عسكرة المجتمع العراقي قبل وبعد 2003

تاريخ النشر : 2020-01-08

 

اعداد القسم الاجتماعي

اسماء خيرالله كريم

 

الملاحظ على المجتمع العراقي ان لديه قابلية للتحول السريع من النزعة المدنية إلى النزعة العسكرية، ومن اللطف الى العنف،  ولعل التعليل المنطقي لظاهرة التحول هذه، هو طول الفترة التي سادت فيها ثقافة العسكرة في المجتمع العراقي، حيث استفحلت هذه الظاهرة منذ عام 1959 بما يعرف بالمقاومة الشعبية ومرورا بالحرس القومي سنة 1963 وجهاز لجنة الطورارئ 1966 والجيش الشعبي سنة 1970 وتشكيلات النخوة 1998 وجيش القدس وفدائي صدام وأفواج الماجدة العراقية سنة 2000 . وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 ظهرت مجاميع مسلحة وفصائل المقاومة في عام 2004. ثم أن أنتشار السلاح بصور كبيرة نتيجة استيلاء الشعب على أسلحة الجيش والشرطة التي تم تركها بعد سقوط النظام السابق،الى ان باتت العسكرة ظاهرة ملفت للنظر وخاصة في 2006. ولابد من عدم تجاهل الفترة  من ( 1936-1968 ) حيث عاش العراق فترة من الانقلاب تولى فيها العسكريون قيادة الدولة من خلال التدخل العسكري في السياسة فكان أنقلاب بكر صدقي سنة 1936 اول أنقلاب عسكري في المنطقة العربية والعراق وكان بداية للتدخل العسكري في السياسة . ويعود صعود المجتمع العسكري العربي الى تسيس الجيش ونجاحه في ضبط الحياة السياسية في بعض البلدان بعدما فشل الحكام المدنيون من حل المشكلات المستعصية عليهم. حيث بدأت المؤسسة العسكرية بعد المنتصف الثاني من القرن العشرين تلعب دورا طليعيا بسبب تدني مستوى النظم الاجتماعية والسياسية السائدة في العالم العربي كالأحزاب والتكتلات والتيارات وليس بسبب كفاءتها. حيث شهدت بلدان مثل سوريا ومصر و السودان و العراق عدة انقلابات عسكرية اوصلت العسكرين الى ترأس بلادانهم وحكمها. كما ان الاحزاب اليسارية الشيوعية منها والقومية و كل الاحزاب والنظريات التي تؤمن بالشرعية الثورية أي باستلام السلطة عن طريق القوة وبعيدا عن خيارات الشعب الحره الديمقراطية للتداول السلمي للسلطة السياسية والاخيرة هي التي روجت لثقافات عسكرة المجتمع حتى بعد استلام السلطة السياسية لغرض الاستعداد الدائم للدفاع عن الثورة.

ولو قسمنا العسكرة من حيث الجهة المؤدية  لها نجد انها اما  عسكرة داخلية او عسكرة خارجية ومن خلال التركيز على العسكرة الداخلية اما ان تكون من الاعلى او من الاسفل،  فهل هي( الدولة) ام (جماعات و افراد). بالتالي اما ان تكون عسكرة من الاعلى (الدولة )او من الاسفل (مجتمع)

-فالعسكرة الداخلية تقوم بها مجموعة أو طبقة العسكريين من داخل المجتمع كما هو الحال في كثير من دول العالم الثالث، وينقسم أسلوب عسكرة المجتمع من الداخل الى اولا عسكرة من الأعلى ويكون ذلك من خلال حدوث أنقلاب عسكري في المجتمع وبالتالي ادلجت المجتمع باتجاه العسكرة فكريا وسلوكيا وذلك من خلال:  تعيين رئيس عسكري للدولة وتولى الجنرالات قيادة المجتمع. فهذه العسكرة هي عسكرة قسرية-قصدية تفرض على عموم المجتمع بفعل سيطرة حاكم او سلطة مستبدة ذات نوازع حربية تمتاز بنمط من الشخصية السادية العدوانية تجاه شعوبها وما يجاورها، حيث يقوم هؤلاء الحكام على تغليب لغة السلاح على صعيد فكر وقيم وسلوك شعوبهم في حياتهم المدنية ."بالتالي الدولة تضطر إلى العسكرة في حالتين: الأولى عندما تتعرض لخطر خارجي يهدّد كيانها، والحالة الثانية عندما تتعرض الطبقةالحاكمة إلى تهديد داخلي قد يطيح بسيطرتها وامتيازاتها فتعمل على عسكرة المجتمع لتحمي نفسها.

    ثانيا عسكرة من الأسفل وهو قيام طائفة أو جماعة أو حزب سياسي بنشاطات عسكرية مثل التدريب العسكري أو الدخول في حرب مباشرة مع الحكومة أو جهة محددة، مثال ذلك العسكرة التي تقوم بها الجماعات المسلحة مثل تنظيم القاعدة، جماعة بوكورحرام، حركات التمرد ... الخ

وقد تأتي العسكرة كردود افعال مناطقية او محلية في مواجهة قوى او جماعات مسلحة خارجة عن القانون-اما النوع الثاني من العسكرة هي العسكرة الخارجية: وتكون من خلال قيام دولة خارجية بالتدخل العسكري في دولة ما، ومن ثم تظهر عسكرة المجتمع على شكل حركات مقاومة، وحرب عسكرية كما حدث في التدخل الأمريكي في الصومال عام 1991، او الغزو الامريكي للعراق عام 2003 ، أو التدخل العربي في اليمن.

مبررات عسكرة المجتمع من الخارج: يوجد سببين لتدخل في شؤون الدول عسكرياً والتي تقود مباشرةً لظاهرة عسكرة المجتمع، اول الحماية الأمن القومي وذلك عندما تصبح الدولةمهددة لأمن الدول الأخرى،فتضطر الدول إلى استخدام التدخل العسكري مباشرةضد هذه الدولة المجاورة،كالتدخل الكيني في الصومال لمواجهة تنظيم المحاكم الإسلامية وثانيا للحفاظ على السلم والأمن الدولي والذي تتولى مهمته هيئة الأمم المتحدة، حيث نص ميثاق المنظمة على التدخل العسكري في أي دولة أو منطقة تهدد الأمن الدولي

فهل عسكرة المجتمع العراقي هي عسكرة داخلية .... ام خارجية

ان عسكرة المجتمع العراقي قبل 2003 كانت عسكرة داخلية ومن الاعلى أي تسببت بها قوة داخلية فرضت العسكرة على المجتمع، فالذين قاموا  بها ضباط وقادة الجيش للوصول للحكم والسلطة إثر أنقلابات عسكريةالواحدة تلو الأخرى وصولا الى حكم المخلوع صدام حسين والذي عمل على عسكرة الدولة كما المجتمع .  وبعد 2003فإن عسكرة المجتمع العراقي بدأت بظاهرة أنتشار السلاح، والتي رافقت الهجوم الأمريكي على العراق، حيث عمل النظام السابق على تسليح المقاتلين والمدنيين العراقيين والعرب باسم الجهاد. وفي عام 2006 أنتشر السلاح بصورةكبيرة، بحيث أصبح ظاهرة ملموسة ويبدو ذلك واضحاً من خلال أنتشار السلاح بشكل كثيف،وبأنواع مختلفة الخفيف منه والمتوسط في النزاعات البينيّة، وفي المناسبات الاجتماعية

وبدخول عصابات داعش الارهابية   للعراق عملت على عسكرة المجتمع رجالا واطفالا تحت مسمى انشاء دولة اسلامية في بلاد الشام والعراق فكانت العسكرة عسكرة خارجية تابعة لتنظيم القاعدة الدخيل والذي سعى لعسكرة المجتمع في الموصل والانبار. كما أن سيطرة عصابات داعش على الموصل في عام  2014وتشكيله خطرا على سلامة وامن البلاد، دعت المرجعية الدينية في العراق الى الجهاد الكفائي، والذي أندفع على إثره اتباع المرجعية الدينية الى الانخراط فيما يسمى بالحشد الشعبي فكانت العسكرة هنا نتيجة طبيعية لمواجهة خطر التنظيم على الأراضي العراقية، وهذه عسكرة هي عسكرة داخلية من الأسفل، أي حرضت لها ودعت اليها المؤسسة والاحزاب الدينية في المجتمع لتصدي لخطر داعش .

 

كيف تستمر عسكرة المجتمع؟

عسكرة المجتمع عملية غير متساوية وتكرس إعادة الطبقة لنفسها ، وأن الطبقة الدنيا الأكثر خضوعا للعسكرة من أبناء الطبقة الوسطى والعليا وذلك لاسباب اقتصادية. ولان  التنشئة الاجتماعية لا تزال الآلية الرئيسية التي تحافظ على النظام الاجتماعي العشائري القائم الذي يشجيع روح  المقاتل في ابنائه باعتباره "سبعا". أن عسكرة التنشئة بفعل ثقافة العنف والسلاح تساعد على إعادة أنتاج عسكرة المجتمع

فالثقافة العشائرية بما تحمله من قيم وعادات لعبت دورا في تشجيع عسكرة المجتمع العراقي،من خلال تشجيع التفاخر بالغالب، ومن هنا أصبح اشتراك الفتية والشبان في الحروب العشائرية أمراً طبيعياً، يعكس رجولتهم المبكرة. حيث تستخدم الأسلحة بوصفها مظهرا من مظاهر العزة والرجولة. وتبدي استعدادا ورغبة للصراع مع الاخر لأدنى الأسباب. ولقد لعب النظام السابق على تشجيع القيم العشائرية واحيائها من اجل دعم سياسته في حماية الدولة ودفع الناس للأيمان بالحروب التي يشنها، وذلك من خلال غرس قيم الحرب في عقولهم وثقافتهم واستنهاض غيرتهم وحميتهم العشائرية والقبلية. "حيث اتخذت العشائرية أهمية كبرى عقب أندلاع الحرب الإيرانية العراقية لان صدام حسين كان قد استغل القيم  العشائرية التي تدور حول معركة القادسية لتعبئة الجماهير". فالعسكرة غير المباشرة للمجتمع تكون ذات مرجعية ثقافية، كالمشاركة في الحروب والصراعات العشائرية أو الصراعات التي كانت تقوم بين محلة وأخرى أو بين طائفة وأخرى. أن هذا النمط يرتبط كلياً بالتنشئة الاجتماعية التي تبدأ بالأسرة، والمجتمع المحلي.

من خلال الدراسة نتوصل الى مجموعة من التوصيات والمقترحات للتخفيف من حدة العسكرة وانعكاسها على المجتمع  ومنها:

  1. العمل على إخلاء المدن والأحياء السكنية من المقرات العسكرية .
  2. اتخاذ إجراءات صارمة وعقوبات من قبل وزارة الداخلية لمن يقوم بالتجاوزعلى المدنيين من خلال استغلال الزي العسكري، واستخدام عجلات المؤسسات العسكرية او التهديد بالفصائل العسكرية.
  3. العمل على إزالة الصور والجداريات واللفتات التي توجه الناس تعبويا مثل" الشعب كله جيش" خاصة التي تكون بأشراف امانة بغداد، بالمقابل استبدالها بالصورالتي تأكيد على طابع الحياة المدنية
  4.  إزالة كل اللوحات واللفتات التابعة لمختلف الفصائل والكتائب وازالة صور الشهداء وتحديد نصب الشهيد موقع للاحتفاء بالشهداء
  5. اقتصار وجود الفصائل والكتائب العسكرية في سوح القتال او في حزام بغداد للتقليل من احتكاك بالمدنيين وانهاء مظاهر العسكرة.
  6. أن للتنشئة الاجتماعيةتأثير كبير في التأكيد على ثقافة العنف، فلابد من زيادة الوعي والتثقيف الأهالي بالوجه الصحيح للتربية، وحثهم على أبعاد الأطفال قدر الامكان عن الالعاب او البرامج التي لها صلة بالسلاح او القتل او مشاهد العنف حتى لا يستسيغوا ذلك عندما يكبرون.
  7.  تفعيل دور الشرطة المجتمعية وهي منوطة بوزارة الداخلية،في حالات العنف الاسري، لوقاية الأطفال من حياة بائسة مليئة بالعنف باعتبار ان العلاقة المتوترة بين الوالدين تدفع إلى سلوك عنيف عند الأبناء وتبني ثقافة العنف لاحقا.
  8. تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والتأكيد على دورها في تخفيف من حدة العنف واشكال التسلح، باعتبار ان المجتمع المدني الوجه المضاد لعسكرة المجتمع.
  9. الحد من الانتشار الفوضوي للسلاح من قبل وزارة الدفاع والداخلية، وحث الناس على تسليم الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والغير مرخصة للدولة ، وملاحقة الاتجاربالسلاح ومعاقبة المخالفين.
  10. إبعاد الأطفال والفتية عن ثقافة التحشيد العسكريّ و إعادة المتسربين الى المدارس وتفعيل قانون الزامية التعليم الى مرحلة التعليم الاعدادي.
  11. تعزيز دور المؤسسات الاجتماعية والدينية للتقليل في انتشار ظاهرة العنف وعدم الربط ما بين الفصائل المسلحة و تيارات دينية مما يشكل ذريعة في عسكرة المجتمع.