مواقع التواصل الاجتماعي بين ثنائية التهديد والسلم الاجتماعي

تاريخ النشر : 2019-04-03

   اعداد : د. كمال محمد صديق امين

                                      اخصائي خدمة اجتماعية                                    

      شهد العالم منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي تطورات تقنية وتكنولوجية وعلمية متسارعة الوتيرة ادت الى حدوث قفزات في عالم الاتصالات وثورة في مجال تقنيات الحاسوب والبرمجيات , وانتشار شبكات الانترنت التي ربطت اجزاءه حتى امسى كقرية صغيرة ,  مما اضاف للمجتمعات العديد من مواطن القوة وخلق الفرص , اذ اصبحت اكثر انفتاحا على بعضها البعض من خلال تبادل الآراء والافكار والتقارب الثقافي بين شعوب الارض , الا انه في نفس الوقت قد برزت الى السطح مجموعة من التحديات والتهديدات التي رافقت الانتشار الواسع للتقنية المعلوماتية القت بضلالها على الجانب الاجتماعي والثقافي والسياسي والامني والاقتصادي للمجتمعات كافة , واثرت بشكل واضح على البناء الاجتماعي السليم للأسرة , ولعل اكثر المتأثرين والمؤثرين في هذا الفضاء الحر هم الشباب من خلال استخدامهم الواسع للأنترنت ومواقع الاتصال الاجتماعي المتعددة .

      بطبيعة الحال اصبحت هذه المواقع الاجتماعية متاحة للجميع وينشر من خلالها كم هائل من المعلومات والبيانات الشخصية والمشكلات والآراء المتعددة على مدار الساعة حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في عام 2018 قرابة 4.021 مليار ، بزيادة تبلغ 7٪ سنويا بينما بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2018 قرابة 3.196 مليار ، اي بزيادة 13٪ سنويا وان أكثر من ثلثي سكان العالم لديهم الآن هاتف جوّال ، ويستخدم معظم الناس الآن هاتفًا ذكيًا وان هذه التطورات سمحت للبعض احيانا من استغلالها بشكل سلبي لنشر محتوى فكري غير مسؤول او الترويج لمواضيع تهدد مضامين السلم الاجتماعي في  العيش بسلام و وئام داخل المجتمع وبناء علاقات متينة بين شرائحه ,  اذ إن تحقق السلم الاجتماعي عامل أساسي لتوفير الأمن والاستقرار في المجتمع وإذا ما فقدت حالة السلم الاجتماعي أو ضعفت ، فإن النتيجة الطبيعية لذلك هي تدهور الأمن وزعزعة الاستقرار في أي مجتمع من المجتمعات .

      ان اهتمام المجتمعات بوسائل التواصل الاجتماعي ينطلق من الاعتقاد الراسخ بأهمية وخطورة هذه الوسائل في آن واحد كونها اصبحت لغة العصر واهمية العمل على استثمارها كوسائل عصرية لتحفيز الحوار الاجتماعي والتصدي لخطاب الغلو والتطرف عبر المنطلقات المتمثلة بتسخيرها لترسيخ قيم التعايش السلمي وتعزيز قيم المواطنة والحكم الرشيد والسلم الاجتماعي , ونشر ثقافة الحوار الاجتماعي وتقبل الاخر , وخلاف ذلك قد تصبح تلك المواقع ومن خلال استثمارها بالشكل الخاطئ وتسخيرها لخدمة جهات وايديولوجيات متطرفة وعدائية مهددات حقيقية للسلم الاجتماعي تظهر عن طريق نشر الافكار التي تدعو الى العنف والطائفية واشاعة روح الكراهية بين ابناء المجتمع الواحد , مثلما استغلها تنظيم داعش الارهابي في الترويج لأفكاره الاجرامية من قتل وترويع للناس الامنين الابرياء والانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان اضافة الى ازدراءه للمعتقدات الدينية والعقائدية والتي شكلت تهديدا حقيقيا وسابقة خطيرة لبث الرعب الجمعي لسكان المناطق التي وقعت تحت سيطرته لم يشهد لها العالم مثيل , او قد تكون تلك المواقع وسائل لابتزاز الناس ماليا من خلال القرصنة الالكترونية واختراق الحسابات الإلكترونية بطرق غير مشروعة , ونجد ان تجارة السلاح غير القانونية قد كان لها النصيب الاوفر في عقد صفقاتها وكذلك تجارة المواد الممنوعة تحت صفحات واسماء وهمية , وقد تسهم مواقع التواصل الاجتماعي في بث ونشر الاشاعة والترويج لها من خلال استثمار سرعة الانتشار الفائقة ووصولها الى ملايين المستخدمين بشكل استثنائي وتأثيراتها المباشرة على واقع الحياة اليومية , والعديد من الحالات التي تقوض سلطة القانون في أي بلد وتسهم في تهديد امنه واستقراره .

وبعد كل هذا وذاك وبما ان مجتمعنا قد عانى ويلات الحروب وشبح الطائفية المقيتة وسيطرة تنظيم داعش الارهابي على بعض مناطقه كيف يمكن ان نحد من تأثير الاستخدام الخاطئ لمواقع التواصل الاجتماعي وكيف يمكن ان نحصن ابنائنا الشباب من خطر المواقع ذات الفكر المتطرف والهدام ومعالجة بعض السلوكيات الخاطئة والطارئة على قيم مجتمعنا , اجد من الاهمية بمكان ان تأخذ جميع مؤسسات المجتمع ( الرسمية وغير الرسمية ) على عاتقها المسؤولية الاجتماعية والاخلاقية لمعالجة تلك السلبيات والمهددات للسلم الاجتماعي والتي تعيق عجلة التنمية , والتقدم نحو المصالح المشتركة وان تتعاضد الجهود والقدرات في خدمة المجتمع والوطن عبر ممارسة الاسرة لدورها الحقيقي في التنشئة الاجتماعية السليمة لأبنائها وغرس قيم التسامح والمحبة والتوعية في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي , اضافة الى دور الاجهزة الرقابية والضبطية على المواقع والصفحات المحرضة على العنف واشاعة التفرقة ومحاسبتها , مع فعالية المؤسسة الدينية في توعية المجتمع نحو الاستثمار الامثل للتكنلوجيا في اشاعة السلام والمحبة بما اوجبته الشريعة السماوية , وان تكون لوزارة التربية والتعليم العالي دورا ايجابيا في اعداد الاجيال المؤمنة بالتعايش السلمي من خلال المناهج التربوية للمراحل كافة وتفعيل دور مجالس الاباء والامهات كخطوة نحو مد جسور التعاون بين الاسرة والمؤسسة التربوية , وان يكون للإعلام الوطني الكلمة المؤثرة في ذلك , وان يكون لمنظمات المجتمع المدني دورا ً متميزا ً في عقد الندوات وورش العمل وطبع الكتيبات التوعوية والتثقيفية في هذا المجال , وتفعيل قيم التعايش السلمي والسلم الاجتماعي بين أبناء المجتمع خلال برامجها ووسائلها التوعوية والتثقيفية وانشطتها الانسانية وان تكون جهات ساندة لعمل المؤسسات الحكومية .