دور الإعلام الدولي في بناء السلام

تاريخ النشر : 2019-10-08

 

د.محمد جبار الكريزي

باحث اكاديمي

[email protected]

تمهيد:

     لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبني حصون السلام، هذه العبارة الواردة في ديباجة الميثاق التأسيسي لمنظمة اليونسكو، إذ يشير مفهوم بناء السلام                      (Peace building) ضمن منظومة الأمم المتحدة إلى الجهود الرامية من خلال مساعدة البلدان والمناطق في الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام، والحد من مخاطر إنزلاق أي بلد  إلى الصراع من خلال تعزيز القدرات الوطنية لإدارة الصراع، وإرساء أسس السلام والتنمية المستدامة. ويعد بناء السلام الدائم في المجتمعات التي مزقتها الحروب من بين التحديات الاكثر صعوبة التي تواجه السلم والأمن العالميين. ويتطلب بناء السلام استمرار الدعم الدولي للجهود الوطنية من خلال مجموعة واسعة من الأنشطة، ومنها المساعدة في عودة المهجرين؛ ودعم إصلاح قطاع العدالة والأمن؛ وتعزيز حماية حقوق الإنسان، ودعم المؤسسات الإعلامية لإرسال رسائل الاطمئنان من خلالها. ويتضمن بناء السلام بذل الجهود من قبل مجموعة واسعة من مؤسسات منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك البنك الدولي واللجان الاقتصادية الإقليمية والمنظمات غير الحكومية وجماعات المواطنين المحليين.

     ويساهم الإعلام الدولي مساهمة فاعلة في التمهيد لبناء السلام عبر تهيئة المناخات المفاهيمية والنفسية لتغليب منطق السلام على منطق الحرب، ويعرف د. محمد سيد أحمد الإعلام الدولي بأنه:" الإعلام الذي يسهم به مجتمع أو جماعة أو هيئة أو مؤسسة في الساحة الإعلامية بحيث يستجيب لتلقيه رجل الشارع العالمي أي المستمع أو المشاهد أو القارئ بصفة عامة في العالم.

     وللإعلام الصادر من المنظمات الدولية دور في تحقيق أهداف تلك المنظمات المعنية بالسلم والتعاون الدولي من خلال نشر رسالتها الإعلامية على نطاق عالمي، لتقريب وجهات النظر والتمهيد في نطاق واسع لقبول العمل المشترك والتعاون بدل الصراع والاعتياش على الازمات.

      ونتساؤل هنا: "هل يمكن أن يساهم الإعلام الدولي في بناء السلام وتحقيق الاستقرار في مناطق الحروب والنزاعات والصراعات؟" إجابة هذا السؤال استغرقت نقاشات متواصلة بين الأكاديميين والصحفيين والباحثين والعاملين من أجل السلام منذ ما يزيد عن نصف قرن؛ حين كتب (جون كلتون) بحثه عام 1965 : وناقش فيه دور الإعلام في إرساء السلام في مناطق الحروب وحلل فيه عدد من التغطيات الصحفية لقضايا الحروب والصراع في كل من الكونغو، وكوبا، وقبرص، وجميعها عانت من حروب ونزاعات طويلة.

    

     وكان للإعلام السلبي من جهة التحريض على الحروب والعنف والكراهية دور بارز ومؤثر في هذه المناطق، بل امتد الى حرب البلقان منتصف تسعينيات القرن المنصرم، خاصة بين مكونات جمهورية يوغسلافيا السابقة التي شهدت اقتتالا داخليا عنيفا تعرض فيه المسلمون البوشناق إلى مجازر إبادة، أدت إلى تدخل غربي لإنهاء الاقتتال وتأسس عدد من الدول بعد انهيار جمهورية يوغسلافيا الاتحادية. وصولاً إلى الحروب التي شهدتها المنطقة العربية، والعراق خصوصاً اذ كان للاعلام الخارجي الموجه دوراً سلبياً في تأجيج الحروب واذكاء النزاعات الطائفية داخل مكونات الشعب العراقي ومحاولة عزل العراق عن محيطه العربي والاسلامي، ولكن القنوات الدلبوماسية والجهود الإعلامية الوطنية عملت على توحيد الخطاب الإعلامي الداخلي لمواجهة الإعلام الوافد بالتعاون مع الجهود الدولية من أجل بناء السلام وتحقيق الاستقرار في مناطق الحروب، والنزاعات، والصراعات.

 ( Peace building دور الإعلام في بناء السلام (

     الإعلام سلاح ذو حدين، فهو يصنع السلام، وقد يصنع الحرب والدمار، الفارق فقط في آلية الاستخدام، فالإعلام إن تم استخدامه لنشر التسامح والتعايش والمساواه بين جميع افراد ومكونات المجتمع فيكون حينئذ جسراً للتواصل وبناء السلام، وان تم استخدامه لنشر الكراهية والتمييز والاقصاء للآخر فيكون الإعلام سلاحاً لاشعال الحرب والدمار.

     وعلى الرغم من أهمية الدور الوطني إعلاماً ومؤسسات دولة لبناء السلام، الا إن  ذلك لايكون كافياً بل يستلزم أن يكون هناك جهود ايجابية من قبل المنظومة الدولية المتمثله في الامم المتحدة والمنظمات الاخرى لحث الاطراف المتنازعة بحكم الضرورة العلمية والأهداف الاساسية لهذه المنظمات على تحقيق السلام عبر تقديم الدعم الفني والعلمي، والمنظومات الدولية انشأت ومبرر وجودها المتمثل بإيقاف الحرب والدمار وتحقيق السلام المستدام حسبما اوضحه ميثاق الامم المتحدة، حيث نجحت بخطوات كبيرة في تحقيق السلام في بعض مناطق العالم.

     إن قيام الامم المتحدة بإعادة تفعيل دور الإعلام في بناء السلام مازال قاصراً بما يستلزم التفعيل ويحقق من دعم فني ونقل للخبرات الايجابية في بناء السلام إلى المجتمعات المحلية عن طريق الإعلام، لأنه لن يتحقق سلام مستدام مالم يكن هناك قبول مجتمعي به، كون السلام الحقيقي يجب ان يكون نابعاً عن قناعات مجتمعية واسعه ليستدام ويستمر، اذ يستحيل تحقيق السلام اذا اقتنعت قيادة الاطراف فقط، بدون قناعة واسعة وبقاعدة مجتمعية، فالمجتمع ليس آلة يتم تحديد خياراتها وتغييرها بضغطة زر، بل هي مشاعر انسانية يستلزم التمهيد لها لتغيير قناعتها نحو السلام وهذا مايقوم به الإعلام ان تم استخدامه استخداماً ايجابياً وبخطوات ومراحل مدروسه، وبما يؤدي إلى  تفعيل دور الإعلام في بناء السلام.

 

 

خطوات بناء السلام:

     هناك خطوات تفيد في بناء السلام، عملت عليها الكثير من المنظمات الدولية والمحلية، والباحثين والناشطين، كون بناء السلام مسؤولية وطنية بالاساس على جميع الأطراف الشروع في تنفيذها، ونستخلص من هذه التجارب الخطوات الاتية:

  1. حجز مساحات إعلامية في جميع وسائل إعلام الاطراف المختلفة تدعو للسلام والتعايش والتسامح  مع الاخر.
  2. التوسيع التدريجي للمساحات الاعلامية التي تدعو للسلام.
  3. نشر واظهار نقاط الالتقاء بين جميع الاطراف المتفق عليها، وفي مقدمتها حب الوطن والمصلحة العامة.
  4. تقليص مساحات نشر القضايا الخلافية بين الاطراف بشكل تدريجي.
  5. نشر وتوضيح اضرار الحرب وايجابيات السلام.
  6. يمكن للإعلام رغم كل الصعوبات التي تحيط بعمله في بيئات النزاع والحروب من أن يلعب دوراً أساسياً في دعم الاستقرار وتحقيق السلام عن طريق منح الفئات المهمشة نوافذ للتعبير وإشراكها في الحوارات وإسماع صوتها للجميع.
  7. تزويد الناس بالمعلومات والحقائق المدققة المقدمة في سياقات موضوعية تمكنهم من فهم أعمق للأحداث وخلفياتها ودوافعها، وتساعدهم في اتخاذ قرارت دقيقة بشأن كل ما يحدث من حولهم وليس على أساس ردات الأفعال المبنية على الإشاعات والدعاية.
  8. يمكن للإعلام أن يساهم في تحسين أداء الحكومات والمسؤولين في الوظائف العامة من خلال المراقبة والمحاسبة المسؤولة وكشف الفساد.
  9. الإعلام يصبح داعماً للسلام عندما يظهر كل الأصوات وكل الآراء وكل السرديات والحذر من الانغلاق على فئات دون غيرها والتحرر من تأثير السياسيين والأعيان وأصحاب المال.
  10. أن يتم تطوير نموذج إعلامي يتماشى مع مسؤولية الصحافة والإعلام في بناء السلام، ومنع حدوث الصراعات، بما لا يتعارض مع مبادئ نقل الحقائق وتمحيصها والولاء للناس العاديين، أي تقديم الحقائق لهم في سياقها الموضوعي بهدف تحديد حجم تلك الحقائق دون تهويل أو تهوين.
  11. دعم بناء الهويات المشتركة بين الأطراف المتصارعة والمجموعات الاجتماعية المتنافرة.