الأحزاب العراقية والأزمة الحاضرة ... مشكلة البنية والتنظيم

تاريخ النشر : 2020-04-06

مدخل

يمتد تاريخ الأحزاب العراقية إلى حقبة مبكرة سبقت تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام (1921)، إذ تعود بجذورها إلى بدايات القرن العشرين، بل يمكن القول أن التفكير بالحياة الحزبية يمتد إلى زمن أقدم يرتبط بنشاط حركة المشروطة في المحيط الجغرافي غير العربي للعراق ما ساعد على نشوء الجمعيات فيه التي اسس بعضها مجموعة من رجال الدين، ما يمنح الدلالة على اهتمام المؤسسة الدينية بالحياة السياسية آنذاك، لاسيما الأحزاب التي ظهرت في الفترة المحصورة بين تأسيس الدولة العراقية الحديثة وخروج العراق من الانتداب البريطاني، أحزاب كانت تعتمد على كاريزما زعماء لهم تأثيرهم ونفوذهم الديني أو المجتمعي .

وظل هذا الحال قائما حتى تأسيس الحزب الشيوعي الذي ظهر بالفعل كحزب تكونت قياداته من بين أبناء الشغيلة والفلاحين والطبقات الدنيا من المجتمع.

وكانت الأحزاب السياسية في العراق على الدوام رهينة لمؤثرات داخلية وخارجية بالغة التعقيد، أسهمت في حدوث اختلالات بنيوية داخل الاحزاب السياسية العراقية خلال الحقب المختلفة التي مرت بها الدولة العراقية الحديثة، جعلت من تلك الاحزاب رهينة الخلاف السياسي والقوى القابضة على السلطة، وقادت إلى أن تكون برامجها في أحيان كثيرة رد فعل تجاه السياسات الحكومية، أو الأحلاف الدولية، والايديولوجيات الكبرى المتصادمة.

هذه المشكلة ألقت بظلها على بنية الحياة الحزبية في العراق بالمجمل، والأحزاب السياسية بالنطاق الأخص، أسهمت كلها في أخذ تفكير المجتمع العراقي بالسياسة إلى تمركز حدي، انعكس بالتالي على الموقف من الدولة، وضَعُفَ دعم المجتمع للدولة على حساب دعم الأحزاب السياسية، التي تحولت لاحقا ونتيجة لتراكم الأخطاء التاريخية إلى بنى ممثلة عن الإثنيات، أكثر من كونها مؤسسات ذات طابع سياسي تمثيلي تسهم في تعزيز المشاركة السياسية ضمن إطار العقد السياسي المؤسس للدولة، كما أن الاضطراب الذي شاب تاريخها السياسي سواء كانت أحزاب معارضة أو أحزاب في السلطة قد انعكس آخر الأمر على أدائها السياسي بصورة سلبية.

لقد شهدت حقبة ما بعد (2003) في العراق وضعا فوضويا معقداً، وبقدر ما تسيّدت القوى المناوئة القديمة المعارضة للمشهد السياسي، فقد رافق ذلك تأسيس عدد كبير من الكيانات السياسية في العراق، كانعكاس بديهي لحرمان طويل من الحياة الحزبية في العراق.

ومنذ أول تنظيم إداري أنشأته الولايات المتحدة لإدارة الشأن السياسي العراقي بعد (2003) وهو مجلس الحكم، الذي شكلت القوى الحزبية المعارضة جسمه الرئيس، وإن ضم بعض الشخصيات المعارضة التي لم تنتظم بحزب، بدا أن مجلس الحكم لم يكن إلا صدى لما ورد في حيثيات إنشاء المؤتمر الوطني العراقي فجاء اختيار أعضاء مجلس الحكم قوميا ودينيا ومذهبياً، بطريقة أوضحت ما سيكون عليه شكل التنافس الحزبي لاحقا، بخضوعه للصراعات الطائفية والقومية مهما اتخذ من الآليات الديمقراطية وسيلة له.

وشهد العراق ظهور كيانات ذات طبيعة خاصة، ليست احزابا على الرغم من فاعليتها السياسية، وعلى الرغم امتلاكها قواعد شعبية واسعة، لكنها حتى الآن لم تطور بنيتها السياسية إلى تنظيم حزبي محدد، وأبرز من يمثلها هو التيار الصدري، الذي وعلى الرغم من تشكيله لهيئة سياسية، لكن هذه الهيئة بدا أن عملها يقتصر على تنظيم الشأن الانتخابي وضمان وصول ممثلي التيار الصدري إلى البرلمان عبر تكتل نيابي، وعلى الرغم من أن زعيم التيار طالما أكد على أن تكتل التيار الصدري النيابي (كتلة الاحرار/ سائرون) لا يمثله، لكنه بذات الوقت تحكم بقراراتهم وباتجاهات تصويت الكتلة ضمن البرلمان أو ضمن التحالف الوطني ذاته.

القوانين المنظمة لعمل الأحزاب العراقية

مرت الأحزاب العراقية بأوضاع مختلفة، كان التكييف القانوني لوجودها غير منتظم ولم يسر بنسق واحد، ففي بداية العهد الملكي صدر (قانون الجمعيات لسنة 1926) الذي ألحق بتعديل في ذات السنة.

ثم صدر (قانون الجمعيات رقم 63 لسنة 1955) - سبقه مرسوم بذات الاسم بالرقم (19 عام 1954) وجاء هذا القانون لإلغاء المرسوم - وتعديله الذي صدر في العهد الجمهوري الأول باسم (تعديل قانون الجمعيات رقم 63 لسنة 1955) وكذلك بعد انقلاب عام (1958) وقيام الجمهورية العراقية وصدور (قانون الجمعيات رقم 1 لسنة 1960)، ولم يصدر قانون صريح للأحزاب باسمها حتى صدور (قانون الأحزاب السياسية رقم 30 لسنة 1991) الذي ألحق بتعديل في ذات السنة.

وبعد العام (2003) أصدر الحاكم المدني بول بريمر (الأمر رقم 97 قانون الاحزاب والهيئات السياسية) الذي ظل سارياً حتى صدور (قانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015).

 

البنية التنظيمية

 

لو حاولنا أن نطبق الشروط التي تضمنها قانون الاحزاب العراقي الساري على الاحزاب العراقية، لتفحص مدى مطابقتها لمواد القانون فسنجد اختلالات كثيرة، قد يكون بعضها متعلق بكون تلك الاحزاب تأسست قبل صدور القانون، ولا تزال تواجه مشكلة في التكيف معه، فالكثير من التنظيمات السياسية مرتبطة بأجنحة عسكرية وجدت أبان المواجهة العسكرية مع تنظيم داعش، وهو ما يخالف الفقرة ثالثا من المادة (8) من القانون.

كما أن المادة 11 المتعلقة بإجراءات التسجيل لا تنطبق بعض فقراتها على الغالبية العظمى من الاحزاب السياسية المسجلة، مثلا الفقرة أولا - أ التي اشترطت توفر (2000) عضو للحزب من مختلف المحافظات، وهو أمر لا ينطبق إلا على تنظيمين أو ثلاثة وبتساهل.

فلو تساهلنا في معنى (من مختلف المحافظات) بأنه لا يعني المحافظات العراقية الـ19 بما فيها اقليم كردستان، بل يعني عدد مختلفا من المحافظات، فكم تنظيم حزبي يمتلك فعلا 2000 عضو فاعلين ويشاركون في النشاطات الحزبية على مستوى العراق؟ دون الالتفات إلى شكلية الاستمارات التي يمكن ان تقدم لدائرة الاحزاب السياسية لاتمام اجراءات التأسيس، فتزوير تلك الاستمارات او ملئها بصورة غير نزيهة امر سهل جدا.

ربما يتحقق هذا الشرط بشكل أوضح لدى تيار الحكمة، والتيار الصدري.

ولكن حتى في هذه الحالة، فتيار الحكمة وإن امتلك تنظيما حقيقيا، وهرمية تراتبية، وآلية واضحة للانتماء والصعود الحزبي داخل التنظيم الموزع أفقيا على محافظات، وعموديا على دوائر سياسية وانتخابية وغيرها، وعلى الرغم من كون التيار لا يخلو بوصفه حزبا من زعامات لها رأيها، وتشارك في صنع القرار بشكل فعلي، لكنه بالنتيجة حزب يترأسه شخص بالاستناد على ميراث عائلي، وللعائلة فيه دور مهم، كما أن للإقليم الجغرافي الذي ينحدر منه العضو خصوصية تعينه على الارتقاء الحزبي، فللنجفي مثلا في التيار حظوة ليست لغيره.

أما التيار الصدري بتنظيمه تحت الهيئة السياسية للتيار الصدري وكتلته النيابية، فهو أبعد ما يكون عن انطباق مفهوم الحزب السياسي عليه، نعم، تؤدي الهيئة بعض وظائف الحزب ـ مثل التنشئة السياسية ـ لكن وجود كل عضو في التيار، سواء في الهيئة السياسية، او في البرلمان، هو رهين رأي السيد مقتدى الصدر بذلك العضو، وبمدى ثقته بأمانته على تركة آل الصدر وتراثهم التاريخي، ولا توجد آليات واضحة للصعود الحزبي ضمن التيار، ولا يوجد نظام داخلي للتيار بوصفه يمتلك تنظيما يمارس العمل السياسي بآليات حزبية.

أما الحزب الشيوعي العراقي، أقدم الاحزاب السياسية عمرا، وأكثرها خبرة في العمل والتنظيم، فيعاني ضمورا كبيرا في قاعدته الشعبية، بما قاده للتحالف مع تيار ديني أصولي، ضمن تحالف تم التنظير له أكاديميا بوصفه كتلة تاريخية تضم البروليتاريا الدينية والقوى المدنية، ولكن هذا التحالف بيّن حجم القاعدة الشعبية للحزب، فبالكاد استطاع تمثيل نفسه في مجلس النواب ضمن تحالف سائرون.

إن هذه الامثلة تبيّن عمق الخلل في الحياة الحزبية العراقية، فالحزب الذي يمتلك تنظيما فعليا، لا يمتلك قاعدة شعبية، والتنظيمات السياسية التي تمتلك قاعدة شعبية واسعة، لا تمتلك تنظيما، ولا نظاما داخليا، ولا هرمية أو رؤية واضحة للتنشئة السياسية، واكتساب الانصار من خارج الدائرة العقائدية، أو لتجميع المصالح ـ وهو من صميم وظائف الحزب السياسية ـ وبعض التنظيمات التي امتلكت الحد الأدنى من تلك المعايير، فإنها بالمقابل لا تزال مرتكزة على تراث عائلي، وميراث سياسي عقائدي يناضل للتكيف دون الانقطاع عن جذوره.

فهل ينطبق والحال هذه مفهوم الحزب على الاحزاب العراقية؟

 

معوقات البيئة العراقية المتوترة.

تبعا لما سبق، فإن أهم المعوقات التي تواجه هذه الاحزاب بالمجمل يمكن أن تكون متشابهة من حيث المصدر، فلا يمكن القول أن القواعد الجماهيرية لهذه الأحزاب متماسكة وغير قابلة للتغير تبعا للحدث العام، والمؤثرات الدولية والإقليمية، فعدا سرعة تقلب مزاج الشارع العراقي، فإن الانتخابات القادمة ستكون مرتبطة بدرجة كبيرة بمرحلة ما بعد تظاهرات تشرين 2019، وقدرة القوى السياسية المشتركة في الحكومة اليوم، وفي الانتخابات القادمة، على إدارة الشأن السياسي، والوصول لتفاهمات سياسية حقيقية تستعيد ثقة الشارع العراقي بالعملية السياسية بالمجمل.

فضلا عن ذلك، فإن مشاعر السخط الكبير تجاه الإخفاقات الحكومية على جميع المستويات، وتنامي نسب الفساد بين الكثير أعضاء الأحزاب الكبيرة، فضلا عن ركود القطاع الخاص وعجز الدولة عن المزيد من التوسع في التوظيف في القطاع العام، ضمن الأزمة المالية الحاضرة التي تواجهها الحكومة في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية، وتداعيات العنف الذي رافق تعامل الحكومة والقوى السياسية مع تظاهرات تشرين، كلها تشكل تحديا كبيرا أمام القوى السياسية الممثلة بأحزاب، وتعرقل قدرتها على البقاء فاعلة في العمل السياسي.

ولا يمكن إغفال ضعف البنية التنظيمية للكثير من القوى السياسية، سواء تلك التي نظمت نفسها بأحزاب رسمية وكيفت أنظمتها لقانون الأحزاب العراقي النافذ، أو تلك التي لا تزال تمارس عملها السياسي بوصفها هيئة تنظيمية تتفعل خلال الانتخابات وتمارس تكتلا سياسيا داخل البرلمان دون أن تتحول إلى حزب فعلي.

على سبيل الختام

يمكن أن نصل إلى نتيجة مضمونها أن الحياة الحزبية في العراق، وعلى مر تاريخها لم تصل يوما إلى نضوج مؤسسي، بسبب عدم الاستقرار الذي رافق الدولة العراقية الحديثة منذ نشأتها، وعدم اكتمال نضوج الهوية الوطنية الجامعة، وتأثر المجتمع العراقي بالقيم التقليدية، والصراع مع الأيديولوجيات العالمية التي ولّدت رد فعل إسلامي، قاد لاحقا وفي ظل عمليات القمع التي مارستها الأنظمة الجمهورية في العراق إلى تخندق إثني ترجم إلى أحزاب سياسية وتكتلات انتخابية، عملت بالمجمل على تأزيم المشكلة الوطنية أكثر مما عملت على ردم الهوة التي سببتها سياسات القمع بين الشعب العراقي.

ويبدو أن مستقبل الدولة العراقية سيظل رهناً للتجاذبات بين هذه الاحزاب، وسعيها إلى تقسيم المغانم الحكومية إلى حصص أكثر من سيرها في بناء عملية سياسية وطنية تقود إلى استقرار الدولة، وتماسك النظام السياسي والحياة السياسية.