قوة عمل النساء في القطاع الخاص العراقي

تاريخ النشر : 2019-04-22

د. سلام جبار شهاب

يصنف مقدار الدخل في العراق ضمن تصنيفات البلدان الفقيرة، بالرغم من ان المعدل العام للدخل يمكن ان يضعه ضمن البلدان متوسطة الدخل، الا ان ظروف الصراع التي عاشتها البلاد جعلت المختصين يصنفون مقدار الدخل دون المستوى المتوسط ، ومن المهم الاشارة الى ان معدل دخل النساء هو ادنى من الذكور على مستوى الاداء الكلي ،  وهو ما انتج عوامل سلبية تتمثل بالعنف الاسري وسلبيات كثيرة اخرى ، فالعراق الذي يمر بمرحلة وبظروف تحول اقتصادي كانت احدى اهم ادواته هو اعادة تعريف للفاعلين في النشاط الاقتصادي واهمهما الدور الحكومي الذي لم تعد مهمته توسيع الوظائف في القطاع الحكومي، بل العمل على خلق وتكييف بيئة تعمل على تنمية النشاط الاقتصادي في القطاع غير الحكومي وهو القطاع الخاص، ولكن مما زاد من تعقيد الموقف هو ان القطاع الخاص في العراق ليس فاعلاً ، كونه لا يشكل سوى 29% من مكونات الناتج المحلي الاجمالي GDP ، كما ان النشاطات التي يقوم بها تتمحور حول القطاعات الخدمية كالمصرفية والتحويلات المالية والتجارة الخارجية ، اما مشاركته على مستوى القطاع الصناعي والزراعي فتكاد تكون محدودة جداً . من جانب اخرى بقيت الموازنة الاتحادية في العراق هي محرك النمو الاقتصادي على الصعيد المحلي، الا انها بنفس الوقت عززت من الطابع الريعي للاقتصاد العراقي، اذ تشكل الموارد الهيدروكربونية اكثر من 95% من الموازنة العامة الاتحادية للبلاد، وبنفس الوقت فان قوة العمل في القطاع النفطي او الهيدروكربوني في البلاد لا تشكل سوى 1% من قوة العمل الكلية في البلاد ، وهذه القوة تعتمد بشكل كبير على الرجال دون النساء.

من جهة اخرى، فان فجوة العمل في القطاع الخاص تعاني من توسع كبير على مستوى الجنوسة بالرغم من انعدام الدور التنموي لهذا القطاع في النشاط الاقتصادي ، فلو حللنا نسب التشغيل في القطاعين الخاص والعام سنجد ان نسبة النساء العاملات في القطاع الحكومي بحدود 46% من قوة العمل الكلية، في حين ان هذه النسبة تنخفض في القطاع غير الحكومي لتصل الى 29% حسب تقارير الجهاز المركزي للاحصاء، اما اذا ذهبنا اكثر من ذلك وحللنا النسبة على اساس العاملين في القطاع الخاص ككل من حيث العاملين فيه من الاناث والذكور ، سنجد ان نسبة الاناث العاملات في القطاع الخاص من العدد الكلي للعاملين فيه تكون 2% من حجم العمالة الكلية ، ولو تمعنا النظر اكثر من ذلك لوجدنا بان الفروقات لا تقتصر فقط في النسب العامة ، فالمعطيات الاخرى التي تتعلق بنوعية التعليم والاجور وساعات العمل والمساواة في المعاملة هي ايضاً غير متساوية، اذ يلاحظ بان هناك علاقة تكون معكوسة بين تشغيل النساء في القطاع الحكومي وتشغيلهن في القطاع غير الحكومي، وهي التي تتعلق بالتحصيل العلمي ، ونجد ان القطاع الحكومي يستقطب الى حد كبير النساء من حملة الشهادات الجامعية كالدبلوم والبكالوريوس لتصل نسبتهن الى 95% من مجمل النساء العاملات في هذا القطاع ، في حين ان هذه العلاقة تنعكس على الاطلاق في القطاع غير الحكومي (القطاع الخاص) لتصل الى 95% من تلك النساء العاملات في القطاع الخاص هن اميات او لديهن تعليم اولي.

ان هذا الامر يعبر عن مشاكل في النظام الاقتصادي للبلاد وبالخصوص تجاه القطاع الخاص بالعموم ، وبنفس الوقت فهو دلالة على عدم تمكن النساء من منافسة الرجال في هذا القطاع ، صحيح ان جزء كبير من الاشكالية اعلاه تكمن في طبيعة عمل القطاع الخاص الذي هو قطاع غير قادر على ادارة التنمية في البلاد بل هو اشبه بما يمكن ان يكون طفيلي ، وهذا الدور الضعيف جعله غير مستقطب للمتعلمين او الخريجين الحاصلين على الشهادات العلمية . ولكن التزاحم على القطاع العام ناتج لما يتمتع به من امتيازات غير متاحة في القطاع الخاص ، والذي هو اصلا يعاني من الترهل مما ادى الى انخفاض انتاجية الموظف الحكومي في البلاد بدرجة كبيرة وان كانت متفاوتة بين القطاعات الحكومية، وهي معادلة تكاد تكون مغرية بشكل كبير ، كما يمكن القول بان النساء في العراق على العموم ليست لديهن المهارات اللازمة للعمل او التعلم ، ولذلك نجد بان نسبة الامية لدى النساء ترتفع الى اكثر من الضعف لدى شريحة الذكور ، فأمية النساء تشكل 22% ، في حين ان امية الذكور 9%.

وفق المعطيات اعلاه فاننا نكون امام معادلة معقدة جداً في محاولة ايجاد الصيغة المثلى في علاجها، فالعقبات التي تواجه عمالة الاناث في القطاع الخاص تضغط باتجاهين من الاعلى المتمثلة بعدم تحقيق بيئة مؤسسية تستطيع ان تكيف حرية مزاولة النشاط الاقتصادي للاناث، واخرى من الاسفل والتي هي ناجمة من موروثات وتقاليد اجتماعية مقيدة تجاه اعمال النساء في القطاع الخاص بالذات ، ولذلك فان نقطة البدء في علاج هذه الاشكالية لا يمكن ان تنطبق من محور واحد دون المحاور الاخرى ، والعلاج يحتاج الى استراتيجية على مستوى الاقتصاد الكلي بالعموم وايضاً على مستوى اصلاح السياسات العامة، فمثلاً ، تقف العادات الاجتماعية والموروثات الثقافية في كثير من الاحيان عائقاً حقيقياً امام دخول الاناث الى سوق العمل في القطاع الخاص ، فالثقة الاجتماعية تنخفض بدرجة كبيرة في القطاع الخاص عنه في القطاع الحكومي ، ولا سباب عدة ابرزها ان العمل في القطاع الخاص بالعادة لا يحتاج الى شهادات علمية او تعليم يتسم بالجودة العالية كونه لا يأخذ بعين الاعتبار معيار الشهادة الجامعية في منح المرتبات او الاجور ، ولذلك عادة ما يركز على الاحتراف دون الشهادة، وهو امر يعود في حيثياته الى اشكالية الموائمة بين التعليم وسوق العمل ، كما ان التنظيم القانوني للقطاع الخاص والاعمال الحرة لا ترتقي الى ما هو الحال عليه في القطاع الحكومي ، فلا توجد قوانين وقائية او قوانين للمساواة في العمل ، وان وجدت فيها تعاني من اهمال الانفاذ او من الجهل بها ، كما ان مراقبة انشطة القطاع الخاص ليست تحت السيطرة الحكومية لان كثير من انشطة القطاع الخاص تتم خارج السجل الحكومي ، وهو ما يسمى بالأنشطة الاقتصادية الخفية (الاقتصاد الخفي) والذي تصل مؤشراته الى 20% من حجم الناتج المحلي الاجمالي. 

ان ظروف التحول الاقتصادي في العراق لم تأتي بنتائج مناسبة لعمالة الاناث في القطاع الخاص ، اذ لم تشارك المراة الرجل في الجهد التنموي المفترض في البلاد، مما اضعف دورها في ادارة شونها الاقتصادية ويكون لها نصيب من الفقر يرتفع عن الذكور ، وعدم تساوي في الاجور وهو ما يرجح اتساع دوامة العنف والاهمال سواء على مستوى الاسرة او على مستوى العمل في القطاع الخاص تجاه النساء ، كونها في الحالة الاولى عاطلة عن العمل ومعيلة من قبل الزوج او من الاسرة وينظر اليها على انها عبء اقتصادي ، وفي الحالة الثانية هي غير كفوءة وغير متعلمة بل وغير قادرة على ان تتساوى مع الذكور في كفاءة العمل . وهذه الظاهرة يتم تفاديها بعلاج قائم على الصدمة فان مدلولاتها ستكون خطيرة على مستقبل وضع المرأة في العراق ، وعلى مستوى التنمية في البلاد ككل.