التخطيط الاستراتيجي وصياغة البدائل الاستراتيجية للدولة

تاريخ النشر : 2018-02-19

د. أحمد يوسف كيطان

قسم الدراسات الاقتصادية

إن نجاح مبادرات تحسين الاداء المؤسسي للدولة يستلزم صياغة استراتيجية شاملة تتضمن: بدائل استراتيجية وخطط محكمة لمعالجة العديد من التفاصيل اللازمة لردم الفجوة ما بين القرارات الاستراتيجية وتطبيق مبادرات التغيير اللازمة لتحسين اداء الدولة وتطوير مؤسساتها في اطار ما تمتلكه من قدرات وامكانات، إذ ان تجاهل هذه التفاصيل عادةً ما يؤدي الى توسيع تلك الفجوة، والتسبب في خلق سلسلة متفاقمة من الاوضاع السلبية، حيث أن عدم انسجام الخطط الموضوعة مع واقع المشكلات، وعدم وضوح القرارات والمعالجات، وعدم فعالية المحفزات، والتركيز على القضايا الهامشية، والهيكل التنظيمي المعقد، وانعدام التوافق بين الاهداف الاستراتيجية والتكتيكية، عادةً ما ينتهي بخلق حالة من فقدان التركيز الاستراتيجي تجاه اهداف الاستراتيجية العليا للدولة، وهذا الامر يمكن تفسيره بقصور عملية التحليل الاستراتيجي للدولة والذي هو عماد بناء اي استراتيجية وطنية شاملة ناجحة.

لقد ارتبط تطور التخطيط الاستراتيجي بتطور طرق التحليل والبحث من مرحلة إلى أخرى، فانتقل من المرحلة التقليدية التي تميز فيها التحليل بطرق ووحدات أضفت عليه الطابع الشكلي التأملي الوصفي غير المقارن إلى المرحلة الحديثة والتي تميز فيها التخطيط الاستراتيجي بفصل الواقع عن القيم الموضوعية واستعمال المناهج التحليلية الكمية والكيفية واستعمال التحليلات السياسية والمؤسساتية التي تستعمل كإطار لتصنيف وتحليل عدد كبير من المعلومات حول مختلف مفاصل النظام السياسي ومؤسساته واسسه ومقوماته، ليصار بالنتيجة الى صياغة استراتيجية شاملة قائمة على التوازن بين الاهداف المراد تحقيقها والامكانات المتوفرة يمكن تطبيقها على ارض الواقع، قادرة على تحقيق الاهداف المرجوة منها.

ولا يمكن للدولة بناء استراتيجية وطنية شاملة وناجحة بدون تخطيط استراتيجي يستند الى أدوات تحليل دقيق وعميق لمقومات بيئتها الداخلية والخارجية، وتقييم قدراتها وامكاناتها وتشخيص نقاط القوة وتعزيزها ونقاط الضعف وتجاوزها، ومن ثم محاولة تسخير تلك المقومات وتطويعها في تحقيق اهداف استراتيجيتها العليا، وأحد أهم ادوات التخطيط الاستراتيجي هو كل من: التحليل السياسي، والتحليل المؤسسي أو المؤسساتي.

يُعرّف التحليل السياسي بأنه عملية تركيز العدسة التحليلية على النقطة التي تجري فيها العمليات السياسية. ومن الناحية التحليلية، فإن التحليل السياسي يكون حيث يوجد السياق (الهياكل، والسلطة، والمؤسسات)، وحيث يحدث السلوك (اداء الفاعل)، فالسياق والسلوك هما قالب إنتاج شيء جديد، اكثر من كونهما مجرد تفاعلات بين متغيرات موجودة مسبقاً من المصالح والحوافز. بالتالي فإن النتائج الدقيقة للمسار والمتكونة من: "فاعل استراتيجي ضمن سياق استراتيجي" إلى "عمل استراتيجي" تعتمد على الخيارات السياقية للتفكير والعوامل التأملية. لذا ينبغي أن نفهم الفواعل ليس كأفراد فحسب، بل كمجموعات ومنظمات وتحالفات، ومن اجل القيام بذلك؛ يتطلب الامر فحص وتحليل لطريقة عمل السلطة وبروز المصالح والأفكار كعوامل استراتيجية تفسر سياقاتها وفواعلها، وهذا يعني أن فهم السلوك السياسي والنتائج هو بحد ذاته مستوىً من التحليل( ). فالتحليل السياسي هو عملية تفصيل الفواعل الرئيسة في البيئة السياسية او الاجتماعية، ومعرفة آلية عمل تأثير هؤلاء على عملية تحقيق الاهداف ووضع بدائل استراتيجية للتفاعل داخلها لتحقيق تلك الاهداف. ومن ثم فإنه ضمن وقت وموارد وامكانات محددة، هنالك حاجة استراتيجية لكيفية العمل ضمن الجماعات والنخب والاعلام والاحزاب السياسية لكسب الدعم للخطط المراد تنفيذها، وتجنب الاخفاقات والانتقادات، بالتالي فإن التحليل السياسي هو احد الطرق الرئيسية لتطوير نهج استراتيجي للفواعل الرئيسة.

وهناك عدة طرق للقيام بالتحليل السياسي؛ البعض منها يستغرق بضع ساعات والبعض الآخر بضعة شهور يقوم بها مجموعة من الاشخاص من باحثين او متخصصين باستخدام عملية العصف الذهني(Brainstorming)، كما يتضمن التحليل السياسي مرحلتين رئيسيتين، هما: الوصف، والتحليل، فبالنسبة للوصف فيتضمن: من، ماذا، أين، وكيف. اما التحليل فهو التحقق من لماذا (السبب)، وهو ما يضع الاساس لتطوير استجابة استراتيجية مناسبة في اطار بدائل استراتيجية متعددة. وهناك سبعة عناصر رئيسية ضمن عملية التحليل السياسي، هي( ):

  • الفواعل.
  • الدوافع والمصالح.
  • المشاركة.
  • الموارد.
  • الاستراتيجيات والتكتيكات.
  • التأثير.
  • قنوات العمل.           

اما التحليل المؤسسي او المؤسساتي فهو إطار عمل ولغة عامة لتحليل واختبار الفرضيات حول السلوك في مواقف متنوعة على مستويات متعددة من التحليل واهتمامات تحليل الكيفية التي تؤثر بها القواعد والظروف المادية وخصائص المجتمع على هيكل مجالات العمل والحوافز التي يواجهها الأفراد، والنتائج المستحصلة، ويتم توفير معرض منهجي لهذه اللغة الوصفية. ويجيب التحليل المؤسسي عن التساؤل الآتي: ما هي المنظمات التي تنفذ إصلاحات في السياسة العامة، وما هي خصائصها؟ ويمكن النظر إليه على أنه تحليل أصحاب المصلحة للمؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والشركات التي تنفذ أو تدعم خيارات العمل العامة التي تقوم عليها عملية إصلاح السياسات. بالتالي، فإن التحليل المؤسسي تسترشد به ثلاثة مواقع مركزية:

  • ان الحكومة ليست جهة فاعلة موحدة.
  • تنافس الجهات الفاعلة المختلفة داخل الحكومة على السلطة والموارد.
  • تعدل القرارات المتخذة في التسلسل الهرمي المركزي على الصعيد المحلي.

ويمكن إجراء التحليل المؤسسي من خلال نهجين أو مزيج من كل منهما:

  1. أداة التقييم المؤسسي: هي أداة تشخيصية تعتمد على البرمجيات تساعد المحلل على تنظيم التفكير حول العلاقات المؤسسية المعقدة والعمليات المتأصلة في العديد من الإصلاحات.
  2. رسم الخرائط التنظيمية: والتي تحدد الإجراءات العامة المرتبطة بإصلاح السياسات، وكذلك الجهات المسؤولة عن تنفيذها. وهو يوفر:
  • لمحة مسبقة عن الجهات الفاعلة التي تقوم بالإصلاح والعلاقات فيما بينها (رسم الخرائط الثابتة).
  • يبين كيف تعمل المنظمة فعلا بعد تنفيذ الإصلاح (رسم خرائط العمليات).

وتتبع عملية رسم الخرائط تدفقات الموارد الحرجة لتوفير نظرة ثاقبة للمعايير والثقافة التنظيمية التي لا يمكن التحقق منها أبداً من الوثائق أو الرسوم البيانية. والمخرجات الشائعة هي الأشكال التنظيمية أو المخططات البيانية التي تعرض معلومات عن تدفقات الميزانيات والنفقات والمعلومات، فضلاً عن إجراءات اتخاذ القرارات( ).

مما تقدم، نستنتج بأن صياغة استراتيجية وطنية شاملة تشخص بدقة مقومات قوة الدولة ومكامن التهديدات لأمنها الوطني وتضع خطط استراتيجية رصينة وبدائل استراتيجية ناجحة، انما هي عملية تستند بصورة اساسية على تخطيط استراتيجي سليم يتضمن عمليات تحليل دقيقة لمختلف مفاصل الدولة وهياكلها الرسمية وغير الرسمية ومختلف مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مقدمة عمليات التحليل تلك: التحليل السياسي والتحليل المؤسسي، وذلك من اجل الوقوف على آلية عمل تلك المؤسسات ونقاط قوتها وعوامل ضعفها بما يؤدي الى بناء استراتيجية وطنية شاملة ناجحة تتضمن قرارات ناجحة ودقيقة على المستوى الاستراتيجي للدولة تنعكس بصورة ايجابية على اداء مؤسساتها المختلفة السياسية أو العسكرية أو الأمنية او الاقتصادية أو الإعلامية او الاجتماعية، بالشكل الذي يضمن عمل تلك المؤسسات بفعالية عالية تحقق اهداف الدولة وتحمي أمنها الوطني وتحفظ مصالحها العليا. 

 

المصادر

  • David Hudson and Adrian Leftwich, “From Political Economy to Political Analysis”, Research Paper No.25, Development Leadership Program, University of Birmingham, UK, 2014.
  • Elinor Ostrom, ”Institutional Analysis and Development: Elements of The Framework in Historical Perspective”, Historical Developments and Theoretical Approaches in Sociology, Vol.2, Indiana University, USA, 2012.
  • Steven Yafee and David Chadwick, “Ecosystem Management Initiative”, University of Michigan, USA, 2004.