المملكة العربية السعودية... اسباب ونتائج توجهها نحو العراق

تاريخ النشر : 2017-12-03

تشهد العلاقات السعودية العراقية تحسناً ملموساً على أكثر من صعيد، بعد أكثر من ربع قرن من الانقطاع والتأزم الذي ساد العلاقة بين البلدين، وقد أظهر قادة البلدين قدرة على تجاوز الخلافات، أو ترحيلها، ومقاومة الضغوط المحلية والإقليمية، اذ كانت العلاقة بين الدولتين قد انقطعت منذ الاجتياح العراقي للكويت 1990 في عهد النظام البائد ، واستمر التوتر بعد تحرير العراق 2003، وستمر الخلاف بين المملكة العربية السعودية والعراق الى بدايات العام 2016، و مع تسلم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لمنصبه ، و وصول الملك سلمان و نجله ولي العهد محمد بن سلمان الى ولاية العهد تغيرت طبيعة العلاقة وظهر استعداد من كلا الطرفين لفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين مبنية على حسن الجوار والمصالح المشتركة، ومدفوعة بضرورة مواجهة المخاطر الامنية التي تهدد البلدين ، والرغبة في تحسين الاقتصاد القومي لكل بلد.

 

مسير تطور العلاقات السعودية العراقية.

مرت علاقات بغداد مع الرياض بفترات تميزت مرة بالتقارب وأخرى بالتباعد، فبعد أن كانت قبل عام 1990 متميزة وقوية، حدثت قطيعة بينهما بعد ذلك التاريخ نتيجة اجتياح العراق الكويت، ثم عادت وتحسنت بعد عام2003 عندما تحرر العراق من سيطرة البعث وبدأت بوادر التحسن في العلاقات تضهر مع بدايات في عام 2006 وتحديداً في تموز من ذلك العام عندما قام رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بزيارة الى المملكة العربية السعودية و اتفق مع ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز على إعادة العلاقات بين البلدين، لكن بقيت العلاقات راكدة تتعرض الى الشد والجذب بين الطرفين، و مع تسلم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي منصبه عام 2014، اذ حاول ترطيب العلاقات من اجل إعادة علاقات العراق بمحيطه العربي وخاصة الخليجي و سعياً منه للحصول على دعم هذه الدول لأحداث الاستقرار في البلاد، ودعم الحرب الذي قادتها القوات العراقية ضد تنظيم داعش الارهابي. وبالفعل بدأت بوادر سعي العبادي بالظهور في كانون الأول 2015 بعد انقطاع دام أكثر من 25 عاما، حيث تم الإعلان عن افتتاح السفارة السعودية بالعراق وأرسلت الرياض سفيرها (ثامر السبهان)، لكن لم يستمر السبهان في عمله نتيجة بعض تصريحاته الطائفية اذ طلبت الحكومة العراقية من السعودية سحب سفيرها من بغداد بعد أن تدخل بالشؤون الداخلية في آب 2016، وفي أيار2016 تسلَّم العراق دعوة رسمية من المملكة العربية السعودية لحضور اجتماع القمة العربيَّة الإسلامية- الأمريكية. وفي حزيران من نفس العام زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي السعودية، وأجرى مباحثات مع الملك سلمان بن عبد العزيز، واتفق وفدا البلدين في ختامها على تأسيس (مجلس تنسيقي) للارتقاء بعلاقاتهما إلى المستوى الاستراتيجي. في هذه المدة اصبحت بوادر الارتقاء بالعلاقات بين البلدين واضحة للعيان ، وفي 17 تموز 2017 زار وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي، المملكة العربية السعودية، على رأس وفد من وزارة الداخلية، تلبية لدعوة رسمية تلقاها من الرياض. وتناولت المحادثات مناقشة ملفات عديدة، أبرزها ملف المعتقلين والمنافذ الحدودية، حيث قررت وزارتا داخلية العراق والسعودية تشكيل لجان لتأمين الحدود بين البلدين، التي تمتد مسافة 814 كيلومتراً، ومكافحة المخدرات.

وفي رغبة السعودية لتقوية علاقات مع العراقية ونزولاً عند رغبة الاخير في تبديل سفيرها لدى العراق استبدلت المملكة سفرها السبهان بالسفير عبد العزيز الشمري في تشرين الأول 2016، وهذا ما يدل على ان المملكة السعودية كانت تريد اعادة العلاقات مع العراق وبالفعل تبعتها زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الى بغداد في25 شباط 2017، وكانت أول زيارة لوزير خارجية سعودي للعراق منذ نحو 27 عاما، وفيها سلم الجبير دعوة رسمية من الملك سلمان بن عبد العزيز للعبادي بزيارة المملكة، وبالفعل لبى العبادي الزياره سعيا منه لتفعيل العلاقات العراقية السعودية وإدراكا منه ان العراق لابد ان يعود الى محيطة الخليجي والعربية بشكل قوي وتطبيقاً لسياسة خارجية التي تقتضي بالوسطية وعدم الانتماء الى اي محور من المحاور المتصارعة في الشرق الاوسط، وسعياً لإقناع الرياض بالاستثمار في البلاد والمساعدة في إعادة إعمار العديد من المدن التي دمرتها الحرب ضد تنظيم داعش الارهابي. وبالفعل قام رئيس الوزراء العراقي بزيارة المملكة العربية السعودية على راس وفد كبير من الوزراء في 19 حزيران 2017 والتقى الملك في مسعى لاعادة العلاقات العراقية السعودية الى مسارها الصحيح نتج عن اللقاء انشاء مجلس التنسيق العراقي السعودي. ومن ثمار هذه الزيارة ايضاً اعلان وزير النقل العراقي كاظم فنجان الحمامي في تموز 2017 أن بلده والسعودية اتفقا على إعادة فتح المنافذ الحدودية بينهما في أيلول 2017، وإعادة تشغيل خط سكة الحديد المتوقف منذ عقود والاتفاق أيضا على استئناف حركة الطيران بينهما.

 وعلى صعيد عودة العلاقات والرغبة العراقية بفتح صفح جديدة في سجل تاريخ العلاقات زار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر السعودية بدعوة رسمية، وكانت الأولى له منذ آخر زيارة قام بها للرياض قبل 11 عاما، وقد التقى الأمير محمد بن سلمان في جدة، حيث تم استعراض العلاقات بين البلدين وعدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك.

في 21 تشرين الأول 2017 قام رئيس وزراء العراق العبادي بزيارة ثانية الى المملكة العربية السعودية على رأس وفد حكومي كبير ضم العديد من الوزراء ووكلاء الوزراء وعشرات المستشارين للتوقيع على اتفاقية التنسيق المشترك. وحضر التوقيع الملك ووزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون. وكان هذا اللقاء هو اللقاء الاول للمجلس التنسيقي العراقي السعودي.

Description: C:\Users\ncss4\Desktop\NB-219439-636443361530460168.jpg

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسباب تطوير العلاقات السعودية العراقية

يمثل الجوار الجغرافي للبلدين، وتشاركهما في حدود برية تقدر بـ 814 كيلومتراً، والروابط الدينية والقومية والاجتماعية، واستحقاقات المصالح والتحديات الأمنية؛ عوامل تفرض على قيادة الدولتين تطبيع علاقاتهما وتطويرها بما يعود بالإيجاب على البلدين وشعبيهما.

دوافع السعودية من تقوية علاقاتها مع العراق.

هناك عدة دوافع سياسية واقتصادية وامنية دفع البلدين في هذا الوقت بالتحديد الى تفعيل العلاقات العراقية السعودية اهمها الاتي :-

 اولا :  الدافع السياسي. تعي المملكة العربية السعودية ان انصار العراق على عصابات داعش الارهابي ، سيعقبه بدء تشكيل خرائط نفوذ سياسية جديدة لواقع المشهد السياسي  في العراق، وفي المنطقة عموماً، وهي مرحلة ترغب الرياض في أن تكون جزءًا منها ومن ترتيبات المصالح الجيوسياسية في العراق باعتباره جاراً إقليميًّا مهماً لا  تريد ان يكون النفوذ الايراني فيه قوي، نفوذ ضاغط على السعودية وجاراتها من دول الخليج، ولا تريد تكرار خطأها بشان تركها العراق بعد التحرير عام 2003، وتحاول السعودية وفقًا لهذا الهدف ليس فقط استعادة نفوذها في العراق عبر الشراكة الاقتصادية، وإنما أيضًا عبر ترقية هذا النفوذ ليحقق قفزات نوعية تنقله الى مرتبة الشراكة السياسية والاستراتيجية ، مستغلة في ذلك عدة عوامل: الأول، وزنها وثقلها السياسي والديني لدى العشائر السنية العراقية، والذي تراجع على مدار السنوات الماضية، والثاني. انتهاز فرصة التوتر الذي تشهده العلاقات الأمريكية الإيرانية للتأكيد على أهمية الدور السعودي في العراق، الذي تروج بمقتضاه الرياض لفكرة أنها تقف على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية العراقية شيعة كانوا أو سنة، دون تحيزات أو استقطابات دينية أو طائفية. أما الثالث. استغلال الضغط الامريكي على الحكومة العراقية بضروة تقليل اعتمادها على ايران و تفعيل العلاقات الامريكية العراقية والعراقية السعودية. رابعاً. ان ولي العهد محمد بن سلمان الذي يقود البلاد الان بدل ولده الملك سلمان بسب سوء صحته، يحمل افكار معتدلة وليست متطرف ويضع العامل الديني(الوهابي) بعيداً عن السياسية الخارجية، مقربا الاعتبارات او الجانب الاقتصادية على بقية العوامل، هذا من جانب ، و من جانب اخر فان القيادة في المملكة ترى في رئيس الوزراء حيد العبادي رجل وسطي معتدل ليس له اي ممارسات طائفية وهو يقف على مستوى واحد من الشيعة والسنة وبقية مكونات العراق، وبالتالي هم يريدون العمل معه بتفعيل العلاقات العراقية السعودية.  

ثانيا: الدافع الاقتصادي. اقتصادياً تدرك المملكة ان العراق سوق استهلاك كبير وهذا السوق مقسوم بين البضائع التركية والايرانية، وبالتالي ان المملكة كجار للعراق تريد حصتها الاقتصادية من السوق العراقية وخاصا، اذ ما اخذنا بعين الاعتبار ان العراق مقبل على مرحلة اعمار كبيرة بعد هزيمة عصابات داعش، و من جانب اخر السعودية وفق رؤية محمد بن سلمان 2030 تطمح بأن تكون بلداً صناعياً وتقلل من اعتمادها على مبيعات النفط ، وصناعتها القديمة او الناشئة تحتاج الى سوق جديد والعراق هو السوق الاقرب والاهم بين البلدان العربية والخليجية، اضف الى ذلك ان المملكة تحتاج العراق بالمرحلة الحالية من اجل التنسيق والتعاون في السياسات النفطية من اجل المحافظة على سعر النفط بعد موجات الهبوط عام 2016 .   

 

Description: C:\Users\ncss4\Desktop\554752.jpg

 

 

دوافع العراقية من تقوية علاقاتها مع السعودية.

اولا: الدافع السياسي. عانت الحكومة العراقية بعد العام 2003 شبه عزله في علاقتها مع محيطها العربي، جراء تخوف الدول العربية من التجربة العراقية وطبيعة تكوينها واتهامها من قبل بعض الدول بالتبعية لايران و بتبني سياسات طائفية، ولذا فهي تسعى من خلال تطوير علاقتها مع السعودية إلى زيادة فعاليتها في محيطها العربي، من اجل ان يحقق لها الاستقرار والمصالح المشتركة.

كذلك لابد من الاشارة الى أن السياسية التي ينتهجها رئيس الوزراء العبادي هي سياسة الوسطية وعدم التخندق  او الانتماء لمحور على حساب محور اخر، سياسة خارجية يسودها الاعتدال والانفتاح على جميع الدول العربية والإقليمية والدولية.

ثانيا: الدوافع الاقتصادية. يعاني العراق من النتائج السلبية على اقتصاده من جراء استمرار إغلاق حدوده مع السعودية، ومع سوريا؛ نتيجة تدهور الأمن، وفقدان الدولتين السيطرة على الحدود، كما يعاني العراق ضعف البنية التحتية، والإخفاق في ملف إعادة الإعمار، وتدهور الأوضاع الاقتصادية وانعكاساتها على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان وعلاقتهم بالحكومة، لكل ذلك وغيره تراهن الحكومة على أن ينعكس تطوير علاقة العراق بالسعودية إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية والخدمات في العراق، كما تراهن على دور السعودية في إعادة الإعمار والاستثمار، وأن تقتدي بها دول عربية، ومن ثم ينعكس ذلك إيجاباً على تطبيع الحياة للمواطنين والاستقرار الأمني.

 

ختاماً يمكن القول ان العلاقات العراقية السعودية ستشهد تحسن كبير نتيجة عدة امور اهمها ان القيادتين في العراق والسعودية لديها رغبة جادة في فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، والاستفادة من الفرص السياسية والاقتصادية والامنية التي تنتج عن تلك العلاقة، إضافة الى ان الاستراتيجية الامريكي الجديد في المنطقة إحدى اهدافها الرئيسة هي ارجاع العراق الى محيطة العربي الخليجي وتوثيق العلاقات العراقية السعودية، اذن المصالح السياسية والاقتصادية والامنية تدفع البلدين الى توثيق العلاقة بين البلدين من اجل رسم خريطة جديدة للشرق الاوسط بعد هزيمة عصابات داعش في العراق و سوريا.

 

 

 

 

                                                                                      د. مصطفى كامل

                                                                               قسم الدراسات السياسية