات المتحدة بدأت بحرب باردة ضد الجميع بهدف السيطرة على سوق الكمامات وأجهزة التنفس الرئوي، والعمل على الاستحواذ لأي شحنات أو طلبيات خاصة لبقية دول العالم، وكأن الموضوع عبارة عن كنز قومي خاص بالولايات المتحدة فقط وبمواطنيها، حتى لو انتهى الامر بالحاق أضرار كارثية لبقية البشر. ولعل ما صرح به رئيس الوزراء الكندي قريب حول هذا الموضوع عندما قال أنه ليس من المنطق الإنساني أن تضع عراقيل أمام حركة التبادل التجاري الطبي، وان هذا الامر سيكون له انعكاسات إنسانية خطيرة قد يحفز بقية دول العالم إلى مبدأ المعاملة بالمثل.

 إننا اليوم أمام حرب باردة من نوع جديد، حرب بين الدول من أجل تأمين المعدات اللازمة لمكافحة فيروس كورونا، أنها حرب قذرة وان غلفت بمبررات إنسانية، وكشفت حقيقة تلك الايادي التي كانت تدعي بالحقوق الإنسانية، تلك الايادي التي كانت تتشابك وتتصافح بحرارة امام شاشات الكاميرا والتلفاز أضحت الان تتصارع للحصول على كمامة، فكورونا أفقد العالم صوابه وأظهر لنا وجهه الحقيقي.

دلالات حرب الكمامات

 قدم لنا فايروس كورونا حقيقة هامة أنه في اوقات الأزمات الصعبة فأن قواعد حقوق الإنسان الدولية ممكن أن توضع على الرف، وان الصدق والالتزام والتضامن الدولي هو أمر ممكن تأجيله تحت يافطة الضرورات تبيح المحظورات، فنحن امام حرب باردة طبية قد لا تستمر طويلاً، لكن تداعياتها وتجاذباتها ستعمر كثيراً، فعالم ما بعد كورونا ليس هو ذاته قبله.

 أضف إلى ذلك أن كورونا قدم لنا الدلالات والمعطيات الآتية:

1- طبقاً لنظرية الاحتياجات الإنسانية فاننا على اعتاب حرب باردة جديدة نتيجة الخوف من فقدان أبسط الاحتياجات الإنسانية وهي الكمامة التي تحميك ولو مؤقتاً من الاصابة أو الموت جراء الفيروس، فالتنازع والقرصنة باسم الكمامة الطبية هو طبيعة بشرية عندما يصبح العقلاني غير عقلاني في ظروف تتعلق بالبقاء على قيد الحياة.

2- أظهرت هذه الأزمة رغبة غير إنسانية لاستغلال الاحتياج الدولي للحصول على الاموال الطائلة عبر المضاربة أو الخداع، وهو أمر دفع بوزارة الصحة الهولندية بإعادة شحنة كمامات طبية صينية الى الصين وعددها 600 الف كمامة بعد ان ثبت انها كانت مستعملة سابقاً من قبل الأطباء والممرضين الصينيين.

3- هناك نوع من نظام دولي جديد قيد التشكيل قد يتحقق مستقبلا، لن يحكمه السلاح والقدرات النووية والجلسات المغلقة للدول العظمى، بقدر ما قد يتشكل انطلاقاً من المشافي والمراكز الصحية.

4- إن شراء الصواريخ والاسلحة وحتى الرصاصات ربما أصبح اكثر سهولة من ذي قبل مقارنة بشراء الكمامات الطبية وأجهزة التنفس الرئوي على المستوى الدولي، وإثارة تساؤل هام حول مضمونه: هل اصبح إنتاج الاسلحة أكثر سهولة من إنتاج أجهزة طبية.

5- الأخطاء الدولية في إدارة ازمة كورونا سمح للصين بالبروز في المشهد الدولي عبر إنتاجها للمعدات والكمامات الطبية وجعلها محط انظار الجميع، ولتستثمر هفوات الخصوم سياسياً واقتصادياً ولتقدم نفسها كطبيب للعالم.