الاستثمار في العراق: الفرص والمعوقات

تاريخ النشر : 2018-01-16

 

حسين عباس اصلان

رئيس قسم الدراسات الاقتصادية

 

شهد العراق في العام (2014)، متغيرات سريعة ومفاجئة تميزت باجتياح الجماعة الارهابية المتطرفة (داعش) وسيطرتها على نحو ثلث اراضيه في المحافظات الشمالية والغربية (نينوى، صلاح الدين، الانبار) واعلانها لما سُمي بـ"دولة الخلافة الاسلامية في العراق وبلاد الشام"، ومن ثم هزيمتها امام القوات الامنية العراقية واعلان النصر الحاسم في كانون الثاني من العام(2017) باسترداد كامل الاراضي العراقية التي تم اغتصابها من قبل التنظيم المتطرف. شهدت المدّة التي سيطر فيها تنظيم داعش(2014-2017) مجموعة من المتغيرات على الصعيد الدولي ابرزها ما شهدته الاسواق العالمية من انهيار اسعار النفط ووصولها الى مستويات متدنية لم تبلغها منذ نحو(13) عاماً، حيث هبطت الى نحو(30) دولار للبرميل الواحد من خام برنت، بعد ان وصلت اسعاراً قياسية بنحو(115) دولار للبرميل من العام نفسه، الامر الذي اصاب اقتصادات اغلب بلدان العالم لاسيما المصدرة للنفط بأزمة حرجة، كان العراق المتضرر الاكبر من هذا الانهيار بسبب اعتماد اقتصاده على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات وفي ظل الأزمة الامنية التي عانى منها والنفقات العسكرية الكبرى التي تحملها بسبب الحرب ضد داعش الارهابي، ومن ثم التداعيات التي خلّفتها تلك الحرب من دمار كبير للبنى التحتية في المدن والمحافظات المحررة بجانب ملايين من النازحين، الامر الذي يجعل مهمة تجاوزها تشكّل ابرز التحديات التي تواجه الحكومة العراقية القادمة في ظل أزمة اقتصادية ومالية وجهاز اداري يعاني الفساد والترهل.

 ومن هذا المنطلق، سعت الحكومة جاهدةً الى البحث عن انجع السبل والحلول لمواجهة تلك التحديات وتجاوزها وايجاد المعالجات الممكنة مستنفرة كافة الجهود وعلى مختلف الاصعدة الدولية والاقليمية والمحلية والتعاون مع القوى الكبرى والمنظمات الدولية والمانحين والخبراء الدوليين ودعوة مراكز الدراسات والابحاث الاقتصادية لإعداد الدراسات وتقديم المقترحات بخصوص ايجاد مصادر جديدة أو بديلة للدخل الوطني غير النفط. لاسيما وان العراق يمتلك ميزات وسمات مهمة من موقع جغرافي استراتيجي حيوي وثروات اقتصادية طبيعية متنوعة من الممكن استغلالها بصورة مُثلى والاستفادة منها في دعم قطاعات الاقتصاد الوطني وزيادة الانتاج والدخل القومي بما ينعكس ايجاباً على الواقع الاقتصادي والمعاشي والامني والتربوي للمواطن العراقي.

ان العراق بحاجة ماسّة الى اجراء اصلاحات جذرية مناسبة في قطاعات الاقتصاد المختلفة مع نظام اداري رشيد وهيكلية مالية قوية تتمتع بالمرونة في مواجهة الازمات المالية، واستكشاف فرص الاستثمارات، لاسيما وان العراق اصبح في السنوات الاخيرة ارضاً خصبة للمستثمرين حيث توجهت العديد من الشركات العالمية لاسيما في مجال النفط للعمل والاستثمار الامر الذي يدل على رغبة واضحة لرأس المال الاجنبي على الاستثمار في العراق.

وكما يقال بأن "رأس المال جبان" او كما يقول البعض "حكيم" وأن قرارات الاستثمار لا تحكمها العاطفة وإنما تحكمها الدراسات المعمّقة التي تستشرف إمكانيات الربح والعائد المرتفع وتقارن ذلك كله بالتكلفة وبالبدائل المتاحة في السوق ويسبق ذلك كله بالدرجة الاولىالتشريعات القانونية، الاستقرار والبيئة الآمنة التي تستدعي ما سبق.

 

فرص الاستثمار في العراق:

يتطلع العراق الى استقطاب الاستثمارات الأجنبية من جميع دول العالم ولا ينفتح على دولة دون أخرى، وان محاولات الحكومة في إيجاد بنية تشريعية متطورة وعالمية المستوى كان له الدور الأكبر في تشجيع الاهتمام العالمي بالاستثمار في العراق، وان هذا الاهتمام يزداد مع تحسن الاوضاع الامنية في مناطق البلاد كافة. وتبرز العديد من الفرص الاستثمارية والمشاريع التي من الممكن ان تكون بديلة او مساعدة في زيادة الموارد المالية للدولة العراقية، كما تبرز في الوقت نفسه بعض المعوقات التي تعرقل استثمار تلك الفرص، ويأتي في مقدمة تلك الفرص الآتي:

  1. قطاع الصناعة: بحسب المصادر الرسمية، تمتلك وزارة الصناعة العراقية نحو(65) شركة قائمة في مختلف القطاعات الصناعية و(240) معملاً صناعياً، معروضة جميعها للاستثمار الأجنبي على أساس الشراكة وليس البيع، إذ يقدّر حجم الاستثمارات المتوقعة بنحو(4) مليار دولار لإعادة تأهيلها. وعليه يجب التركيز على المعامل غير الكفوءة الخاسرة و خصخصتها جزئياً في قسمي الادارة والتسويق او استثمارها مع الحفاظ على ملكية اصولها للدولة كما يمكن لوزارة الصناعة إعادة تأهيل شركة البتروكيماويات، بالإضافة الى القطاعات الانشائية التي تحتل اولوية متقدمة في الاستثمار، وذلك نظراً للدمار الذي طال منشآتها ومرافقها، كما تشمل مشاريع التطوير وإعادة التأهيل كل القطاعات الصناعية الاخرى ومنها الدوائية.
  2. قطاع السياحة:ان احد الدوافع الاساسية للمستثمرين الاجانب للاستثمار في العراق هو تنوع المصادر، حيث ان العراق يمتلك ميزة التنوع في طبيعة القطاعات والمشاريع التي يمكن ان تكون مغرية لرؤوس الاموال الخارجية. فتنوع الفرص الاستثمارية والموارد الاقتصادية الغنية فيها كالسياحة الدينية وذلك لكثرة المراقد الدينية المهمة في العراق، وكذلك ثرواتها الطبيعية كالمسطحات المائية "الاهوار" والبحيرات ونهري دجلة والفرات.
  3. قطاع العقارات: ان الموقع الجغرافي للعراق من الناحية الدينية جعلت الاراضي الواقعة قرب العتبات المقدسة من اهم الأماكن في العالم في جلب رؤوس الاموال للاستثمار، اضافة الى بعض المدن الاخرى ذات الحركة التجارية القوية التي لا تقل عن اهمية المدن والمحافظات الاخرى ذات الطبيعة الدينية، ناهيك عن الحاجة الى بناء الالآف من الوحدات السكنية.
  4. قطاع البنية التحتية: لقد كان للزيادة في حجم القروض والمنح التي قدمها البنك الدولي للعراق دوراً مهماً في تشجيع الاستثمارات الاجنبية وتحسين المناخ الاستثماري في العراق، حيث قدم البنك الدولي قروضاً بملايين الدولارات في الفترة السابقة لتمويل مشاريع إعادة البنى التحتية في قطاعات التعليم والصحة والري والاتصالات والكهرباء والنفط والمواصلات.

 

معوقات الاستثمار في العراق:

تبرز بالمقابل العديد من المعوقات التي من الممكن ان تقف عائقاً في وجه أي عملية استثمار حقيقية يمكن ان تقوم بها اي جهة استثمارية اجنبية في العراق، ويأتي في مقدمة تلك المعوقات الآتي:

  1. المشكلة الامنية التي تعد من ابرز التحديات التي تواجه الشركات المستثمرة، اذ تواجه الحكومة العراقية تحدياً أمنياً تشهده العديد من المحافظات العراقية يتمثل بالنزاعات العشائرية او التدخلات العشائر والمتنفذين في مجال عمل الشركات العالمية، اضافة الى خطر انتشار الجريمة المنظمة والجماعات الخارجة عن القانون وقيامها بفرض الاتاوات على الشركات وتهديد مصالحها وعمالها في حال عدم دفع تلك الاتاوات، الامر الذي دعا العديد من الشركات العالمية الى صرف النظر عن العمل والاستثمار في العراق.
  2. القوانين والتعليمات وما يتعلق منها بتخصيص الاراضي لإقامة المشاريع الاستثمارية المهمة وما له صلة بملكية الاراضي واجراءات الحصول على الاقامة وسمة الدخول للأجانب الى العراق وكذلك تسجيل الشركات، إذ لابد على الحكومة العراقية اعادة النظر في تلك القوانين، بما يقدم ضمانات للمستثمرين الاجانب ويوفر الظروف والبيئة الاستثمارية المناسبة ومن ثم يشجع على اقامة المشاريع الكبرى التي ينعكس مردودها بشكل ايجابي على الاقتصاد الوطني.
  3. الاجراءات البيروقراطية والروتين الحكومي القاتل الذي يشكل عقبة كبيرة بوجه الاستثمار الاجنبي، وامتناع المؤسسات الحكومية المختلفة عن تقديم التسهيلات التي تساعد في تنفيذ المشاريع الاستثمارية في ظل انتشار آفة الفساد المالي والاداري التي تسببت في ظهور حالات التلاعب بالقوانين والالتفاف وتفشي الرشوة والفساد واعاقة ذلك للاستثمار والتنمية.
  4. تخلف الانظمة المصرفية الحكومية والاهلية وعدم تعاونها في دعم قطاع الاستثمار والمستثمرين، والحاجة الملحة الى اصلاح القطاع المصرفي بشكل جذري واعادة النظر في انظمته وطبيعة عمله.
  5. تخلف الهياكل الاساسية للاقتصاد والبنى التحتية الضرورية لتنمية الاقتصاد الوطني وعدم كفاءة قطاعات الكهرباء والطاقة ووسائل الاتصال والمواصلات والخدمات الانتاجية ومشاريع الاسكان اللازمة لتحريك عجلة الاقتصاد بجوانبه المختلفة، بالإضافة الى ضعف اعداد وتدريب الكوادر لبيشرية العراقية.
  6. فقدان الثقة بين الشركات المستثمرة و الجهات الحكومية المتمثّلة في بعض الوزارات التي تشهد عدم الشفافية في منح الاستثمار أوفرض مبالغ مالية مقابل إحالتها الى شركات محدده.

أجراءات مستقبلية :

  1. على المدى القريب والعاجل لابد من ايقاف استيراد والتجهيز من السلع الاجنبية المستوردة الممكن انتاجها او صناعتها محلياً، وعن طريق القطاع الحكومي او الخاص مثل (الورق الكارتوني، المطبوعات، الاسمدة الكيماوية والعضوية، المواد الانشائية، الطابوق، بعض اعمال الحدادة ،السباكة، الاثاث المكتبي، المنتجات الزراعية الفائضة و المعلبات) ويراد من هذه العملية تدوير عجلة الاقتصاد الداخلي وتلافي حالة التدهور وارتفاع نسبة البطالة.
  2. على المدى المتوسط اعادة تنظيم المناقصات والمزايدات العلنية وعقود التجهيز في المؤسسات الحكومية والتعاقد مع القطاع الخاص بما يضمن اشراك أكبر شريحة من المستثمرين المحلين.
  3. على المدى البعيد فان الاقتصاد السليم يكمن في بناء مؤسسات اقتصادية سليمة وفعالة، تسهم في ايجاد فرص للاستثمار وخلق بيئة جالبة للرساميل الاجنبية، واتباع سياسات تنموية سليمة تخلق مناخ من الثقة للشركات، ولابد للعراق الاستفادة من تجارب دول العالم وخبراتها في مجال جذب رؤوس الاموال الى البلاد، إذ تقدّم التجربة التركية على سبيل المثال في مجال الخصخصة والاستثمار مثالاً ناجحاً لما قامت به من جذب شركات عالمية كبرى الى الارض التركية واستثمار مليارات الدولارات في مختلف قطاعات الدولة الامر الذي انعكس بصورة ايجابية على الاقتصاد التركي. فالعراق لاسيما بعد نجاحه في التخلص من الارهاب اصبح محط تطلعات الدول والشركات الكبرى التي ما برحت تستطلع مجالات الاستثمار في هذا البلد الغني بثرواته المختلفة، وهذا ما اشارت اليه دلالات مؤتمر لندن الذي عقد في تموز العام(2017) بلقاء ممثلوا وزارات عراقية وبريطانية ومؤسسات وشركات متعددة من الجانبين، بحثت في فرص الاستثمار الكبرى المتاحة على الارض العراقية، والتي يمكن ان تنهض بالعراق واقتصاده وتتجاوز محنة ما حل به من ارهاب وتدمير للبنى التحتية ليعود العراق من جديد قوياً معافىً ويأخذ دوره الطبيعي بين دول العالم وشعوبه.