السلوك في المجتمعات البشرية والصحة العقلية والادراك

تاريخ النشر : 2020-01-13

يتأثر السلوك البشري بالوراثة الجينية والتجربة، وتتشكل الطرق التي يتطور بها سلوك الناس من خلال التجربة والظروف الاجتماعية في سياق امكانياتهم الوراثية المكتسبة جينياً.

بالتأسيس على هذا، يطرح تساؤل مضمونه: كيف تتفاعل الخبرة والامكانيات الوراثية في انتاج السلوك البشري؟

تتلخص الإجابة بالقول أن كل شخص يولد في بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة باختلاف الاسرة والمجتمع والطبقة الاجتماعية واللغة والدين والعرق والجنس، ويظهر تأثير خصائص البيئة الاجتماعية على الفرد من خلال الطريقة التي يتصرف بها، وردود الافعال والاستجابات التي رسختها وكونتها الثقافة والبيئة والتعليم والوعي الاجتماعي الذي تلقاه في مرحلة مبكرة من حياته، ويبدأ هذا التأثير من الاسرة، الابوين بالاخص ثم الروابط المجتمعية والمدرسة فالاصدقاء ثم المنطقة التي ينشأ فيها، وفي الوقت الحاضر تأخذ وسائل التواصل الاجتماعي الدور الكبير في التأثير على اهتمامات وتوجهات الافراد.

وليس من السهل التنبؤ بالطريقة التي يستجيب بها الافراد، مع ذلك فهناك بعض التشابه في كيفية استجابة بعض الافراد لنمط التأثيرات نفسها، اي في نفس الثقافة.

يلاحظ أن انماط السلوك الناتجة عن ثقافة واحدة مثل انماط الكلام، ولغة الجسد، والعقيدة، والتقاليد، والالتزامات الاخلاقية، والدينية، المجتمعية تصبح متأصلة وراسخة بعمق في العقل البشري، لدرجة انها تعمل دون ادراك الفرد نفسه، وهذا يفسر تشابه الاستجابة لنمط تأثيرات ثقافية معينة والسبب يعود في ذلك الى وجود انظمة هيكلية شبكية عصبية في الدماغ تكون مسؤولة عن انماط السلوك البشري والاستجابة، وايضا قدرة الفرد على التنبأ بردود افعال الطرف المقابل، كل ذلك يتم بنظام شبكي دقيق، وتختلف هذه الهيكليات من فرد لآخر في تركيبة وهيكيلة الشبكات العصبية، قد تتمثل بقلة او زيادة الاخاديد في القشرة الرمادية عند مقدمة الرأس، واوضحت هذه الاختلافات الهيكلية المرتبطة بالاضطراب النفسي لدى البعض وبمرضى الاكتئاب لدى البعض الاخر عن طريق عمل تصوير مقطعي للدماغ بأن هذه التشوهات في القشرة الرمادية والمسببة في تغييرات سمك هذه القشرة مرتبطة ارتباطاً وثيقا بالبيئة الاجتماعية والحالة الاقتصادية، فالفرد الذي يعاني من ظروف قاسية وضغوطات اجتماعية وعلى عتبة الفقر تكون القشرة الرمادية رفيعة وتحتوي على تشوهات بمناطق الاخاديد يؤدي الى قصور في اداء عملها مسببة اضطرابات نفسية ونوبات عصبية لدى الفرد، وعلى العكس ستكون القشرة سميكة وصحيحة التكوين وفعالة لدى الافراد الطبيعين الناشئين في بيئات اجتماعية وثقافية وصحية جيدة.

وتكون قوة تأثير الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الدماغ في مراحل العمر الاولى في الطفولة الى البلوغ، حيث تبدأ بالتكون بحسب ما يتلقى الفرد من تعليم ورعاية وقبول اجتماعي وبيئة صحية كاملة لتنشئة فرد صحيح، فقد ذكرت اخصائية االاعصاب البرازيلية (سوزانا هيركولانو)"اذا كان لديك قشرة دماغية، فأنت لم تعد عبداً لما يحدث من حولك، إذ تتمتع بمرونة عقلية تمكنك من اختيار فعل اشياء اخرى".

وكذلك اوضحت الدراسات بأن هذه الهيكليات الشبكية التي تكون القشرة الرمادية تتأثر بالوراثة والجينات "حيث يرث الفرد مجموعة كاملة من الجينات من كلا الوالدين، كذلك الحال بوراثة التجارب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية من اسرته" وبهذا اكدت اهمية تاريخ العائلة باعتباره مؤشر مبكر لمخاطر أمراض الفرد النفسية والعصبية والتي تنعكس بدورها على المجتمع لأن افراد الاسرة يمثلون عن كثب التفاعلات الجينية والبيئية الفريدة التي يختبرها الفرد[1].

نستنتج مما تقدم ان الروابط بين الاوضاع الاجتماعية وهياكل نشاطات الدماغ، وخاصة في سياق الضغوط الاجتماعية، قد تساعد في تفسير سبب تأثير المكانة الاجتماعية للفرد في التسلسلات الهرمية الاجتماعية بشكل كبير على الفرد ثم المجتمع، وكذلك على الصحة العقلية والبدنية، وهذا ما يفسر ما تتعرض له المجتمعات المأزومة والمتفككة نتيجة وجود شريحة تعرف بالعلّة الاجتماعية، وهي تعني الخروج عما هو مألوف في الوضع السوي والسائد في التنظيم الاجتماعي، حيث شُبه المجتمع بالعضو الجسمي من  حيث تطوره وعلاقته بوظائف اجزاء الجسم  الاخرى، ويتميز المجتمع السوي عن المنحرف بسمات تتمثل في الحالة الطبيعية من الصحة والظروف المعتادة للمجتمع وأفراده، وأي انحراف عن هذه الحالة يعتبر علة مرضية، وتكون هذه الشريحة منحرفة عن المعايير والقواعد التي يحددها المجتمع، وتندرج في خانة السلوكيات المنبوذة والغير مرغوب بها مجتمعيا، وغالبا ما يكون سببها الضغوطات والاقصاء المجتمعي والفقر وضعف التعليم والثقافة والتفكك الاجتماعي، وغالبا ما تحدث هذه الظواهر عندما يتعرض المجتمع لتغيير اجتماعي سريع وحاد تظهر فيه الفوارق الطبقية وتتغير فيه القيم والمبادئ، وتنشر الفوضى ونتيجة لهكذا ظروف ستتفشى الجريمة وتتضعضع الروابط الاجتماعية والعلاقات.

نستنتج مما تقدم بأن الفرد الذي يعاني من تشوهات في هيكيليات انظمة الدماغ قد يشكل مؤشرا خطيراً على وجود شرخ في المجتمع، وسيكون فرصة قابلة للاستثمار بالنسبة للافراد والجماعات التي تتربص بالأمن وتهدف الى تخريب النظم السياسية والاجتماعية القائمة بنية تهديد الامن والسلامة المجتمعية بحيث ستكون لدية الدوافع والمبررات والاستعداد النفسي لسلوك انماط متعددة غير مرغوبة بها مجتمعياً

ويؤكد هذا العلاقة المتبادلة بين الصحة العقلية وادراك الفرد وبين وضعه الاقتصادي والاجتماعي، وهذه العلاقة لها تأثير مباشر على المجتمعات، وتقف عندها السلامة المجتمعية من العلل والازمات، فكلما كان الفرد صحيحا ويتلقى التعليم والثقافة لتنمية القدرات العقلية السليمة، اصبح عضو يؤثر بشكل ايجابي في بناء المجتمع وخلوه من الآفات والعلل المجتمعية، فالأمر يبدأ من صحة الفرد وتعليمه وينتهي بصحة المجتمع بأكمله...

 

 

وفاء فوزي

قسم الدراسات الاجتماعية

   

 


[1].kardia et al, 2003