الاقليمية والامن الوطني والدولي : علاقة التاثير المتبادل

تاريخ النشر : 2018-05-15

 د. احمد يوسف كيطان

قسم الدراسات الاقتصادية

ترتبط الإقليمية والأمن بطرق عديدة ومختلفة أحدها ما يتعلق بمستوى التحليل، إذ أن مشكلة الأمن الدولي ومواجهة التحديات المختلفة بدءً من قضية الامن على المستوى الوطني، تدفع الدول الى بناء نوع من الهياكل التنظيمية للأمن تسمى "تجمعات اقليمية" او ما يطلق عليها باري بوزان (مجمعات الامن الاقليمي-Security Regionalism Complexes) بوصفها اطار تنسيقي ناجح وفعّال للتعاون والتنسيق ينعكس على مستويين: الاول/ الامن الوطني الداخلي للدولة خاصة، والآخر/ الامن الدولي بصورة عامة .

ويعرّف مجمع الأمن الاقليمي بأنه: "مجموعة من الوحدات (الدول) التي تترابط شواغلها الأمنية الأساسية معاً بشكل وثيق، بالقدر الذي لا يمكن تحليل المشاكل الأمنية للوحدات المكونة لهذه المجموعة أو حلها بشكل منفصل عن الآخر"، وهكذا، فإن "أهم أجزاء عمليات ضمان الأمن الدولي او عدمه على مستوى النظام الدولي، يتشكل في إطار المجموعات الإقليمية". ويسهل استخدام مفهوم مجمع الأمن الإقليمي تكييف وإعادة هيكلة استراتيجيات الدول في مجال السياسة الخارجية، عن طريق إجراء تقييم فعّال لواقع الامن الإقليمي ومتطلباته، فكل دولة تقريباً قادرة على مقارنة وجهات نظرها بشأن الأمن الوطني مع الدول الاخرى ضمن اطار الاقليم (المجمع) الذي تعيش فيه. وقد أعيد النظر في هذا المفهوم في وقت لاحق في اتجاه بناء متعدد القطاعات واجتماعي، مما جعل التحديد الفعلي للوحدة أكثر دقة، ولكن ليس اكثر سهولة لأن مختلف القطاعات الأمنية (الاقتصادية والبيئية والاجتماعية) قد تحدد اقاليم مختلفة من حيث أسلوب إدارة الأمن أو "نظام الامن الإقليمي"، ويمكن أن تتحول النظم الإقليمية من التوازن أو التناغم البسيط لنظم القوة إلى مجتمعات أكثر شمولاً أو سياسات متكاملة.

وهناك صلة أخرى بين الإقليمية والأمن تتعلق بالآثار الإقليمية للصراعات المحلية، وهي تعتمد على طبيعة المجمع الأمني والطريقة التي ترتبط بها المشاكل الأمنية المختلفة عمودياً وأفقياً في مناطق معينة يمكن أن تكون متفاوتة للغاية. وهكذا، يمكن القول إن مفهوم الامن يقتضي في الواقع ضرورة تحويل زاوية التحليل للدراسات الاستراتيجية من مستوى الدولة إلى المستوى الإقليمي، باعتبار أنها الأنسب لحالة الدراسات العملية الخاصة بالأمن، حيث ان مستوى النظام الدولي أو العالمي بعيد جداً عن المصالح الحقيقية والسلوك المنتظم للدول، كما ان التركيز على أمن الدولة فقط يستبعد عملياً درجة عالية من الترابط الذي تم التوصل إليه على مستوى الامن في عالمنا المعاصر. فآثار العولمة وانهيار نظام القطبية الثنائية قد ادت الى تراجع التركيز على الأمن العالمي وإعادة صياغة المصالح الرئيسية للأمن بالنسبة للقوى الكبرى على الصعيدين الإقليمي والمحلي، الامر الذي يعني "إضفاء الطابع اللامركزي على نظام الأمن الدولي"، وظهور "مجمعات إقليمية للأمن، متباينة نسبياً"، وإضفاء الطابع الإقليمي على الأمن العالمي.

ويشكل الأمن الإقليمي احد مستويات حماية العلاقات المتبادلة بين دول منطقة جغرافية ضد زعزعة استقرار الاوضاع والأزمات والنزاعات العسكرية ذات الأبعاد الإقليمية، ووفقاً للنظام الأساسي للأمم المتحدة (المادة 52، الصفحة 1)، فإن إبرام معاهدات إقليمية معينة، وإنشاء هياكل إقليمية معينة أمر مقبول، كما ان ضمان الأمن في المنطقة، وحل المنازعات والصراعات بطرق سلمية، والمساهمة في حلها، فضلاً على المشاكل المتعلقة بنزع السلاح والحد من التسلح، تدخل في نطاق اختصاصها لاسيما فيما يتصل بعلاقة نزع السلاح وتأثيره على الامن الاقليمي.

ويمكننا أن نخلص أخيراً إلى أن أحد أفضل الحلول في تطوير الدراسات الأمنية، هو النظر الى قضية الامن في النظام الدولي من خلال التركيز على تحليل الامن في مستوى النظم الإقليمية، على اساس دراسة الحالة الامنية لكل دولة من دول الاقليم، وإعمال بعض المفاهيم واستراتيجيات الأمن الوطني القابلة للتطبيق والاستمرار وتكييفها بصورة منظومة تنطوي على اجراءات يمكن تنفيذها على المستوى الإقليمي، فالنموذج الجديد للأمن من منظور التخطيط  وحساب تأثير نظام الأمن الاقليمي على وظائف النظام الامني العالمي، يوفر سلسلة من المزايا المعقولة عن طريق استحداث آليات جديدة للأمن على المستوى الاقليمي تحدّ من دوامة المنافسة على القوة العسكرية، وتحويل الصراع من منطقة القتال المسلح إلى المجالات غير العسكرية.

 

المصادر:

  1.  Buzan, B. & Waever, O., “Regions and Powers: The Structure of International Security”, Cambridge, University Press, 2003.
  2. Cebotari, S. & Xenofontov, I., “ Theoretical-methodological Approaches to the Regional Security”, Postmodern Openings, Year2, Vol.7, September, 2011. 

 

للاطلاع على المقال بصيغة pdf اضغط هنا