ترامب ومواجهة التحدي الروسي: بين مطرقة التصعيد وسندان التهدئة

تاريخ النشر : 2017-10-20

د. أحمد يوسف كيطان
قسم الدراسات السياسية
توقع اغلب المختصين في الشأن السياسي أن وصول الرئيس ترامب الى الحكم، سيبعث نوعاً من الدفيء في العلاقات الامريكية-الروسية، هذه العلاقات التي ازدادت بروداً عما كانت عليه في العقدين السابقين بعد انتهاء الحرب الباردة، لاسيما بعد المديح الكبير الذي ما برح الرئيس ترامب يكيله اثناء حملته الانتخابية العام الماضي الى شخص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واعجابه به ووصفه اياه بــالشخص “القوي” و”الموهوب” والتصريح باستعداده للانفتاح نحو بناء علاقات افضل مع روسيا، وهو ما جعل الكثير يعتقد ان فترة رئاسة ترامب ستشهد علاقات من نوع آخر مع روسيا وتقارباً لم تشهده اي فترة سابقة، لكن تلك التوقعات سرعان ما اختلفت بصورة كبيرة بعد وصول الادارة الامريكية الجديدة، إذ فرضت روسيا نفسها كتحدي رقم واحد في سلم اجندة السياسة الامريكية، لاسيما بعد اتهامات اجهزة الاستخبارات الامريكية لروسيا بتدخلها في انتخابات الرئاسة الامريكية لصالح حملة الرئيس ترامب، بعد فضيحة “اختراق” البريد الشخصي لمرشحة الرئاسة عن الحزب الديمقراطي(هيلاري كلينتون) ورئيس حملتها الانتخابية(جون بوديستا)، وهو ما انعكس بصورة واضحة على سير هذه الانتخابات لمصلحة المرشح الجمهوري دونالد ترامب.
لقد فرضت قضية التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية نفسها بصورة كبيرة منذ الشهور الاولى لتسلم الرئيس ترامب، واثارت جدلاً كبيراً في الاوساط الرسمية والشعبية الامريكية على حدٍ سواء، إذ بدأت سلسلة من التحقيقات الرسمية طالت مسؤولين امنيين وشخصيات مقربة من الرئيس ترامب، انعكست اصدائها على الشارع الامريكي الذي اصبح نحو(31%) منه يعتقد أن روسيا تعد الخطر الخارجي الاول على الولايات المتحدة بعد ان كانت نحو(23%) في نهاية فترة رئاسة اوباما، في مقابل نحو(22%) و(9%) من الشعب الامريكي يعتقد ان كُلاً من كوريا الشمالية وايران على التوالي تشكلان الخطر الاول على المصالح الامريكية. وقد ارتفعت نسبة المعارضين لروسيا بصورة واضحة في غضون اقل من عام، ليس في اوساط الجمهوريين فحسب بل في اوساط الديمقراطيين الذين بدوا اكثر ميلاً من ذي قبل الى نهج متشدد حيال روسيا الاتحادية، الامر الذي ادى الى حدوث شبه اجماع لدى الكونغرس الامريكي بفرض عقوبات جديدة على روسيا، وهو الامر الذي سينعكس سلباً على مستقبل العلاقات بين البلدين ويدفعها نحو التصعيد في قضايا وازمات في مناطق اخرى من العالم، يأتي في مقدمتها الشرق الاوسط واوروبا الشرقية.
ومنذ الايام الاولى لتسلم الرئيس ترامب السلطة، سعى الى اتباع سياسة توازن بين تطلعاته بالتعاون مع روسيا وتحسين العلاقات معها، وبين ضغط معارضيه في الكونغرس لتبنّي نهجاً متشدداً حيالها، فعمل ترامب على النأي بنفسه بعيداً عن اي شبهات تورط في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية، وحرص على اظهار نوع من التشدد حيال روسيا، فالضربة الجوية على مطار الشعيرات وكذلك اسقاط طائرة تابعة لقوات الرئيس بشار الاسد حليف روسيا في سوريا، وزيادة الوجود العسكري الامريكي في شرق اوروبا فضلاً عن المحافظة على العقوبات الامريكية السابقة على روسيا صبت كلها في هذا الاتجاه.
بالمقابل، أقرّ الكونغرس الامريكي في 25تموز الماضي بأغلبية ساحقة مشروعاً لفرض عقوبات اقتصادية جديدة ضد روسيا وايران وكوريا الشمالية، والتي اضطر البيت الأبيض الى تأييدها على الرغم من انتقاد الرئيس ترامب لسلوك الكونغرس الامريكي واصداره لقانون يقيد من حرية الرئيس بهذا الخصوص، الامر الذي خلق نوعاً من الاختلاف وعدم التوافق بين الرئيس والكونغرس حول السياسة الامريكية حيال روسيا. من جانبها ردت روسيا بطرد(755) موظف امريكي في السفارة الامريكية في موسكو، وهددت باتخاذ اجراءات اخرى في حال اي تصعيد امريكي، كما استنكر رئيس وزرائها(مدفيديف) هذه التطورات بالقول: “إن شرعنة نظام العقوبات ضد روسيا تعني استمراره على مدى عقود ما لم تحدث معجزة”، مشيراً إلى “أن قانون العقوبات الجديد أشد من قانون(جاكسون فينيك) الذي فرضه الكونغرس الامريكي على الاتحاد السوفياتي السابق في العام(1974)، لأن القانون الجديد يحمل طابعاً شاملاً ولا يمكن إلغاؤه عبر أوامر رئاسية من دون موافقة الكونغرس”.
إن هذه الانقسام في موقف الادارة الامريكية الجديدة حيال العلاقة مع روسيا، يفرض على الرئيس ترامب ضرورة الخروج من حالة التخبط وعدم الوضوح التي يعانيها في التعامل مع روسيا، وتبني استراتيجية محددة تجاهها يتمكن عن طريقها من استعادة زمام المبادرة داخلياً –تجاه الكونغرس- أولاً، وخارجياً تجاه الملفات والقضايا الدولية التي تكون روسيا طرفاً فيها ثانياً، وذلك من خلال الآتي:
اولاً: بناء مقاربة واضحة ومحددة ومقبولة من الكونغرس حيال قضايا العالم وازماته المهمة لاسيما الأزمتين السورية والاوكرانية -والتي ما برحت الجرأة الروسية تختبر مصداقية الولايات المتحدة وحلفاؤها الاوروبيين ومدى جديتهم في التعامل مع هذين الملفين الخطرين- تقوم هذه المقاربة بالدرجة الاولى على تحليل دقيق لدوافع روسيا وأهدافها واستراتيجيتها، إذ تُعد روسيا قوة كبرى غير قانعة بوضعها الراهن تتطلع إلى تغيير النظام الدولي بما يضمن استعادة قوتها ومنزلتها السابقة، وتسعى الى تقليص الدور الأمريكي في النظام الدولي، بالتالي يجب على الولايات المتحدة استعادة عنصر المبادرة والتصدي للاستراتيجية الروسية تجاهها وتقييد حركتها ومنع انفرادها وعدم تمكينها من تحقيق اي مكاسب استراتيجية في الشرق الاوسط وأوروبا الشرقية وتكبدها تكلفة استراتيجية باهظة.
ثانياً: حشد الدعم اللازم لحلفاء الولايات المتحدة في جميع انحاء العالم والالتزام بصورة اكبر بالدفاع عنهم، واستعادة الثقة بالحليف الامريكي والتي تزعزعت بصورة كبيرة خلال فترة ادارة الرئيس اوباما، بصورة دفعت هذه الدول الى تبني مواقف اكثر ليناً وتساهلاً مع روسيا، بالتالي يتعين على الولايات المتحدة اظهار التزامها بالردع، وعزمها على احياء تحالفاتها القديمة، وتحفيز حلفاؤها على زيادة نفقاتهم الدفاعية سواء في اطار الحلف الاطلسي او في اطار الشراكات الدفاعية مع الدول الاخرى.
ثالثاً: ردع روسيا في الفضاء السيبراني ومنعها من استخدام هذا السلاح بفعالية ضد الولايات المتحدة، والحيلولة دون تكرار ما حصل من تدخل روسي في الانتخابات الأمريكية، وذلك من خلال إصدار أوامر بمراجعة التدخل الروسي وتعزيز الدفاعات الأمريكية للتصدي لمثل هكذا محاولات تخريب روسية، فروسيا أنشأت(وكالة أبحاث الانترنت)، أو ما يُعرف باسم “جيش المتصيدين-Troll Army”، وهو قسم تابع لوكالة الامن الاتحادي الروسي يقوم بمهمة شن الهجمات الالكترونية على المواقع الحكومية للخصوم، واختراق الحسابات والبريد الالكتروني، ونشر الشائعات وتظليل الحقائق لدعم الموقف الروسي وتوجيه الرأي العام ضد الخصوم .
رابعاً: الانخراط بفاعلية في الشرق الاوسط عن طريق تعزيز الدور الامريكي في أزمات المنطقة وقضاياها، فتراجع الدور الامريكي في المنطقة خلق فراغاً سارعت روسيا بملئه واستغلال نقاط الضعف لتحقيق مصالحها وتكثيف وجودها العسكري في المنطقة، بالتالي يجب على الولايات المتحدة زيادة وجودها العسكري ونشاطاتها في المنطقة وارسال رسالة واضحة لروسيا بأن للولايات المتحدة خطوطاً حمراء لا تسمح بتخطيها.

مما تقدم، نستنتج أنه وفي ظل المعطيات الحالية لا يبدو أن العلاقات الامريكية مع روسيا في طريقها الى التهدئة، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأميركي(ريكس تيلرسون) بالقول: “إن العلاقات بين واشنطن وموسكو تمر بأسوأ مراحلها منذ انتهاء الحرب الباردة، وذلك في ظل تنامي خصومات الجانبين في العديد من الملفات”، فروسيا لن تتخلى عن نفوذها في شرق أوكرانيا ولا عن مكاسبها التي حققتها في سوريا، إذ تعد أوكرانيا جزءً من دائرة الامن القومي الروسي، بينما يضمن حضورها القوي في سوريا موطئ قدم جديد لروسيا في منطقة الشرق الأوسط تتمكن من خلاله من مزاحمة النفوذ الامريكي فيها، ولن يكون هذين الهدفين قابلين للمساومة او التفاوض من قبل روسيا، هذا بجانب استمرارها بدعم اعداء الولايات المتحدة كإيران وكوريا الشمالية سياسياً وعسكرياً، الامر الذي سيفتح الباب أمام المزيد من التصعيد في مواقف الطرفين حيال القضايا والازمات الدولية سواء في اوروبا الشرقية أو الشرق الاوسط أو الشرق الادنى، وهو ما ينذر بمخاطر كبيرة تهدد امن واستقرار العالم.