ظاهرة الاكتناز في العراق: اسبابها، وطرق معالجتها

تاريخ النشر : 2019-04-29

علي عبد الكاظم دعدوش/ كلية الادارة والاقتصاد- جامعة بغداد

لطالما مثل الاكتناز مشكلة ومصدر قلق للعديد من الاقتصاديين، لاسيما ما بعد الثورة الصناعية وتلاها من انجازات وتحقق وفورات هائلة في الدخول الخاصة بعناصر الانتاج، وتعاملت كل نظرية مع الاكتناز بشكل مختلف عن ما تناولته باقي النظريات او المدارس، فالكلاسيك على سبيل المثال اعتبروا ان الاكتناز يساوي صفر، او معطل او غير موجود، بسبب ان الاستخدام الكامل للموارد متحقق في الاقتصاد، اذ ليس من السليم القول بأن هناك استخدام أمثل لجميع الطاقات والموارد الاقتصادية في ظل وجود الاكتناز، والا فالتناقض يصبح واضح. الا انه وبعد أزمة الكساد العظيم التي حدثت في العام 1929، وما تبعها من فشل للطروحات الكلاسيكية التي كانت أفكارها ونظرياتها سائدة في معظم أوروبا والعالم لما يناهز الـ 100 عام، أصبحت النظرة للاكتناز معطلة، وان الاكتناز قد لا يساوي صفر او غير موجود، بل ان هناك أرصدة مالية مجمدة لا تقوم بدورها في الاقتصاد. وهذا ما فسره فيما بعد الاقتصادي الانكليزي ( كينز ) ، اذ بين ان النقود تطلب لثلاث غايات هي الطلب بدافع المبادلة والطلب بدافع الاحتياط والطلب بدافع المضاربة، وهو ما اشار اليها كينز من خلال بيانه من ان الاكتناز يحدث من خلال الطلب بدافع المضاربة عبر الاحتفاظ بالأرصدة النقدية لمدة من الزمن من أجل تحقيق مكاسب غير مؤكدة عبر المضاربة.

   هذا في الجانب التاريخي  لموضوع الاكتناز، فأن الاقتصاديين ومن أجل معالجة هذا الخلل، وجدوا أن الطريقة الأفضل في تحجيم الاكتناز وتقليل أضراره، هو بخلق وبناء جهاز مصرفي متطور، يعمل على استقطاب وجذب هذه الأرصدة النقدية عبر الفائدة الممنوحة على هذه الارصدة كادخارات في هذا المصرف ومن ثم تحويلها الى استثمارات مختلفة للبلد.

 

والسؤال هنا من الذي يكتنز ولماذا ؟

   وهنا قد يُطرح تساؤل مهم، لماذا هذا التخوف من الاكتناز، والتحذير من مخاطره ؟ ما يجب ان نفهمه هو ان الاكتناز حالة سلبية، لا تحدث بين جميع شرائح المجتمع، فالطبقات الفقيرة يكاد الاكتناز يكون لديها معدوم، وكذلك الحال بالنسبة للطبقات ذات الدخل المحدود، فالمتبقي من الدخل بعد طرح الاستهلاك لا يصل الى ان يكون اكتناز اكثر من كونه ادخاراً شخصيا للطوارئ، وهذا لا يدخل ضمن نطاق الاكتناز.

   وعليه فالاكتناز يحصل عند الطبقات الغنية، التي تحقق أرباحاً كبيرة ودخولاً عالية، وباكتنازهم لهذه الاموال، فأنهم يحرمون المجتمع والاقتصاد من الاستفادة منها في اقامة المشاريع وفي خفض البطالة والتأثير على الاسواق والمتغيرات الاقتصادية الاخرى.

   لكن السؤال الان ، لماذا لا يسعى المكتنز الى زيادة امواله المكتنزة ؟الجواب يكمن في ان الطبقات الغنية تسعى جاهدة الى تحقيق زيادة في اموالها من خلال شتى الطرق وبالتالي (استثمار) اموالهم المكتنزة عن طريق اقراضها او المضاربة بها او الدخول في الاستثمارات المختلفة التي تجلب ارباحا كبيرة تضاف الى اموالهم، كما انه اجتماعيا قد يولد حاله من الغضب او العنف الاجتماعي الغير مستقر بين طبقات المجتمع، لاسيما الفقيرة منها بإحساسهم بعدم العدالة والمساوة، ولذلك نجد ان (الاسلام) كان حريصاً في التعامل مع هذا القضية وبشكل دقيق جداً، فلا غرابة أن نجد القرآن الكريم يذكر المكتنزون ويحدد هويتهم، عندما يقول جل جلاله ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم))، نجد ان الآية الكريمة كانت دقيقة في التعامل مع الاكتناز، فهي حددت من هم المكتنزون، وهم الذي يكتنزون الذهب والفضة، اي طبقة الاغنياء او ميسوري الحال، لا الفقراء، لأنه واقعاً، الفقراء ليس لديهم القدرة على الاكتناز كما هو معلوم للجميع.

   ثم من بعد ذلك تبين الآية ان الاكتناز هو مضاد للأنفاق، وبالتالي فأن عملية الانفاق لن تتم بالشكل المطلوب بسبب الاكتناز، وعليه فأن حبس هذه الاموال وعدم انفاقها في سبيل الله والمراد به هو القنوات الشرعية لها عبر الخُمس والزكاة فأن ذلك سينعكس سلباً على الواقع الاقتصادي للبلد، والا ما كان سبحانه وتعالى وعد من يكتنز الاموال بالعذاب الأليم.

  وفي العراق اذا ما أردنا تسليط الضوء على ظاهرة الاكتناز لوجدنا وبحسب المصادر الرسمية للبنك المركزي، تفيد بأن (77%) من العملة المتداولة هي خارج نطاق الجهاز المصرفي وفي حالة اكتناز، وان ما قيمته (20) مليار دولار من العملة في  حالة اكتناز خارج النشاط الاقتصادي.

   وعليه لأبد للمسؤولين الاخذ بنظر الاعتبار خطورة هذه الظاهرة ومعالجتها وبشكل سريع وبشتى الوسائل الممكنة ، لاسيما في ظل التقشف والعجز المالي للدولة.

ويرى الباحث ان هناك جملة من الوسائل التي يمكن من خلالها معالجة ظاهرة الاكتناز في المجتمع العراقي ، نذكر منها ، العمل على خلق جهاز مصرفي متطور مع الاخذ بنظر الاعتبار الترويج والاعلان لتوعية افراد المجتمع والتعريف لهذه الظاهرة التي ربما ان تفاقمت ستؤثر سلبا على الاقتصاد العراقي ، اضافة الى ذلك خلق بيئة استثمارية جيدة والعمل على تامين كل الاموال من الناحية القانونية من خلال اصدار قانون خاص يحمي المستثمرين وخاصة المستثمرين المحليين , و توفير خدمات مثل تقليل الضرائب او الاعفاءات الضريبية او توفير الحماية الامنية للمستثمرين المحليين .