داعش نهاية حلم الخلافة وملامح الجيل الجديد

تاريخ النشر : 2019-05-08

 

      مثل تنظيم داعش بما ظهر به يوم العاشر من حزيران عام 2014،  بمشاهد سيطرته على مدينة الموصل، واعتلاء أبو بكر البغدادي منبر جامع النوري وتنصيب نفسه (خليفة) مزعوم، حقيقة مثلت ذروة سنام ما وصلت اليه الجماعات المتطرفة في سلم الأفكار والعمليات، بهيئة جيلا جديدا حقق الهدف النهائي لما طمح اليه كبار منظري الفكر المتطرف مطلع  القرن العشرين.

       فمنذ انتهاء الخلافة العثمانية سنة 1924، وبداية ظهور لما بات يعرف بـ (الجماعات الإسلامية)، اذ تأسست جماعة الاخوان المسلمين كرد فعل لانهيار (دولة الخلافة) جاعلة هدفها هو إقامة الدولة الإسلامية ثم الخلافة الإسلامية([1] حيث أفكار محمد رشيد رضا، في سبل إقامة الخلافة في القرن العشرين واقتراحه ان تكون الموصل عاصمة لها([2])، مرورا بأفكار سيد قطب وتصوراته المتعلقة بـ (جاهلية المجتمع، والحاكمية والاستعلاء، والمفاصلة او العزلة، ودار الإسلام او دار السلام، ودار الحرب)، الى تنظيم القاعدة وأفكار الجيل الأول (جيل الجهاد)، في قاعدة (العدو البعيد والعدو القريب)، والاختلاف فيما بين اسامة بن لادن وعبد الله عزام، اذ ان الأخير يرى بان (الجهاد) يبدأ بالعدو القريب، وتطبيقه ضد (الأنظمة الحاكمة في الدول الاسلامية)، في حين ان أسامة  بن لادن يذهب الى ان (الجهاد) يبدأ تطبيقه ضد (العدو البعيد) اي العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، اما ايمن الظواهري فيذهب الى الجمع بين الرأيين (الجهاد ضد العدو البعيد والعدو القريب)، الا ان الجيل الثالث طرح أفكار جديدة، اذ ذهب أنور العولقي (ملهم تنظيم القاعدة) او (اسامة بن لادن الاليكتروني) مثلما يطلق عليه، الى تأييد الانخراط في الاحتجاجات الشعبية فيما عرف بـ (الربيع العربي) ودعوات المطالبة بالحكومات الديمقراطية، فأن الأخيرة حتى وإن لم تؤدِّ مثلما يعتقد (العولقي) الى (الحكم الإسلامي)، الا انها تؤدي الى (فتح باب الحريات الفكرية والدعوية لنشر أفكار تنظيم القاعدة وخصوصا في مرحلة التحول الديمقراطي).

       اذن بقي الهدف النهائي لكل أفكار منظري الفكر المتطرف في اطار الفكر السلفي الجهادي هو التمكن من إقامة (الخلافة)، وهو الامر الذي تمكن منه أبو بكر البغدادي، لذلك فأن تنظيم داعش مَثل التراكم الفكري والإعلامي والعملياتي للتنظيمات المتطرفة الإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، وانهى دورة كاملة من الأفكار المتطرفة والعمليات الإرهابية على مدى قرن من الزمن، فعندما تمكن البغدادي من اعلان نفسه (خليفة) مزعوم لإكبر تنظيم متطرف إرهابي اتساعاً وخرقا للعادة، على مستوى التوحش وعلى مستوى السيطرة (التمكين) بسيطرته على أراضي واسعة ممتدة من العراق الى سوريا، وعبر ممارساته التي لم تقم أي وزنا حضاريا ولا قيميا، فكانت إلانتهاكات الهمجية الشنيعة التي اقترفها التنظيم في مناطق سيطرته وابان مسعى توسعه بلغت اقصى درجات الاستخفاف بالرحمة والإنسانية.

      حتى جاءت نهاية تنظيم داعش (نهاية الخلافة) وفقدان سيطرته على الأراضي التي احتلها (ارض التمكين)، وانحسار مصادر التمويل المالي وانهيار عوامل الجذب النفسي والمعنوي الذي مارسه تنظيم داعش، والحالة هذه نكون قد وصلنا الى السقوط من ذروة سنام الأفكار المتطرفة التي وظفت كل العوامل السياسية والتكنلوجية والعسكرية والاجتماعية والتنظيمية، وبداية للإنكسار الخط البياني في معيار التطرف، والحالة هذه لن تسمح على المدى المنظور بقيام تنظيم متطرف بما قام به ووصل اليه تنظيم داعش، اما ملامح الجيل الجديد من التطرف الفكري والعملياتي الارهابي، فأنه ينقسم الى قسمين القسم الأول هو في اطار منظمات متطرفة صغيرة كـ (الرايات البيض)، وعلى مستوى افراد لا يرتبطون بأطار تنظيم معين كعمليات الذئاب المنفردة التي كتب عنها أبو مصعب السوري، وهذا الجيل كله يأتي في اطار اعمال انتقامية، او اعمال بأهداف محددة، في اطار فكري مقتبس من الأجيال السابقة، ولكن بطبيعة الحال ستكون بطريقة اكثر تنظيم واكثر دموية،  ذلك لان تنظيم داعش قد فتح أبواب الخيال الاجرامي على مصراعيه عندما كان ينتج أفلاما احترافيه لمشاهد الإبادة الجماعية ومشاهد حرق المختطفين وقطع الرؤوس وغيرها، فضلا عن الخبرة التي اكتسبها المقاتلون لاسيما الذي تحولوا الى خلايا نائمة، و أولئك الذين عادوا الى دولهم اذ من الممكن ان يقوموا بأعمال إرهابية فردية، واذا كان ذلك بأطار الأفكار السلفية الجهادية فأن تنظيم داعش، حفز الإرهاب الغير مرتبط بأيديولوجية واطار فكري متطرف، فألنزوع نحو شر الإرهاب بعد هزيمة تنظيم داعش بات لا يحتاج الى عقيدة دينية وعنصر ارهابي بزي خاص ولثام، يزأر ويزمجر، اذ اصبح من الممكن ان يستيقض شخصا بملابس غربية وبتصوير مباشر على تطبيق الفيس بوك ويقتل 50 شخص ببرودة دم واعصاب داخل مسجدي النور ومركز لينود الإسلامي في مدينة كرايستشرش في نيوزلندا.

 

أنور مؤمن.

 

[1] سعيد علي عبيد ، تنظيم القاعدة النشأة الخلفية الفكرية الامتداد، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2008، ص 7.

[2] البرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1798ــ 1939، (ترجمة كريم عزقول)، دار النهار، بيروت، ص 291.