بناء القوة الاقتصادية لصناعة السلام المحلي

تاريخ النشر : 2019-09-21

  د. مهند حميد مجيد

 قسم الدراسات الاقتصادية

 

 

 

 

من خلال دراسة التجارب التاريخية في شتى مجالاتها (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) ومختلف منابعها الدولية (الأوربية والأمريكية والأسيوية)  نجد ان الدول التي تتمتع بقدر عال من الاستقرار الامني والسياسي والاجتماعي هي تلك الدول التي تتمتع بقوة اقتصادية نوعية تمكنها من معالجة الاختلالات والمشاكل التي تطرا على المجتمع، ومن جهة اخرى تتمتع عادة بدور فعال في العلاقات الاقليمية والدولية. ان جل الحروب التي قامت على مر التاريخ هي حروب ذات دوافع اقتصادية في الاساس او انها احد الاسباب الرئيسة لقيامها، في نفس الوقت نجد إن الاقتصاد والسلام مرتبطان ارتباطا وثيقا, فمثل ما يمكن للاقتصاد أن يلعب دورا في الصراع،  يمكنه ايضا ان يكون السبيل إلى ايجاد الاستقرار والسلام في المنطقة.

فالدول الاوربية بدا دورها الدولي يأخذ مداه بعد استكشافات ما وراء البحار واستعمار الدول الاخرى وتحويل ثرواتها من مواد خام  لصالحهم ومن ثم تحويلها إلى مواد صناعية اكسبتهم القوة لمزيد من التوسع وفرض الارادة والتدخل في الشؤون الخارجية مما ادى لقيام حروب كبرى بينها انتهت بنتائج كارثية شملت تدمير شبه كلي لبناها التحتية وعشرات ملايين القتلى ومن ثم اصبحت بعدها مثال لدول الامن والاستقرار والسلام من خلال ايلاء الاقتصاد ما يستحقه من اهمية لانه مفتاح الامن والسلام.

وعند النظر إلى التجارب الاسيوية الناجحة نجد ان قوتها الاقتصادية هي السبب في ما هي عليه اليوم من استقرار امني واجتماعي وسياسي، فهذه الدول (بضمنها اليابان) عملت على التركيز على تقوية اقتصادها بشتى الاساليب والطرق والان نجد كوريا والصين وماليزيا وغيرها تتمتع بقدر عال من الاستقرار، واي ما مشاكل تطرا عليها فانها قادرة على ايجاد الحلول المناسبة لها، وتعمل جميع الاطراف المشاركة في الحكم او المعارضة والاحزاب والمواطنين على ضمان ان لا تؤثر أزماتها الداخلية على مسيرة اقتصادها المحلي.

وعلى المستوى العربي، نجد ان الدولة المؤثرة على المستوى الاقليمي والدولي هي الدول القوية اقتصاديا، اذ نجد ان السعودية بما تملكه من قوة مالية كبيرة اصبحت عضوا في نادي الدول العشرين، في حين لا يخفى الدور الاقليمي (وحتى العالمي) للكويت وقطر والامارات  اللذين يملكون اجهزة استثمارية ضخمة مكنتها من تملك اسهم كبيرة في عدد من الشركات الكبرى عالميا وفي مختلف انحاء العالم وساهمت لها في بناء سمعة رصينة وعريقة في الاستثمار والقدرة المالية لدى الدول و الشركات.

من خلال الطرح أعلاه و بعكسه على الواقع العراقي، ارى ان التركيز على استراتيجية تقوية الاقتصاد العراقي هو الحل الامثل لمعالجة كل الازمات الداخلية ومن ثم احلال السلام المحلي والاستقرار الامني على ان يتم ذلك في ظل ثبات السياسة الاقتصادية حتى مع تغير القيادة السياسية.

و تتضمن هذه الاستراتيجية تعزيز دور الدولة في مجالات محددة واعطاء تسهيلات اخرى لمؤسسات غير رسمية لتقوم بمهام كانت سابقا تحسب عاتق الدولة. فهنا على الدولة -وبالاستفادة من التجارب الدولية- اقامة مشاريع استراتيجية عملاقة في الزراعة والصناعة بالذات (ويفضل ان تكون بالشراكة مع شركات اجنبية لها خبرة و رصانة ومستوى عالمي معروف في هذا المجال) تكون ذات اهداف محددة منها ضم اكبر نسبة من الايدي العاملة واستثمار جزء من العوائد المالية الناتجة عن بيع النفط في مشاريع ربحية وخلق ترابطات فرعية بين القطاعات الاقتصادية فضلا عن المساعدة في خلق مشروعات صغيرة ومتوسطة مساندة و داعمة لهذه المشاريع الاستراتيجية.

فظاهرة البطالة في العراق وصلت إلى مستويات عالية، خاصة في المناطق المحررة، اذ قدرتها وزارة التخطيط في عام 2018بحوالي (22.6%)  من قوة الشباب، في حين ذهب صندوق النقد الدولي إلى ابعد من ذلك بنسبة وصلت إلى (40%). وبهذا يمكن للمشاريع أعلاه المساهمة في معالجة هذه الظاهرة من خلال توفير فرص العمل بشكل مستمر وقادر على استيعاب الطاقات العاملة وفهم متطلبات السوق الحديثة وذات الاجور المناسبة  وبما سيؤدي إلى انخراط قوة العمل الشابة في انشطة منتجة و ابعادها عن التوجهات المنحرفة وخطر التأثر بالافكار السلبية والتي تؤدي إلى تخلخل الامن المجتمعي و عدم الاستقرار، اذ ان توفير مصادر دخل بديلة وإعطاء الشباب خاصة شعور بالكرامة و بوجود هدف و أمل في الحياة, فالشاب ذو الدخل المنتظم و الجيد  وخاصة إذا كان معيل لأسرة سوف يكون أقل عرضة لاستهدافه من قبل الجماعات المنحرفة، فالشعور بالهدف الذي يحصل عليه من الانخراط اقتصاديا في المجتمع يعني أيضا أن هناك فرصة أقل من أن يتأثر بالحجج الأيديولوجية التي من الممكن أن تعمل عليها تلك الجماعات.

وكما ذكرنا في أعلاه، ولاجل صناعة سلام دائم واستقرار فعلي حقيقي فالأفضل التركيز على جعل الاقتصاد هو الاساس الذي يبنى عليه ذلك، الا ان المتطلبات الكثيرة والمتنوعة تجعل من الدولة غير قادرة على تلبيتها بشكل كفوء و يرضي الاطراف ذات العلاقة ، اي بعبارة اخرى، ان هناك توزيع للمهام والمسؤوليات يختلف عن النظام الذي كان يتبع سابقا بجعل الدولة هي المسؤولة عن كل ما يتعلق بشون الفرد والمجتمع. اذ ان النظام الحديث يتطلب ان تكون هناك مشاركة فاعلة بين جميع الاطراف الفاعلة والتي هي الدولة و المؤسسات غير الرسمية و الافراد كل على حسب مهامه ومسؤوليته.

فواجب الدولة (بشقيها التشريعي و التنفيذي) هو تهيئة البيئة المناسبة للاعمال داخليا و خارجيا وبما يسهم في ان تكون عاملا مساعدا في خلق فرص العمل ، فضلا عن  تبني انشاء مشاريع استراتيجية ضخمة (عامة- في بداية تاسيسها- وخاصة) تختص بدعم الصناعة والزراعة وبما يضمن تشغيل نسب عالية من الايدي العاملة و استثمار الثروات الوطنية بالشكل الامثل ومن ثم دعم الاقتصاد المحلي، فضلا عن دعم قيام المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي اثبتت كل التجارب دورها في التنمية الاقتصادية و خلق فرص العمل وجذب الطاقات الحرفية و الفنية ..الخ وذلك من خلال ايجاد التشريعات المناسبة و تعديل القديم منها وتيسير التعليمات التي يتم بموجبها تنفيذ مسؤولياتها وبما يخدم الاطراف الباقية، و الحفاظ على الامن المجتمعي من خلال وضع الحلول المناسبة للمشاكل والازمات التي تطر على مجتمع الاعمال و الاهتمام بتوفير الخدمات وجودتها خاصة جودة الخدمات الصحية و التعليم وبما يتناسب مع متطلبات السوق وضمان حقوق العاملين في القطاع الخاص (الذين سيشكلون النسبة الاكبر من الموظفين) والاشراف على الاسواق ومراقبة الاداء الاقتصادي ومراقبة المنافذ الحدودية و تفعيل قانون الكمارك بشكل يخدم العملية التنموية..الخ. كما يقع على عاتقها مكافحة الفساد و اعتماد الشفافية اذ ما اردات تطبيق الاستراتيجية بشكل فعال ومنتج.

اما واجب المؤسسات غير الرسمية والتي نعني بها مؤسسات الاعمال و مؤسسات المجتمع المدني فهو واسع ومتعدد ايضا، اذا انها تستثمر ما توفره الدولة من تسهيلات لاقامة مشاريع اقتصادية حقيقية ينتج عنها خلق فرص عمل (تضم الخريجين و اصحاب المهارات الحرفية) و منتج حقيقي يغطي متطلبات السوق ويخلق ترابطات فرعية ما بين مختلف القطاعات الاقتصادية لتكوين شبكة اقتصادية متماسكة قادرة على اداء مهامها بفاعلية وجودة عالية لاجل لان تكون قادرة على المنافسة مع المنتجات الأجنبية. ونفس الشي يقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني(والتي منها محلية ومنها اجنبية) بضرورة خلق الاجواء التي تسهم في التركيز على اهمية الجهد الاقتصادي في بناء الدولة و تثبيت السلم المجتمعي من خلال اقامة الدورات التدريبية لتطوير المهارات الفنية و تأهيل جزء من قوة العمل لاجل مواكبة مستجدات متطلبات الاسواق فضلا عن الدورات و الندوات التثقيفية و تنمية المهارات البشرية وبما يصب في بناء المجتمع الايجابي ذا القيم الاخلاقية المتماسكة و ترسيخ قيم العمل التي تسهم في تحقيق الاهداف التنموية، كما تقع على عاتقهم إنشاء المشاريع والمؤسسات الخيرية التي لا تهدف إلى الربحية و المؤسسات التعليمية سواء كانت تختص بدراسات محددة او متنوعة، وهذه المشاريع تسهم في زيادة ترابط النسيج المجتمعي و تعميق العلاقات الانسانية بين مختلف فئات المجتمع الواحد .

وفيما يخص الافراد، فمسؤولياتهم لا تقل عن الاطراف أعلاه، فعليهم الحصول على الشهادات التي تؤهلهم للعمل والمهارات التي يتطلبها سوق العمل والانخراط في الدورات التدريبية والتثقيفية وتحمل المسؤولية في الحفاظ على الأمن بمختلف مجالاته.

ان تطبيق هذه الاستراتيجية (بما يعنيه من رفع بعض المهام عن الحكومة وتفعيل دور القطاع الخاص بشكل حقيقي ) في المستقبل القريب يعتبر ضرورة وله مبرراته الدولية والاقتصادية.

 فمن الناحية الدولية هناك التزامات على العراق الوفاء بها نظير تلقيه القروض و المساعدات المالية من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي و البنك الدولي وحتى المصارف الدولية الرصينة والتي ابرزها حصر دور الدولة في الاشراف على العملية الاقتصادية دون التدخل فيها الا بما تقتضيه الضرورة وهذا يحتم اعطاء القطاع الخاص المحلي دورا اساسيا في العملية الاقتصادية.

امام من الناحية الاقتصادية، فاغلب التقارير الدولية تشير إلى ان العراق سيحقق نسبة نمو حقيقي تتعدى (5%) خلال السنوات الثلاث المقبلة نظرا لعمليات اعادة الاعمار  في المحافظات التي كانت محتلة من قبل داعش الارهابي و للمحافظات التي تعاني من نقصا في مؤسساتها الخدمية و التعليمية ، والاثار الاقتصادية الايجابية ستعود على القطاع الخاص العراقي و الاقليمي الذي من المتوقع ان تكون مشاركته فاعلة في هذه العمليات. هذا يعني اننا امام فرصة لاستثمار ذلك في تحقيق الثورة الاقتصادية وصناعة السلام المحلي من خلال مشاركة مختلف فئات المجتمع في بناء الدولة القوية المستقرة محليا والمؤثرة خارجيا.

ان عملية البناء الاقتصادي تساهم في بناء الجسور بين المجتمعات المقسمة من خلال الجمع بين الناس حول هدف مشترك و كذلك الحاجة، وإنشاء شبكة من الاتصالات بشكل تدريجي من خلال التجارة, فالمجتمعات المحلية المرتبطة بالتجارة أقل عرضة للحرب من أولئك الذين ليسوا كذلك.

ما ذكر أعلاه ليس بالجهد السهل والبسيط وانما ثورة في الافكار والاستراتيجيات والاساليب المتبعة في العمل وتوزيع المهام وقبولها من قبل الاطراف الثلاث، وهذا باستبعاد العوامل الخارجية التي تقع على عاتق الدولة تحييدها بما يخدم المصلحة الوطنية و تقوية اللحمة المجتمعية