مخاطر الفايروسات الوبائية - فايروس كورونا المستجد(2019-nCov) أنموذجاً

تاريخ النشر : 2020-02-12

 

لا تقف تداعيات تفشي وباء مهلك عند الضرر المباشر الذي يقع على الانسان، اذ يتعداه الى خسائر فادحة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية،  فتبقى آثاره موجودة حتى بعد زوال الوباء، وسيصبح المجتمع بيئة خصبة لتهجين سلاسل وراثية جديدة من الفايروسات المختلفة وهذا ما يحدث فيما يخص فيروس كورونا، حيث يتكون: من مجموعة من المواد الوراثية موجودة داخل ابواغ بروتينية تشبه التاج لذلك سُميت بــ (كورونا) التاج باللغة اللاتينية، حيث تم تشخيص اول الحالات المصابة بفايروس كورونا على انها متلازمة الجهاز التنفسي الحادة (سارس) التي تم اكتشافها في الصين عام 2003، او قد تكون متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) التي نشأت في المملكة العربية السعودية عام 2012، وحصل هذا التشابه بالتشخيص نتيجة تشابه المادة الوراثية للفايروسات مما يدل على انها النسخة المطورة الحديثة عن هذه الامراض التي ظهرت في السنين السابقة، وسواء كانت تطورت بفعل طفرات وراثية للفايروسات نفسها ام انها هُجنت في مختبرات خاصة، سيكون لها نفس التأثير المدمر للثروات الاقتصادية والاجتماعية والتي يقع ضحيتها المواطنين لاسيما المصنفون تحت خط الفقر وبدون ضمان اجتماعي صحي، تسبب هذه الفايروسات العديد من الاعراض التي تصيب الجهاز التنفسي والهضمي لدى الانسان، يمكن ان تتراوح الامراض من نزلات البرد الشائعة الى التهابات رئوية حادة قاتلة، وتعتمد درجة حدتها على الجهاز المناعي للمصاب، حيث تكون حادة وذات تأثير كبير على كبار السن ولديهم امراض منها (الربو، السكري، امراض القلب والاوعية الدموية) وكذلك الأطفال، والمصابين بأمراض تضعف الجهاز المناعي.

من اين اتى الفايروس؟

سجلت اولى الاصابات بهذا الفيروس الجديد في مجموعة من الأشخاص المصابين بالتهاب رئوي سببه المأكولات البحرية في مدينة ووهان الصينية، حيث تم الاتجار بالكثير من الأسماك والزواحف والخفافيش وغيرها من الحيوانات الحية والميتة، ثم انتشر من المرضى الى افراد اسرهم، حيث تم تسجيل اول تبليغ عن الإصابة بفايروس كورونا من قبل الدكتور (لي وينليانغ) البالغ من العمر 34 عاما يعمل في مستشفى ووهان وقام بالتحذير من انتشار هذه الفايروسات في نهاية ديسمبر 2019 من خلال ارسال رسالة الى زملائه الأطباء بشأن اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة والحذر، الا ان ردة فعل رجال الشرطة كانت سلبية وامروه بالتوقف عن نشر الشائعات والترهيب الذي يخل بالنظام الاجتماعي العام، عاد الطبيب الى عمله لحين اصابته بالعدوى من المستشفى وقبل يوم واحد من تشخيص حالته بانه مصاب بفايروس كورونا نشر قصته من سريره في المستشفى عبر وسائل التواصل الاجتماعي weibo ، وأوضح بأن الإصابة جاءت من سوق هوانان للمأكولات البحرية في ووهان، وبعد مرور فترة وجيزة تم تأكيد خبر وفاة الطبيب (لي)في ظروف غامضة وتقارير متضاربة حول سبب الوفاة مما اثار التساؤلات والبحث عن الأسباب الحقيقة، الامر الذي أدى الى سخط اجتماعي تجاه ردة فعل وسائل الاعلام الحكومية التي فضلت التكتم واسكات الأطباء واتهامهم بنشر الاشاعات بدلاً من التعامل مع الامر بجدية والبحث في الاجراءات الوقائية والسلامة وأولها الحجر الصحي لكل حالة يتم الشك فيها خصوصاً ان مدة حضانة الفايروس 14 يوم لحين ظهور الاعراض عليه، وسرعان ما تداركت الحكومة الصينية انتشار العدوى وقامت بوضع الإجراءات اللازمة للكشف المبكر عن الفايروس.

ماهية إمكانية انتقال الفايروس من شخص لآخر؟؟

تنتشر فايروسات كورونا بين الحيوانات ويمكنها في بعض الأحيان ان تقفز من الحيوانات الى البشر عبر عملية تعرف باسم (الانتشار غير المباشر) والتي يمكن ان تُحدث طفرة وراثية لشريط الـDNA الخاص بالفايروس تجعله قادر على العيش في جسم الانسان عند الاتصال المباشر الدائم بين الحيوانات والبشر.

لقد حدث انتقال الفايروس من شخص لآخر بشكل رئيسي في مدينة ووهان الصينية (مركز التفشي)، ولم يتم بعد تحديد الطريقة الدقيقة لانتقال المرض ولكن بشكل عام تنتشر امراض الجهاز التنفسي عن طريق قطرات السوائل عند السعال او عطس الشخص المصاب، او عن طريق لمس سطح مصاب بالفايروس، ووفقاً للعلماء الصينين فأن الأشخاص الذين يصابون بالفايروس مُعدون حتى قبل ظهور الاعراض لديهم، أي خلال فترة حضانة الفايروس والتي تبدأ من الإصابة حتى ظهور الاعراض بين يوم واحد و14 يوماً.

وبحسب البيان الذي صدر عن لجنة الطوارئ المعنية باللوائح الصحية الدولية (2005) بشأن فايروس كورونا المنعقدة في 30 كانون الثاني/ يناير 2020، حيث سُجلت 7711 حالة مؤكدة و12167 حالة مشتبه فيها في جميع انحاء البلاد، وتشمل الحالات المؤكدة 1370 حالة خطيرة و170 حالة وفاة، وغادر 124 شخصاً المستشفى بعد تعافيهم.

وقدمت الأمانة العامة لمنظمة الصحية العالمية لمحة عن الوضع في بلدان أخرى، حيث سُجلت 83 حالة في 18 بلداً حتى الان، ومن بين هذه الحالات لم يسافر الى الصين الا 7 منها، وبناءً على هذا التقرير قدمت المنظمة مشورة لمواصلة إجراءات الوقاية والمحاذير:

  • تنظيم استراتيجية شاملة بشأن الإبلاغ عن المخاطر بهدف اطلاع السكان بانتظام على تطور الوضع، وتدابير الوقاية والحماية التي تستهدف السكان، وتدابير الاستجابة المتخذة لاحتوائها.
  • تعزيز تدابير الصحة العمومية على الصمود وحماية القوى العاملة الصحية.
  • تعزيز ترصد الحالات والكشف عنها بشكل نشط في جميع انحاء البلاد.
  • تبادل البيانات ذات الصلة بشأن الحالات البشرية.
  • الاستمرار في تحديد المصدر الحيواني المسبب في تفشي الفايروس.
  • اجراء الفحص عند المغادرة في المطارات والموانئ الدولية بهدف الكشف المبكر عن المسافرين الذين تظهر عليهم اعراض المرض، من اجل اجراء تقييم عميق لحالتهم وتوفير المزيد من العلاج لهم، مع الحد من التأثير على حركة المرور الدولي.

 

 

 

 

وأوضحت منظمة الصحة العالمية الى جميع البلدان بأن من المتوقع ان يتواصل تصدير حالات الإصابة بهذا الفايروس الى بلدان أخرى وبناءً على ذلك يجب ان تكون جميع البلدان على اتم الاستعداد لاحتوائها، عن طريق الترصد النشط للحالات والكشف المبكر عنها ومعالجتها وتتبع المخالطين وتبادل جميع البيانات مع المنظمة.

طرق الوقاية

لا يوجد لقاح متوفر حاليا للعلاج، تبعاً لذلك يجب اتخاذ تدابير الوقاية والحذر كما يلي:

  • تجنب الاتصال المباشر مع الأشخاص الذين يعانون من التهابات الجهاز التنفسي الحادة.
  • التعقيم والغسل المتكرر لليدين وعدم لمس الاسطح الملوثة.
  • تجنب الاتصال المباشر مع حيوانات المزرعة الحية والميتة.
  • يجب على من يعاني من اعراض التهاب الجهاز التنفسي الحاد الحفاظ على مسافة بينهم وبين بقية الأشخاص وتغطية الانف والفم.
  • استخدام الكمامة للوقاية في الأماكن المزدحمة.
  • نشر التوعية والثقافة بخصوص هذا الفايروس وطرق انتشاره لكافة الناس.

يتضح مما تقدم أهمية الإجراءات الوقائية المتخذة ضد هذا الفايروس باعتباره سلسلة جينية متطورة تنتقل من الحيوان الى البشر، فيجب التعامل بجدية واضحة مع الوضع الحالي، فأن أي اهمال او التغاضي عن الفايروس والتكتم على تطوره بهدف الحد من الاشاعات وكبح الترهيب المجتمعي عن حالة واحدة كفيلة بانتشار هذا الفايروس بصورة سريعة وواسعة يصعب التحكم بها وتلافيها، وأول الإجراءات الواجب اتخاذها هو العزل الصحي في مناطق الحجر الخاصة والبعيدة عن السكان، وتوفير الأدوات والأجهزة الطبية الخاصة بالكشف عن هذا الفايروس وكيفية التعامل مع الحالات المصابة وأيضا توفير اليات معينة لحماية الكوادر الطبية التي تتعامل مع الحالات المعزولة صحياً.

 

 

                                                                             وفاء فوزي حمزة 

قسم الدراسات الاجتماعية