التنافس الجيو-اقتصادي الامريكي الروسي على الطاقة

تاريخ النشر : 2018-02-01

الدكتور احمد يوسف كيطان

قسم الدراسات الاقتصادية

يشهد العالم في المرحلة الراهنة تنافساً أمريكياً-روسياً في مناطقه المختلفة، وعلى الرغم من ان هذا التنافس ليس جديداً حيث تواجدت القوات الأمريكية والسوفيتية في الساحة الدولية وجهاً لوجه أكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة؛ فتواجهتا في برلين أبان الحرب العالمية الثانية في اربعينيات القرن الماضي، وفي الحرب الكورية(1950-1953) في شبه الجزيرة الكورية، وفي أزمة الصواريخ الكوبية عام(1962)، كما تواجهت القوتان خلال الأزمة السورية الراهنة، لكن الاعتقاد السائد في عالم اليوم أن الوضع بات مختلفاً هذه المرة عن سابقاته، إذ اخذ ذلك التنافس منحىً آخراً هو التنافس الجيو-اقتصادي، لينعكس في صورة سباق اقتصادي تصاعدت حدته شيئاً فشيئاً بالتزامن مع سعي الولايات المتحدة الى الانفراد بالنفوذ في العالم ومحاصرة روسيا في نطاق اقليمي ضيق، بالمقابل تسعى روسيا لاستعادة مكانتها الدولية والاقليمية السابقة واستعادة نفوذها ومصالحها التي فقدتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وراحت تنافس الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً في بعض مناطق العالم المهمة لاسيما الشرق الاوسط وآسيا الوسطى، حيث تحتل روسيا حالياً المركز الحادي عشر كأكبر اقتصاديات العالم في حين تحتل الولايات المتحدة الامريكية المرتبة الاولى اقتصادياً على العالم (جدول-1).

جدول (1)

المؤشرات الاقتصادية لكل من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية لعام(2016)

Source: World Bank, 2016

المؤشرات الاقتصادية

الولايات المتحدة

روسيا الاتحادية

الناتج المحلي الاجمالي

18.569

1.283

معدل نمو الناتج المحلي السنوي

3%

1.08%

معدل البطالة

4.2%

5%

معدل التضخم

2.2%

3%

سعر الفائدة

1.25

8.25

الميزان التجاري

-42395

6612

الدين الحكومي الى الناتج المحلي الاجمالي

106

46.02

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي

57.436

11.099

معدل النمو السنوي للناتج المحلي الاجمالي

2.3%

1.08%

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فمنذ العام(2000)، وحتى العام(2008)، نما الناتج المحلي الإجمالي(GDP) للاقتصاد الروسي بنسبة كبيرة وصلت الى(70%)، وفي العام(2006) لوحده؛ نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة(8%)، وزادت الاستثمارات في الاصول الثابتة(FAI) بنسبة(17%)، (على الرغم من أنها بدأت عند مستويات منخفضة إلى حد ما)، وانخفض معدل التضخم الى(9%) بعد أن وصل الى رقم قياسي في العام(2000)، بمعدل(20%)، كما انخفض معدل البطالة أيضاً من(10%) في العام(2000)، إلى(6%) في العام(2006)، وسجلت الموازنة العامة للدولة في العام نفسه فائضاً بما يعادل(7%) من الناتج المحلي الإجمالي، كما ارتفع فائض الحساب الجاري الى نحو(100)مليار دولار بفضل الصادرات الضخمة من المواد الخام: (النفط والغاز والمعادن)، أما حصة عائدات الضرائب كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي(GDP)، فبلغت نسبة أعلى بقليل من (33%)، أي ما يعادل تقريباً إجمالي حصتها في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD)([1]).

لكن في العام(2008)، ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية الاقتصاد الكلي لروسيا الاتحادية، فانخفض الناتج المحلي الإجمالي(GDP) بين العامي (2008-2009)، الى أكثر من (8%)، وانخفضت الاستثمارات في الاصول الثابتة(FAI) بنسبة (17%)، وارتفع معدل التضخم إلى (12%)، والبطالة إلى (8%)، كما انخفض فائض الحساب الجاري إلى (50) مليار دولار. ووجّه انخفاض أسعار النفط في العام (2009)، ضربة قوية إلى الموازنة العامة للدولة الروسية، والتي تعتمد بشكل كبير على مدفوعات الضرائب والجمارك من صناعات النفط والغاز، فتقلصت إيرادات الميزانية بنحو (15%) بين العامي (2008-2009)، وتحولت الميزانية الروسية من فائض بنسبة (6%) إلى عجز بنسبة (4%) خلال المدة الزمنية نفسها. وعلى الرغم من أن مثل تلك المؤشرات تعبّر عن وجود أزمة شديدة في الاقتصاد الكلي لأي دولة، إلّا أن أداء الاقتصاد الروسي لم يكن سيئاً للغاية بالمقارنة مع باقي الاقتصادات الدولية، فآثار الأزمة كانت خفيفة على الإنفاق الحكومي الضخم، وفي المدة ما بين العامي (2008-2010)، تم تخفيض احتياطي الصندوق العام للدولة (SGRF) الى (100) مليار دولار. لكن احتياطيات البنك المركزي استقرت بعد مدة قصيرة، وبقيت الديون الخارجية عند مستوى منخفض للغاية (ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي) ([2]).

لكن مع بداية العام(2010)، وتماشياً مع اتجاهات نمو الاقتصاد العالمي بدأ الاقتصاد الروسي بالنمو على المستوى الكلي. فبعد أن بلغ معدل النمو نسبة(4.5%) في العام (2010)، عاد وتباطأ مرة أخرى في العام(2011)، لينخفض إلى نسبة(4.3%)، ثم الى نسبة(3.5%) في العام (2012)، ونسبة (1.3%) في العام (2013)، ونسبة (0.7%) في العام (2014)، أما في العام (2015)، فقد دخل الاقتصاد الروسي في حالة من الركود انخفض فيها معدل النمو الى نسبة (-2.8%)، وكذا الحال بالنسبة لبقية المؤشرات الاقتصادية التي تراجعت بمجملها منذ العام (2011)، وأسباب ذلك التراجع تتمثل بالآثار السلبية المترتبة على الكساد الذي اصاب اسواق الطاقة والمواد الخام العالمية، فضلاً على الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد الروسي جراء العقوبات الامريكية والاوروبية التي دأبت الولايات المتحدة على فرضها على روسيا ابان الأزمة الأوكرانية في العام(2014)، ليحتل الاقتصاد الروسي في العام(2016)، المرتبة (11) عالمياً([3]). أما فيما يخص مجال الطاقة، تمتلك روسيا مصادر متنوعة كالغاز والنفط والفحم، فهي تحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث احتياطي الغاز الطبيعي بعد ايران، إذ تمتلك(32.6%) من الاحتياطي العالمي، وتعد شركة غاز بروم(Gazprom) الروسية أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، إذ تتحكم في (90%) من إنتاج الغاز الروسي وأنابيب نقل الغاز، وتمد أوروبا بربع احتياجاتها منه. أما قطاع النفط، فتمتلك روسيا سابع أكبر احتياطي في العالم إذ تمتلك(6.1%) من الاحتياطي العالمي، وتحتل المرتبة الثانية كأكبر منتج ومصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية، إذ تسيطر شركة روسنفت(Rosneft) الروسية على إنتاج النفط فيها. اما الفحم فتمتلك روسيا ثاني اكبر احتياطي في العالم بعد الولايات المتحدة بنسبة(17.6%)([4]).

اما الولايات المتحدة الأمريكية فهي أكبر اقتصاد وطني في العالم، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي نحو(17.311) تريليون دولار، أي ما يساوي ربع  الناتج المحلي الإجمالي العالمي الاسمي، اما ناتجها المحلي الإجمالي عند القوة الشرائية المتعادلة هو الأكبر أيضاً من أي بلد في العالم أي نحو (16%)من الإجمالي العالمي، كما ان الدولار الأمريكي هو العملة الأكثر استخداماً في المعاملات التجارية الدولية وتشكل أكبر احتياطي نقدي في العالم. وتمتلك الولايات المتحدة اقتصاد مختلط، وقد حافظت على استقرار معدل نمو ناتجها المحلي الإجمالي، ومعدل البطالة المعتدل، والمستويات المرتفعة للأبحاث والاستثمار الرأسمالي، أما شركائها التجاريين الكبار الرئيسيين فهم كل من: كندا، والصين، والمكسيك، واليابان، وكوريا الجنوبية. وتمتلك الولايات المتحدة وفرة من الموارد الطبيعية، وبنية تحتية متطورة، وإنتاجية مرتفعة، وتاسع أكبر ناتج محلي إجمالي للفرد، وتعد الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في العالم، وثاني أكبر بلد تجاري في العالم بعد الصين. وفي العام(2014)، كانت الولايات المتحدة ثاني أكبر مُصنّع للسلع في العالم، حيث تشارك بخُمس الإنتاج الصناعي العالمي.

ومن ذلك المنطلق، دخلت الولايات المتحدة وروسيا سباقاً محموماً من التنافس الاقتصادي كانت اهم ساحاته العالمية كلاً من آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الاوسط. فبالنسبة لمنطقة آسيا الوسطى فإن الأهمية التي تتمتع بها تلك المنطقة بمواردها الطبيعية الغنية بالنفط والغاز الطبيعي، اما القوقاز فإنها الطريق الذي يفتح ثروات حوض بحر قزوين الى اسواق العالم الغربي، إذ تمر عبر اراضيه خطوط انابيب نقل الطاقة من البلدان المنتجة الى المستهلكة، جعلت هذه الاهمية من تلك المنطقة هدفاً للقوى الاقليمية والعالمية. وتقع دولتان من دول آسيا الوسطى، وهما: كازاخستان وتركمانستان، إلى جانب أذربيجان القوقازية على بحر قزوين، وتمتلك الدول الثلاث أكثر من ثلثي شواطئه، ومن المعروف أن منطقة بحر قزوين تمثل ثاني أكبر احتياطي في العالم من النفط والغاز الطبيعي بعد منطقة الشرق الأوسط([5])، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية الاحتياطيات المثبتة من النفط بنحو(15-40) مليار برميل أي بنسبة (1.5%-4%) من احتياطيات النفط العالمية المثبتة، أما احتياطيات الغاز الطبيعي فتقدرها بنحو(6.7-9.2) تريليونات متر مكعب أي بنسبة (6%-7%) من احتياطيات الغاز العالمية. ومن ثم فإن للمنطقة أهمية استراتيجية واضحة للولايات المتحدة التي ترى في السيطرة المبكرة على المنطقة تأمينًا لحاجاتها المستقبلية من الطاقة في المستقبل، ودعمًا لاستقلالها واستقلال حلفائها الأوربيين في مواجهة روسيا الاتحادية التي تزداد هيمنتها على سوق الطاقة العالمي. فالدول الأوربية تمثل السوق الرئيسة للنفط والغاز الروسي؛ حيث تقوم روسيا بإمدادها بنحو (27%) من احتياجاتها من النفط، وأكثر من (50%) من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وأهمها ألمانيا التي تُعدّ روسيا أكبر مُصدّر للنفط وللغاز الطبيعي إليها، وأيضاً الجزء الشرقي من أوروبا، حيث كان الاتحاد السوفيتي يمد دول أوروبا الشرقية بأكثر من ثلثي استهلاكها من النفط، و(80%) من وارداتها منه، وبأسعار تقل كثيراً عن مثيلاتها في السوق العالمية، وما زالت تلك الدول تعتمد اعتماداً أساسياً على روسيا في الحصول على احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، ومن المتوقع أن يغطي الغاز الروسي في العام(2020) نحو (70%) من احتياجات القارة الأوروبية([6]). إزاء هذا النفوذ النفطي المتزايد لروسيا في سوق الطاقة العالمي، خاصة الأسواق الأوربية، وبدرجة أقل الأمريكية، ونظراً لأن موارد الطاقة من نفط وغاز طبيعي ليست مجرد سلع تجارية، ولكن موارد استراتيجية جيوسياسية، فقد أثار ذلك النفوذ الروسي المتزايد مخاوف الولايات المتحدة من استخدام إمدادات النفط كسلاح سياسي من جانب روسيا في مواجهة أوروبا والولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، دعا نائب الرئيس الأميركي السابق، ديك تشيني، عبر الخطاب الذي ألقاه في قمة حلف الأطلسي التي عقدت في العام (2006) إلى تنويع موارد الطاقة لأوروبا. كما أعلن الاتحاد الأوربي مراراً عزمه تقليص دور شركة "غاز بروم" الروسية في إمداد أوروبا بالغاز من خلال اللجوء إلى مصادر أخرى من آسيا الوسطى والقوقاز وإيران. وتعد أذربيجان أقوى المنافسين لروسيا، وذلك من خلال خط أنابيب الغاز (باكو – تبليسي – جيهان)؛ لنقل ليس فقط الغاز الأذربيجاني، بل الكازاخستاني والتركماني أيضًاَ إلى ميناء جيهان التركي، ومنه إلى أوروبا، وقد أنشئ هذا الخط بدعم أمريكي واضح رغم المعارضة الروسية القوية له. أيضاً مشروع (نابوكو)، وهو مشروع مستقبلي يقدر له أن ينقل الغاز المنتج في جمهورية أذربيجان وجمهوريات آسيا الوسطى عبر تركيا، إلى كل من وسط وغرب أوروبا. كذلك هناك مشروع إيراني لنقل الغاز عبر أراضي كل من تركيا وبلغاريا ورومانيا والمجر، وصولاً إلى النمسا وأوروبا، تبلغ قدرته الاستيعابية المعلنة(30)مليار م2 في السنة، وكان من المنتظر بدء العمل به بحلول عام(2011)، إلا أن تطورات قضية البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاوروبية والامريكية على ايران قد أجلت تنفيذ ذلك المشروع. ولكن رغم علو نبرة الخطاب الأوربي الأمريكي بشأن تنويع مصادر الطاقة الأوربية، وطرح العديد من المشروعات في هذا الصدد، فإن ما تحقق بالفعل مازال ضعيفًا ومحدودًا، ومن ثم تنبهت القيادة الروسية الى المخاطر التي تحدق بها جراء هذه المزاحمة الامريكية، والمتمثلة بخلق ممرات بديلة في تلك المنطقة تنافس الطاقة الروسية، وخطوط نقل الطاقة المصدرة من دول بحر قزوين، والتي تمر عبر اراضيها، لذلك كانت توجهات جورجيا مهمة لروسيا، لاسيما وان علاقات جورجيا بدأت تزداد عمقاً مع الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، وارتفع معها عدد المشاريع الغربية المنجزة والمخطط لها مع جورجيا، مثل: خط نقل النفط (باكو-تبليسي) عبر السكك الحديدية، والذي يمتد من باكو الى تبليسي مروراً ببلدة غوري الجورجية، ومن ثم يتفرع إلى ثلاثة خطوط تتجه إلى موانئ بوتي وباتومي على البحر الأسود، والى الجنوب الغربي بالقرب من الحدود مع تركيا، وبعد نجاح الثورة الوردية في العام(2003)، والتي اطاحت بحكم الرئيس الاسبق(ادوارد شيفرنادزه) الذي يتهمه الجورجيون: بانّه موالٍ لروسيا، ازداد العداء لروسيا، لاسيما بعد تولي(ميخائيل ساكاشفيلي) الرئاسة بعد انتخابات العام(2004)، واتجاهه نحو الاندماج مع الغرب، والسعي لعضوية حلف شمال الاطلسي، الأمر الذي دق ناقوس الخطر لروسيا فما كان عليها إلّا أن تتحرك عبر ادواتها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية ضمن مخطط استراتيجي يأخذ بنظر الاعتبار المصالح القومية لروسيا في تلك المنطقة([7]).

اما بالنسبة للتنافس الاقتصادي الامريكي-الروسي في منطقة الشرق الاوسط، فقـد ضـاعف اكتشـاف النفط والغـاز مـن أهميـة الشـرق الأوسـط الاسـتراتيجية، وأصـبحت منطقـة الخليج العربي والدول المطلة عليها بمثابة الجزيرة العالمية للنفط والغاز في العالم، مما جعل منها محـط أنظـار الـقوى الكبرى في النظـام العـالمي. وذلـك لأن نفـط الشـرق الأوسـط أصـبح يلعـب دوراً اقتصـادياً مكمـلاً للاقتصــاد العــالمي، بمعنى أن المنطقــة أصــبحت مرتبطــة ارتباطــاً عضــوياً بالاقتصــاديات العالميــة ولا يمكــن الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال حتى لو أدى ذلك إلى استخدام القوة و إشعال الحروب. وتعـد منطقة الخلـيج ضـمن منطقـة الشـرق الأوسـط إحـدى أهـم المنـاطق الحيويـة بالنسـبة لمصـالح الـدول الكبرى عموما والولايات المتحدة وروسيا على وجه الخصوص، ليس بسبب موقعها الجغرافي فحسب، وإنما لأهميتها النفطيـة، إذ تتمتــع دول الخلــيج العربــي باحتياطيــات بتروليــة وغازيــة ضــخمة ومؤكدة، ســهلة الاكتشــاف ومنخفضــة التكـاليف مقارنـة بـأي منطقـة أخـرى فـي العـالم، وتعـد السـعودية أكبـر منـتج ومصـدر للـنفط فـي العـالم، إذ يبلـغ احتياطهـا نحـو (264.3)مليـار برميـل وهـو مـا يشـكل نحـو(25%) مـن الاحتيـاطي العالمي، أمـا العــراق فيحتل المرتبة الثانية من حيث الاحتياطي النفطي في الخليج نحو(112.5)مليـار برميـل، ثم إيـران باحتيـاطي نفطي يقدر بنحو(98.7)مليار برميل. الى جانب ذلك تزخر المنطقة بالغاز الطبيعي الذي يصل الى نحو (30%) من الاحتياطي العالمي من الغاز، وبحســب وكالــة الطاقــة الدوليــة مــن المتوقــع أن يزيــد الطلــب علــى الغــاز الطبيعــي فــي منطقــة الشــرق الأوسط بأكثر من (70 %) بين عامي (2017) و(2035) في حين أنه من المتوقع أن يزيد الإنتاج بنفس النسبة([8]).

وقد احتلـت مسـألة تـأمين الـنفط جانبـاً كبيـراً مـن اهتمامـات كافـة الإدارات الأمريكيـة المتعاقبـة، نظراً لمـا يشـكله الـنفط مـن مصـلحة أساسـية للـولايات المتحدة، والقـوى الكبـرى عمومـاً بسـبب وجـود احتياطيـات بتروليـة ضـخمة ومؤكـدة سهلة الاكتشاف ومنخفضة التكاليف مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم. ووفقاً لبيانات وزارة الطاقة الأمريكية يبلغ حجم الإنتـاج الأمريكـي مـن الـنفط الخـام وسـوائل الغـاز نحـو(5.7) مليون برميل يومياً، وهو ما يشكل حوالي (9.8%) من الإنتاج العالمي، كمـا تبلـغ الاحتياطيـات الأمريكيـة المؤكدة من النفط نحو(4.3)مليار برميل بنسبة تبلغ(2.9%)من الاحتياطي العالمي، ومن المتوقـع أن يـزداد الطلب الأمريكي على النفط إلى نحو(29.1)مليـون برميـل يوميـاً عـام 2025، أي بزيادة سـنوية تبلـغ(1.7%) في المتوسط، ممـا يعنـي أنها ستضـطر إلـى تأمين أكثـر مـن ثلثـي احتياجاتهـا وتحديـداً (68%)منهـا بحلول العام (2025)، وعليه فقد أصبح من أولويات السياسة الأمريكية هو ضمان المحافظة على تدفق نفط الخليج العربي بشكل آمن وبأسعار معقولة، ومنع أية قوة دولية من التعرض لهذه المصالح، أو أن تكون منافسة له، هو ما تمثل في غزو واحـتلال العـراق عـام(2003) والـذي سعت فيه الولايات المتحدة الى السـيطرة علـى ثـاني أكبـر مخـزون نفطـي فـي العـالم والتحكم في تدفق هذا الاحتياطي ومن ثم التحكم في أسعار النفط في السوق العالمية والتـأثير علـى مستويات الطلب والعرض، ومن ثم إعادة ترتيب حصص الشركات المنتجة للنفط فـي العـراق، أي سـحب امتيـازات الشركات الروسية، وتتعامل الـولايات المتحدة مـع فكـرة "تحقيـق الاسـتقلال فـي مجـال الطاقـة "عبـر إتبـاع سياسـات متعـددة تـتلاءم مـع مصــالحها ومتطلباتها، لــذلك فقــد واجهــت تحـديات كبيـرة تتعلـق بتـأمين الطاقـة لأن انتاجهـا مـن الطاقـة لا يسـد الحاجـة المحليـة وبـذلك فهـي تسـعى إلـى تـوفير الإنتـاج الكـافي مـنها وبأسـعار مناسـبة. لكـن هـذا الأمـر يجعلهـا فـي مواجهـة منافسـة مـن قبـل قـوى كبرى على رأسها روسيا التـي تسـعى هـي الأخـرى لإحكـام سـيطرتها علـى المـوارد الاسـتراتيجية فـي المنطقة وعلى خطوط وطرق نقل هذه المنتجات الهيدروكربونية، إذ غيرت روسيا من سياستها تجاه منطقة الشرق الاوسط وسـعى رئيسها (فلاديمير بـوتين) إلـى عمليـة طـرق أبواب الشرق الأوسط مجدداً في محاولة منه لمزاحمة الولايات المتحدة، و كان ذلك عبر العديد من الزيارات واللقـاءات التي قام بها مع زعماء المنطقة، بالــرغم مــن أهميــة نفــط بحــر قزوين إلّا أن الرغبــة الروسية في إضعاف النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج تعزز أهمية نفط المنطقة([9]).

 مما تقدم، يتضح بأن حمّى التنافس الجيو-اقتصادي بين الولايات المتحدة وروسيا بدأ يتصاعد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين بصورة واضحة في المناطق المهمة من العالم، لاسيما تلك الغنية بالطاقة والموارد الطبيعية كالشرق الاوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، وهذه المنافسة آخذة بالتصاعد متأثرة بالظروف التي تمر بها تلك المناطق وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها، الامر الذي ينعكس بالنتيجة على سلوك هاتين القوتين الدوليتين فيها ويزيد من حدة هذا السلوك، والذي يمثل التنافس الاقتصادي احد ابرز وأهم جوانبه.    

 

 

(1) “Russia Country Report”, BTI Report 2016, The Bertelsmann Foundation, Gutersloh, Germany, 2016, p.22.

(2) Ibid, pp.22-23.

(3)See: ”Russia: The Long Journey to Recovery”, Russia Economic Report, No.35, World Bank Group: Microeconomic & Fiscal Management, World Bank, Washington DC, April 2016.

(4)See: ” BP Statistical Review of World Energy June 2015”, 64th  edition, Pureprint Group Ltd., London, June 2015.

(5) For more details, See: Elkhan Nuriyev, “The South Caucasus at the Crossroads: Conflicts, Caspian Oil and Great Power Politics”, University of California, 2007, pp.290-292.

(6) Michael Emerson, “Post-Mortem on Europe’s First War of the 21st Century”, Policy Brief, No. 167, Centre for European Policy Studies, Brussels, August, 2008, p.4.

(7) Ioana-Iulica Voicu & Madelaine Pepenel, “Energy Insecurity Crisis: The Case of Georgia”, European Journal of Interdisciplinary Studies, Vol.2, No.2,  The Academy of Economic Studies, Bucharest, Romania, December 2010, p.82.

([8] ) سليم كاطع علي، "التواجد الامريكي في الخليج العربي: الدوافع الرئيسية"، مجلة الدراسات الدولية، العدد(45)، جامعة بغداد، بغداد، 2010، ص136-137.

([9] ) عبدالرزاق بوزيدي، "التنافس الامريكي-الروسي في منطقة الشرق الاوسط: دراسة حالة الازمة السورية 2010-2014"، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الحقوق والعلوم السياسية-جامعة محمد خيضر، بسكرة، 2015، ص77-78.