أ.د باسم احمد هاشم الغانمي قسم الدراسات التاريخية

التصنيف: مقالات

تاريخ النشر: 2025-03-22 18:20:32

الوطن ومشتركات التعايش قراءة تأريخية مقارنة في ازمات معاصرة بين 2014 و 2024 العراق ولبنان انموذجا

  أ.د باسم احمد هاشم الغانمي

في ابسط ادبيات تعريف الوطن هو المساحة التي نشعر فيها بالأمن والامان والانتماء والتوجه بشكل عابر لحدود الفئوية والعرقية والدينية والمذهبية . والوطن مفهوم يجمع بين طياته شراكة تاريخية تمتاز بجذورٍ لا يمكن في اي حال ان نحدد عمقها الا من خلال القيم والموروثات والعادات والتقاليد والاعراف التي تربطنا . وكوننا قارئين للتأريخ او من المهتمين بالبحث العلمي التأريخي ، نجد انفسنا قريبين جدا من عشرات الشواهد التأريخية التي لا مناص من تذكّر بعضا منها والتي أُرِخت على انها ازمات داخلية او خارجية ضربت اوطان عدة وعلى الصعد كافة ، فما كان من شركاءها الا ان وقفوا صفا لتجاوزها بدوافع عدة قصدوا خلالها المحافظة على مرتكزات العيش المشترك الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على حد سواء .

وفي رأيي المتواضع ان اختيار المساحة الزمنية بين عامي 2014 و 2024 هامة لطرح نموذجين من أزمتين شكلتا فارقا كبيرا على المستويين الاجتماعيين داخل بلدين عربيين لهما من التشابه في الزيجة الاجتماعية حدا كبيرا من الوصف الدقيق . واعني هنا العراق في عام 2014 وما تبعها من سنوات عجاف انتهت بالانتصار على عصابات داعش . وعام 2024 وما جرى في لبنان الشقيق من تداعيات اخيرة افرزت مؤشرات لـ"تناشز" العلاقة الاجتماعية التأريخية امام ما شنه الكيان الصهيوني على الضاحية الجنوبية بدأً من يوم 20 ايلول 2024 وانعكاساته لرد للمقاومة اللبنانية "حزب الله" بالصواريخ والطائرات المسيرة .

احداثا تصاعدت وتيرتها الى حد كبير امرا جعل قرار التهجير الاضطراري لسكان الضاحية والجنوب اللبناني صوب مناطق اكثر أمناً في بيروت وطرابلس ومناطق اخرى "تقطنها الوان ودينية وأثنية شريكة بروح وطنية". ولكوننا متابعين وبحرص كبير تلك التداعيات ومن موقع مسؤوليتي التأريخية ونظرتي التحليلية شخصت في تلك الازمتين مدى الفارق الفكري على مستويات لها من المسؤولية على صعيد المرجعية الدينية المسيحية ، وقارنت إنصافا للحقيقة التأريخية امام تلك الازمة ومثيلتها في العراق قبل عشر سنوات خلت . كيف اصطف الشعب العراقي بوجه الهجمة الداعشية وما حاولت ان تُحدثه من شرخ على المستوى الاجتماعي بين اطياف الشعب العراقي الذي تعامل معها على انها "قضية وطن" لا "قضية مذهب او دين او قومية" بعينها . حتى باتت تلك الاحداث ترسم مساراتها رقميا ومن خلال تقارير طرحتها الارقام الرسمية الصادرة من منظمات دولية منها على سبيل المثال وكالة الامم المتحدة للهجرة / المنظمة الدولية للهجرة  في العراق ((IOM الصادر في تشرين الاول 2018  الذي دوّن نسبة 15% من مجموع سكان العراق عام 2014 بواقع 6 مليون نسمة فقط عام 2014 كنازحين الى مناطق استقرار في وسط وجنوب وشمال العراق. فلا عجب عندما نجد ادبيات الدفاع عن ذات الوطن ومشتركاته رغم اختلاف مشارب الانتماء الديني والمذهبي والاثني هو من مسؤولية الجميع . بل ان الملاحظة الدقيقة الاخرى التي يمكن ان نشخصها في نموذج ازمة العراق ان المرجعيات الدينية هي من نادت بوحدة الوطن وبـ"تراكز الصف العراقي" لضمان ديمومة العلاقات التأريخية بين ابناءه. الذين قرأوا بدقة بياناتها (المرجعية) والتي تعودوا ان يسمعوها اسبوعيا في خطب الجمعة خاصة خطبة يوم 20 حزيران 2014 التي اوضحت مدى التلاحم المنطقي والمبرر الذي يجب ان ينتهجه العراقيين للتعامل مع الظروف الطارئة في الابتعاد عن أيّ ممارسةٍ طائفيةٍ وهي صاحبة المقولة الشهيرة عن أهل السنّة "لا تقولوا اخواننا بل قولوا أنفسنا" ، مؤكدةً مراراً وتكراراً على جميع السياسيين ومن بيدهم الأمر ضرورة أن تُراعى حقوق كافّة العراقيين من جميع الطوائف والمكوّنات على قدم المساواة ، وحثّ الجميع على العمل لشدّ أواصر الألفة والمحبّة بينهم وتوحيد كلمتهم في مواجهة التكفيريين.

قدمنا ذلك الموجز التأريخي لنصوّر حقيقة موقف المرجعية الدينية وانعكاساتها على الدور البطولي الذي اجاده العراقيين في التعامل مع نوعهم الاجتماعي والوطني ولا ضير وان نقارنه وبفخر مع نظيره وعلى ذات المستوى التمثيلي الديني في لبنان الممثل بالبطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في عِضة يوم الاحد الموافق 5 تشرين الثاني 2024 عندما قال متهكما او قاصدا ما نصه : "...تحرير المدارس الخاصة والرسمية لكي تتأمن التربية والتعليم لأطفالنا واجيالنا الطالعة..." قاصدا في مصطلح التحرير ذلك اخراج نازحي الضاحية والجنوب اللبناني القاطنين في تلك المدارس تحميا من الظروف السيئة والقصف الاسرائيلي ولو اضطر الامر بالقوة . امرا اثار ارتياح بعض الوان الطيف الاجتماعي اللبناني من جهة وفي ذات الوقت اثار حفيظة طيف اخر كان لهم ردهم الموازي وبذات الوزن المسؤول وعلى لسان المفتي الجعفري الشيخ احمد قبلان عندما علق معتبرا ان "قضية النزوح قضية وطنية كبرى" وقال معاتبا ما نصه:

 "...المسيحي والمسلم شريكان بغُنم هذا البلد وغُرمه، وقد تعلمنا أن قلب المسيح الذي وسع الخاطئين لا يضيق عمن بذل أشلاءه ودماءه في سبيل كنائس ومدارس ومساجد وطن المؤمنين، ولم نقرأ أبداً أن من حرّر محتل، وأن مَن أعطى كمَن منع، ومن قدّم كمَن خذل، ولم نتعلم من المسيح أن من أنقذ البلد بمدارسه ومساجده وكنائسه ومشروعه الوطني وشراكته الروحية بمحتل...".

وهنا وجدت من المناسب ان اقف قليلا امام هذين الموقفين واسترجع ذاكرتي الى ذات المواقف التأريخية في لبنان رغم الفارق الزمني الذي من المفترض ان تذوب معه كل التكهنات التي تؤجج الكراهية في المشتركات الوطنية. ليزيد اطمئناني بحقيقة ان التأريخ يعيد نفسه واعود لمراجعة بحثٍ نشرته عام 2020 عنوانه (قراءة فكرية لثقافة التعايش السلمي في المجتمعات التعددية عند السيد موسى الصدر لبنان انموذجا) فقرأت بثقة كبيرة موقف السيد موسى الصدر من ازمة لبنان خلال الحرب مع بدايات الحرب الاهلية اللبنانية 1975-1990 والتي اعتبرها انذاك ازمة وطن لا ازمة طائفة او مذهب او قومية ، والخلاص منها ينبع من الشراكة التأريخية في المرتكزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وان تلك القضية تبدأ من احتضان الشريك الاجتماعي الاخر عن طريق منحه الاستحقاق التأريخي النوعي لا الكمي . كان ينظر الى حماية الوطن واجب يبدأ من الشعب في تحمل المسؤولية قبل ان تتحملها السلطة ، والوطن يبدأ من ذات الانسان فيه لا ذات الجماعة او الحزب او الدين او المذهب او القومية ، لانها بجموعها عوامل اساسية تُسهم في "اعدامه" لا ديمومته وبناءه.

كان يقول ما نصه : "...ان لبنان يجب ان نحفظه للانسانية جمعاء ...كل الانسان... في بيروت وانساننا في الجنوب وفي الهرمل وانساننا في عكار وانساننا في ضواحي بيروت وانساننا في الكرنتينا وفي حي السلم ، الانسان كل الانسان لا معزولا ولا مصنفا . فلنحافظ على انسان لبنان لكي نحافظ على البلد ، بلد الانسان امانة التأريخ وامانة الله...".

هذه المقارنة بين الازمتين في العراق ولبنان وبين الموقفين في لبنان اعلاه يضعاني في مسؤولية التحليل لقراءاتي التأريخية خاصة لكتاب (المتاهة اللبنانية – سياسة الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل تجاه لبنان 1918-1958 ) لمؤلفه رؤوفين ارليخ الذي وصف سلوكيات اخلاقية بـرأيي الخاص هي "سلوكيات مشوهة" لبعض الطبقة السياسية والدينية اللبنانية "...لم ولن تتوانى ان تسهم الى حد كبير في تقديم أي نوع من الخدمات للاجنبي ايا كانت نوع وحجم تلك الخدمات وعلى مذبح المناصب ومهما كان الثمن..." لدرجة ان الطرح في الكتاب قد رُفع الخجلَ فيه وعرّى الحقائق المدلسة عندما اعترف (اوري لوبراني ) الذي شغل منصب منسق انشطة الاحتلال الاسرائيلي في لبنان بعد عام 1982 اثناء تقديمه لذات الكتاب فقال ما نصه : "...منذ تحوله الى دولة سيادية [لبنان] وهو يجلس على موائد الغير..."

هذين الطرحين دليل واضح وصريح ان "الخذلان والخيانة لمسؤولية التعايش الاجتماعي التأريخي نجدها واضحة في جزء بعض اللون الطوائفي الذي يمتزج في المجتمعات المتعددة ومنها المجتمع اللبناني الذي يعاني تأريخيا مثل هكذا خطابات عالية المستوى وتؤجج الى التعامل مع الشريك تعاملا ينسف كل اخلاقيات الوجود التأريخي لحساب مصلحة على غلابة مصلحة اخرى" . ولا غرابة ان نطرح اكثر من ذلك تعجبا ونذهب لما طرحته تقارير إلياهو ساسون في كتابه "في الطريق الى السلام" عام 1978 والذي شغل مندوب الوكالة اليهودية للاتصال ببعض الزعماء اللبنانيين ، فكان من ضمن المقترحات المتبادلة بين ساسون وبشارة الخوري فيقول عند تطرقنا في الحديث إلى ضرورة التعاون بين فلسطين اليهودية ولبنان الماروني قال لي بشارة الخوري ما نصه : " ...يوجد بيننا وبينكم حاجز يجب إزالته وهذا الحاجز هو جبل عامل. هناك ضرورة لتفريغ هذه المنطقة من السكان الشيعة الذين يشكلون خطراً مستمراً على بلدينا، وقد سبق لهم أثناء فترة الاضطرابات في فلسطين تعاونوا مع عصابات المفتي لتهريب السلاح والرجال...". ويؤكد ان بشارة الخوري طرح حلا مفاده "... بتوطين الموارنة اللبنانيين المهاجرين إلى أميركا في جبل عامل بعد تفريغه من الشيعة، وذلك على أن تقرض الوكالة اليهودية البطريرك مبلغاً من المال". وهذا ما يؤكد لنا أن منطقة "جبل عامل" جنوب لبنان كانت هاجساً ومصدر قلق للكيان الاسرائيلي والحركة الصهيونية على حد سواء.

اجد ما قدمته كافيا لإعطاء صورة واضحة وواقعية ومن وجهة نظر تأريخية ان نماذج التعايش الاجتماعي ليس بالضرورة ان تقدم الوطن على المصلحة الفئوية والحزبية والمذهبية والطائفية ، وان هكذا جدلية تاريخية تكون منفردة وتعبر عن نوع التعايش نفسه الذي يختلف من بلد الى اخر كما في حالتي العراق ولبنان إزاء ازمتيهما مع فارق التأريخ والتوقيت . وإننا مع وجود ملتقيات فكرية تربط بلدينا على مختلف الصُعد شخصنا وبالادلة تلك المفارقة الوطنية والاجتماعية . وشخصنا في ذات الوقت ان العراق دائما ما يكون عابرا لحدوده في كل شيء سواء في المواقف ومقدماتها وحتى تداعياتها تلك المواقف التي تشكل القضية الفلسطينية عامل مشترك بيننا وبين ما تحمله المقاومة اللبنانية (حزب الله ) من متبنيات اخلاقية تجاهها تتطابق الى حد كبير وذات التوجه الفكري لبعض المسارات السياسية والشعبية في العراق . كان العراق مميزا تجاه لبنان ومحنته حتى استضاف قرابة 33 الف ضيف وهيأ كل الامكانيات الرسمية وغير الرسمية ايمانا منه بالمنطلقات التي تبرر الموقف التأريخي في التعامل مع الوطن ومشتركات التعايش إزاء الازمات موضوع البحث في اعلاه.