التربية الرقمية

تاريخ النشر : 2019-09-30

 

المقدمة

  يشهد العالم اليوم حالة تطور غير مسبوقة في مجال الاتصالات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات، وفي درجة الاستهلاك والتوظيف الرقمي لها، وهذا التطور الايجابي في شكله العام اظهر لنا مضاعفات عدة من حيث سوء التوظيف والاستخدام الرقمي، إذ ان الاستخدام السيء

 

للاتصالات الرقمية والتكنولوجيا الحديثة اسهم في انتاج مشاكل عديدة في نسيج القيم والمبادىء والاذواق العامة .

ومن هنا يكمن اهمية الحديث عن موضوع التربية الرقمية بوصفه منهج تثقيفي توعوي يهدف الى إكساب الافراد ثقافة حديثة ذات بعد رقمي تتمحور حول الاستخدام السليم والفعال لما توفره تقنيات البيئة الرقمية من وسائل اتصال، وبصورة ايجابية وضمن الأطر القانونية والقيمية .

أن الانتشار التكنولوجي يسير بخطى متسارعة، وهو مستمر بالتوسع والنمو ودون قيود تقريباً، وهذا التوسع والنمو اخذ يتمازج ويتداخل الى حد بعيد مع حياتنا الواقعية اليومية، واصبح جزء لا يتجزأ منها، وكأنه الحاسة السادسة بحق . فالتكنولوجيا اصبحت داخلة في نسيج الاسرة، العلاقات، الدراسة، التعليم، التربية، وليس انتهاءاً بالمجالات الصحية والسياسية ,

أن اهمية التربية الرقمية بهذا المجال تتضح في ظل التوسع غير المنضبط  للاستخدام الرقمي وما ينجم عنه من تحديات  ومخاطر جديدة غير مألوفة سابقاً على مستوى الفرد، المجتمع، النظام العام .

ولعل السؤال الذي يطرح بهذا الصدد وهو ماذا نعني بالتربية الرقمية ؟

ما الاهداف المتوخاة منها ؟

ما الجهات التي تمارس وظيفة التربية الرقمية ؟

من هو المربي الرقمي ؟

ما هي محفزات التربية الرقمية ؟

أولاً : مفهوم التربية الرقمية

أذا كان لكل دولة دستور وقوانين تنظم العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم وتسيير امور المجتمع، فان التربية الرقمية هي بمثابة القانون الاسمى والدستور الذي يحدد قواعد العمل في العالم الرقمي الافتراضي، فهي مجموعة من قواعد العمل التي تحدد المهارات والسلوكيات والمعارف الخاصة بالتعامل مع التكنولوجيا الحديثة والمطورة، مما يجعلها منهج ووسيلة لا غنى عنها في انشطة الانسان وفي مجال التنشئة الرقمية .

فالتربية الرقمية تسعى الى خلق توأمة ودمج بين القيم التربوية المجتمعية التقليدية والعالم الرقمي لاجل مواكبة المستجدات على الساحة العالمية وخلق درجة متقدمة من الوعي بها، فاذا كانت التربية الاسرية تهتم بتنشئة ابناءهم على القيم الدينية والمجتمعية والتعرف على الاخلاقيات الايجابية في التعامل مع الاخرين(غرباء أم اقارب)، فان تلك المهمة –مع دخول العالم للثورة الرقمية- تحتاج للالمام بالمبادىء والقيم الرقمية ودمجها ضمن المهام الاسرية في تربية وتوعية الابناء، لشرح ايجابيات وسلبيات هذا التطور في العالم الافتراضي، وخلق جدار حصين ضد المخاطر التي قد تنتج عن اهمالها في مجال الحقوق والاداب العامة .

ثانياً : أهداف التربية الرقمية

 لا نجافي الحقيقة ان قلنا اننا اليوم نعيش في عهد حضارة الصورة، عهد حضارة العين المرتبطة بشاشة الكترونية صغيرة، حتى اصبح الانسان في حالة انتقال واتصال لا ارادي  من وسائل لتواصل الحواس الخمسة الى مرحلة الاعتماد على وسائل الاتصال الرقمي المكتوب، والذي بدوره اسهم في اضعاف العديد من الالتزامات الثقافية والقيمية بكل ما هو قيمي وايجابي في المجتمع .

 ان الاستخدام المتزايد لتقانة الاتصال الرقمية كان له أثار سلبية على الفرد والمجتمع، ومن هنا جاءت اهمية التربية الرقمية في علاج تلك الآثار، والسعي نحو تحقيق مجموعة من الاهداف المهمة من اجل بلورة انماط وسلوكيات ايجابية بين المواطنين عبر :  

 1- رفع مستوى الوعي الرقمي وترسيخه وجعله سلوكاً تطبيقياً، والعمل على اكتساب معارف جديدة هادفة .

2- خلق مواطن رقمي باسلوب تفكير وحياة جديدة، وبمستوى معرفي عال يساعده على التعامل مع التقنيات الجديدة والتأقلم معها .

3- خلق مواطن رقمي يفكر في خدمة نفسه ومجتمعه ووطنه بعيداً عن الاساءات والاشاعات والتشهير بالاخرين .

4- خلق بيئة الكترونية اكثر امنناً وسلامة للمجتمع .

5- تنظيم قواعد السلوك واداب السلامة في استخدام الانترنت، ووضع ضوابط حول حالة الانفتاح المبالغ بها في المجالات التكنولوجية .

6- الارتقاء بالعملية التربوية والتعليمية في المدارس والجامعات ( التربية الرقمية والتعليم الالكتروني) .

7- تطوير التعليم والمهارات الاتصالية، فضلاً عن اداء المهام بسرعة ووقت اقل .

8- توجيه صغار السن صوب التعامل مع التكنولوجيا الحديثة بصورة ايجابية .

ثالثاً : من هو المربي الرقمي ؟

تعاني الكثير من الدول من التاخر في مجال التكنولوجيا وتحديداً في غرف الصف التعليمي، في ظل شيوع البيئة التعليمية التقليدية القائمة على التلقين والحفظ فقط .

وعلى الرغم من دخول تقنيات وسائل الاتصال الحديثة في تلك الدول الا ان سبل الاستفادة القصوى منها لم تتحقق ولاسباب عدة لسنا معنيين للخوض في تفاصيلها بقدر يعنينا توضيح عمل المربي الرقمي ومتطلبات عمله .

 أن الاسرة بوصفها  وحدة التربية الاولى اصبح عليها مسؤوليات تربوية اضافية بسبب استخدام ابناءها المتزايد للتطبيقات الرقمية في حياتهم اليومية او في واجباتهم المدرسية أو في قضايا اخرى، لكن السؤال الاهم الذي يطرح هنا ماذا لو لم يكن الاهل على معرفة ودراية بالمهارات الاساسية للتعلم الرقمي، كيف سيمارسون وظيفة المربي هنا؟

   في العادة تقوم الاسر بوضع ضوابط وقيود ومراقبة مستمرة على الاستخدامات الرقمية لضغار العمر، وأحياناً قد يصل الى الحرمان منها بسبب جهل الأبوين في عملها والتخوف منها، وهو ما يسميه البعض بالاقصاء الرقمي والاجتماعي المستحدث، فكل شيء تقريباً يعمل ويسير ويتحرك بواسطة الانترنت وتكنولوجيا المعلومات .

 هذه الحالة تقودنا نحو مربي اخر وهو المعلم والمربي التعليمي، ففي الكثير من الاحيان يفتقد المعلم لمواكبة التطورات السريعة في مجال التعليم الرقمي، ولا يواكب حركة التطوير والتحديث فيها، وهو الذي قضى نصف عمره في اداء مهمة التعليم التقليدي، مما يؤدي الى نقص في مهاراته المهنية والتدريسية .

فالمطلوب من المعلم أن يواكب التطور التقني وان يدخل التكنولوجيا في صفه الدراسي، وتوظيفيها لتلبية حاجات التعلم وتحسينها لتلاميذه، وان يشارك تلاميذه في إثارة الشغف والفضول والبحث وجمع المعلومات باستخدام التقنيات التكنولوجية، فضلاً عن توجيههم نحو الاستخدام الامثل والاصح لها وفق الضوابط القيمية والتربوية التي تربوا عليها .

فالمعلم والمربي الرقمي المتميز ليس المعلم العادي الذي ينتهج الحفظ والتلقين، وليس الذي يشرح ويفسر الامثلة لطلابه شفوياً، وليس الذي يلهم طلابه بقضايا وسير تاريخية، بل المعلم القادر على تحويل البيئة التعليمية التقليدية الى بيئة تقنية محفزة للبحث والتعرف على المفاهيم العلمية الجديدة.

 

 رابعاً : مقترحات لتعزيز التربية الرقمية والتعليم الالكترونية

1- إرادة سياسية واعية داعمة للانشطة والاستخدام الرقمي في مجال التعليم، وتوجيه الموارد المالية والبشرية صوب هذا الهدف .

2- تطوير مناهج التعليم لصالح التعليم الرقمي، فالتربية الرقمية ممكن ان تكون أداة اندماج في حال كان هنالك تطور في استخدام المهارات الاتصالية للمواطنين .

3- أنشاء برامج مدرسية وكتب منهجية في المدارس العراقية حول التربية الرقمية لتعزيز جودة استخدام التقنيات والتطبيقات في عصر الانترنت .

4- اعتماد نموذج المقرر الالكتروني ( فديوهات تعليمية ) لجعل عملية التعليم اكثر تشويقاً ومتعة للطلبة.

5- تطوير دور الأسرة بوصفها المدرسة الأولى في حياة الفرد من خلال عمل الندوات والمؤتمرات لأولياء الامور وإعلامهم بالطرق والآليات الجديدة للتعامل مع الابناء في ظل العصر الرقمي .  

 

 

 

 

 

م.د حسن سعد عبد الحميد  

جميل محي حسن