صراع النفوذ الخليجي… ازمة العلاقات الخليجية القطرية

تاريخ النشر : 2017-10-20

فتحت المعركة الإعلامية التي شنتها وسائل إعلام سعودية وإماراتية على دولة قطر يوم الثلاثاء 5/ حزيران، ملف الخلافات الخليجية – الخليجية بعيد نسب تصريحات هجومية إلى الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني وردت على وكالة الأنباء القطرية (قنا)، والتي أكد الجانب القطري اختراقها وتوعد بإجراء تحقيق في ذلك، إلا أن الإعلام السعودي والإماراتي آثر الاستمرار في الحملة على قطر وكأن نفيًا لم يصدر.

تطورت هذه الأحداث إلى حجب السعودية والإمارات عدة وسائل إعلام ومنشورات قطرية على رأسها شبكة قنوات الجزيرة، تلتهما مصر والبحرين في أمر حجب عدة مواقع إلكترونية بدعوى دعمها الإرهاب، وهو الأمر الذي يُشير إلى تصاعد وتيرة الأزمة بصورة غير مسبوقة عن ذي قبل، ثم الحقه قطع عدة دول للعلاقات مع دولة قطر، إذ بدأت هذه الموجة بالبحرين، ثم السعودية ومصر ولحقت بهم الإمارات، ثم جاءت ليبيا واليمن بعد ذلك، وأخيرًا المالديف، ومازال القوس مفتوحًا، لم يقتصر الأمر على قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع دولة قطر، بل إن السعودية بالإضافة إلى باقي الدول التي اتخذت نفس الموقف، قررت إغلاق كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية، ومنع العبور من الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية السعودية، كما أن المملكة أكدت أنها بدأت التفاهم مع الشركات الدولية لتطبيق ذات الإجراء بأسرع وقت ممكن لكافة وسائل النقل من وإلى دولة قطر.

إنّ الخلافات والاختلافات الداخلية بين دول الخليج ليست شيئًا جديدًا، لكن ما يثير الاهتمام هو التوقيت( زيارة ترامب للمنطقة) ومستوى الضغوطات غير المسبوق و التطورات السرية للاحداث. وهذا يظهر رغبة سعودية- إماراتية بمباركة امريكية في خضوع قطر بشكل كامل.

اذن سنتحدث في هذه الورقة عن تاريخ الخلاف القطر مع دول الخليج واسباب الخفية المعلنة والخلفية الحالي بين دول الخليج وقطر والاضرار المترتبة عن هذا الخلاف، وشروط السعودية لحل الازمة الخليجية القطرية، والمشاهد المستقبلية للخلاف.

 

1-    الجذور التاريخية للخلاف الخليجي القطري.

المشهد الحالي في الخليج المعقد بدوره، والمتأثر بعدة متغيرات إقليمية ودولية، ناهيك عن الترتيبات الداخلية في الأسر الحاكمة، له جذورًا تاريخية لا يمكن تجاهلها بأي حال.

إذ يذكر التاريخ أن كلاً من السعودية والإمارات حاولت احتواء إمارة قطر في مهدها قبيل التأسيس على الحدود الحالية، ثم دخلت هذه الدول في صراعات حدودية بعد ذلك مع قطر بعد التأسيس، وسرعان ما تحول الأمر إلى صراع خليجي مكتوم بعد إرساء عدة تحالفات خليجية مع الولايات المتحدة وبريطانيا.

فعندما قرر الاحتلال البريطاني الرحيل عن شبه الجزيرة العربية أو بمعنى جغرافي آخر الخليج العربي في عام 1968 نتيجة ضغوط داخل البرلمان بخصوص الميزانية، بدأت القبائل العربية آنذاك محاولة تشكيل تحالفات لكسب حدود جديدة، والتي ستنتج عن الفراغ البريطاني.

سعى راشد آل مكتوم شيخ إمارة دبي، ومعه زايد آل نهيان شيخ إمارة أبو ظبي إلى إقامة تحالف واسع من القبائل في هذه المنطقة لتوحيدها في دولة واحدة قبيل رحيل بريطانيا، ضمت هذه المحاولات الإمارات السبع التي تشكل دولة الإمارات العربية المتحدة الحالية (دبي – أبو ظبي – عجمان – رأس الخيمة – الفجيرة – الشارقة – أم القيوين) بالإضافة إلى (قطر – البحرين)، ولكن الأخيرتان انفصلتا عن هذا الاتحاد، وأعلنت كل منهما دولة مستقلة.

قبيل ذلك كانت السعودية تطالب بضم قطر إليها باعتبارها جزء من إقليم الأحساء، واستمرت السعودية في هذه المطالب، حتى تدخلت بريطانيا لكبح جماح السعوديين عن قطر، لتعترف السعودية بحدود قطر، فيما بقي مناطق متنازع عليها بين الطرفين، إلى أن وقعت السعودية وقطر في العام 1965 اتفاقية ترسيم للحدود، لكنها لم تقض على المشكلة بعد، لا سيما بسبب حقوق التنقيب عن النفط.

حاولت السعودية محاصرة قطر بعد ذلك في صفقة قامت بموجبها المملكة بالتنازل عن أجزاء من “واحة البريمي” للإمارات العربية المتحدة، وذلك في مقابل الشريط الساحلي المعروف بـ”خور العديد” والذي أصبح حاجزًا حدوديًا طبيعيًا بين قطر والإمارات، وبذلك أصبح على القطريين أن يمروا بأراض سعودية للوصول إلى الإمارات بدلًا من أن تكون هناك حدود مشتركة ومباشرة بين قطر والإمارات، في تدخل سعودي واضح لتغيير الحدود القطرية.

لم يكن الخلاف بين قطر وجيرانها السعوديين والإماراتيين فقط، بل طال أيضًا الجارة البحرين، وتحديدًا النزاع على منطقة الزبارة التي كانت تابعة للبحرين، والواقعة ضمن شبه الجزيرة القطرية في الناحية الشمالية الغربية منها، علمًا بأن الخلاف مع البحرين يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر إثر الحرب القطرية البحرينية.

وفي العام 1939 قررت بريطانيا القوة الاستعمارية السابقة في المنطقة، منح جزر حوار إلى البحرين، التي حولتها إلى موقع سياحي ولكن قطر لم تعترف بالقرار البريطاني في ذلك الوقت. ووفقًا للرواية البحرينية، فإن قطر لم تكتف بانتزاع الزبارة المقر الأصلي لآل خليفة الأسرة الحاكمة في البحرين، بل سعت للسيطرة على مجموعة جزر حوار وفشت الديبل وجزر أخرى صغيرة تابعة للبحرين تشكل في مجموعها ثلث مساحة البحرين.

ولكن مرة أخرى تتدخل بريطانيا لتسوية نزاع حدود خليجي آخر كاد أن يشتعل مرة أخرى في العام 1986 إذ كاد أن يتطور إلى نزاع مسلح، لولا تدخل السعودية لرأب الصدع بين البلدين وإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية.

 

التحول من صراعات الجغرافيا إلى السياسة

حاولت دول الخليج بعد ذلك تجاوز هذه الخلافات الحدودية ظاهريًا بمساعدة دول إقليمية كمصر التي تدخلت في التهدئة من وطأة الخلافات السعودية القطرية الحدودية، وقوى دولية كالولايات المتحدة وبريطانيا عن طريق وجود القواعد العسكرية التي تعمل على مسألة توازن الرعب والقوى.

وفي مجلس التعاون الخليجي 1992 وقعت الدول الأعضاء على بيان أبو ظبي والذي كان في الحقيقة بيان نوايا يؤكد على ضرورة حل النزاعات الحدودية بالطرق السلمية وعدم شرعية السيطرة بالقوة على المناطق. إلى أن تقرر تحول هذه النزاعات الحدودية الجغرافية إلى نزاعات سياسية، وقبل ذلك وقعت معركة عسكرية قصيرة، بين دولة قطر والمملكة العربية السعودية، في 30 من سبتمبر 1992، انتهت المعركة بمقتل ضابط سعودي وجنديين قطريين، وسيطرة السعودية على منطقة تسمى “الخفوس”. أرسلت السعودية صبيحة 30 من سبتمبر/أيلول 1992 كتيبة عسكرية للسيطرة على مركز الخفوس الحدودي، على خلفية تجمع قبلي في المناطق المتنازع عليها بين البلدين، حيث يتوزع أفراد قبيلة مُرّة في هذه المناطق.

وبعد إحباط الانقلاب العسكري في قطر عام 1995، كشفت الحكومة القطرية عن تفاصيل تتعلق بتورّط السعودية في الانقلاب بالتعاون مع بعض أفراد القبيلة، وأدى إلى إسقاط جنسية المئات من قبيلة آل مرة وتهجيرهم إلى السعودية.

حاولت قطر التحرر من القيود الخليجية المفروضة عليها والتي نشأت على خلفية الاتفاقية الأمنية الخليجية، والتي يراد منها بوضوح الاتفاق على مسار يكفل السير ضمن إطار سياسة موحدة للجميع، أي بمعنى آخر، إعادة إنتاج الوصاية السعودية داخل إطار مجلس التعاون الخليجي

وبحسب الرواية القطرية، فإن السعودية عمدت إلى استغلال بعض أفراد القبيلة في عملية الانقلاب عام 1995 ضد الحكومة القطرية الحالية بالتعاون مع الأمير السابق خليفة آل ثاني، وكانت الإمارات قد منحت اللجوء للأمير خليفة بن حمد آل ثاني في أحد الأحياء في إمارة أبوظبي.

 

وعلى إثر ذلك اتهمت قطر الإمارات، إلى جانب السعودية و‌البحرين بالتآمر ضد الأمير الجديد حمد بن خليفة آل ثاني، في حين نفت هذه الدول جميع التهم، وأجريت على إثر ذلك عدة مئات من الاعتقالات، وفي فبراير 1996، تمت تعبئة الحرس الأميري القطري.

كذلك في ديسمبر من العام 1996 اختارت القمة الخليجية التي عقدت في مسقط الشيخ جميل الحجيلان أمينًا عامًا لمجلس التعاون الخليجي مقابل مرشح قطر في ذلك الحين عبد الرحمن العطية – الأمين العام السابق – فاحتج أمير قطر حمد بن خليفة على ذلك وقاطع الجلسة الختامية لقمة مسقط الخليجية في ذلك الوقت.

ومما زاد في الأزمة المحاولة الانقلابية الفاشلة على الأمير حمد بن خليفة التي رتبها والده الأمير السابق الشيخ خليفة سعيًا للعودة للحكم بعد انقلاب ابنه عليه، فرغم أن الأمير الوالد – الحاكم الأسبق – رتب المحاولة وهو موجود في أبوظبي واستعان بقطريين من أتباعه كانوا موجودين في أبوظبي وآخرين داخل قطر، إلا أن الدوحة اعتبرت أن لبعض الأطراف السعودية يدًا في هذه المحاولة، ومن هنا بدأت الأزمة الحقيقية التي شهدت الكثير من الإشكاليات التي كانت الحرب الإعلامية أبرز إرهاصاتها.

وفي العام 2002 تطرق برنامج تلفزيوني بثته قناة الجزيرة العام واستضافت فيه القناة أشخاصًا تعرضوا لمؤسس المملكة الراحل الملك عبد العزيز، وأدىّ هذا البرنامج لسحب السعودية سفيرها صالح الطعيمي من الدوحة دون إعلان.

كذلك في مارس 2014 قررت السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائهم من قطر، على خلفية اختلاف في وجهات النظر إبان أحداث إقليمية أبرزها الانقلاب العسكري في مصر.

 

 

2-    الاسباب المعلنة من قبل الدول التي قطعت علاقات بقطر

اجتمعت الدول على اتهام قطر بدعم الإرهاب وتهديد أمنها القومي، وقد جاءت تلك الاتهامات بعد زيارة قام بها مؤخراً الرئيس الأمريكي إلى الرياض، وحضوره القمة مؤكداً على رسائل مماثلة في مكافحة الإرهاب.

البحرين

كانت دولة البحرية الدولة الاولى التي قطعت علاقاتها مع قطر، اذ أصدرت السلطات البحرينية بياناً تعلن فيه قطع العلاقات (حفاظا على أمنها الوطني)، وسحب البعثة الدبلوماسية البحرينية من الدوحة وإمهال جميع أفراد البعثة الدبلوماسية القطرية 48 ساعة لمغادرة البلاد مع استكمال تطبيق الإجراءات اللازمة. وأعلنت البحرين إغلاق الأجواء أمام حركة الطيران وإقفال الموانئ والمياه الإقليمية أمام الملاحة من وإلى قطر، وذلك خلال 24 ساعة من إعلان البيان. تزامن ذلك مع منع مواطنيها من السفر إلى قطر أو الإقامة فيها، وكذلك الحال بالنسبة لمنع المواطنين القطريين من الدخول إلى أراضيها أو المرور، فيما مُنح المقيمون والزائرون مهلة 14 يوماً للمغادرة.

السعودية

بعد حملة إعلامية سعودية غير مسبوقة على قطر، أعلنت السعودية (انطلاقاً من ممارسة حقوقها السيادية التي كفلها القانون الدولي، وحماية لأمنها الوطني من مخاطر الإرهاب والتطرف) قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، كما قررت إغلاق كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية، ومنع العبور في الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية السعودية.

وبررت المملكة قرارها بأنه (نتيجة للانتهاكات الجسيمة التي تمارسها السلطات في الدوحة، سراً وعلناً، طوال السنوات الماضية بهدف شق الصف الداخلي السعودي، والتحريض للخروج على الدولة، والمساس بسيادتها، واحتضان جماعات إرهابية وطائفية منها جماعة الإخوان المسلمين وداعش والقاعدة ودعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف من المملكة العربية السعودية).

 

 

مصر

لا يخفى أن النظام المصري كان يشعر بانزعاج شديد من قطر، لا سيما على خلفية دعم النظام القطري (وقناة الجزيرة التابعة له) للرئيس المعزول محمد مرسي ولجماعة الإخوان عموماً.لم تكن الأمور قد وصلت إلى تلك الدرجة من الاتهامات المباشرة، لكن يبدو أن زيارة وزير الخارجية عادل الجبير إلى مصر بعد غياب طويل (وتوتر بشأن جزيرتي تيران وصنافير) قد فتح المجال أمام مصر لتنتقم من قطر قطرياً.

وجاء بيان قطع العلاقات المصرية القطرية على لسان وزارة الخارجية المصرية في بيان له تضمن الاسباب بالقول (الحكومة المصرية قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر في ظل إصرار الحكم القطري على اتخاذ مسلك معاد لمصر، وفشل كافة المحاولات لإثناءه عن دعم التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي، وإيواء قياداته الصادر بحقهم أحكام قضائية في عمليات إرهابية استهدفت أمن وسلامة مصر، فضلاً عن إصرار قطر على التدخل في الشؤون الداخلية لمصر ودول المنطقة بصورة تهدد الأمن القومي العربي).

الإمارات

شددت الإمارات على(التزامها التام ودعمها الكامل لمنظومة مجلس التعاون الخليجي والمحافظة على أمن واستقرار الدول الأعضاء) وتأييدها لقرارات السعودية والبحرين المماثلة.

وعبر الامارات في بيانها إن قطر تدعم وتمول وتحتضن (التنظيمات الإرهابية والمتطرفة والطائفية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وعملها المستمر على نشر وترويج فكر تنظيم داعش والقاعدة عبر وسائل إعلامها المباشر وغير المباشر). و أن قطر نقضت (البيان الصادر عن القمة العربية الإسلامية الأميركية بالرياض تاريخ 21-5-2017 لمكافحة الإرهاب الذي اعتبر إيران الدولة الراعية للإرهاب في المنطقة إلى جانب إيواء قطر للمتطرفين والمطلوبين أمنيا على ساحتها وتدخلها في الشؤون الداخلية لدولة الإمارات وغيرها من الدول واستمرار دعمها للتنظيمات الإرهابية، مما سيدفع بالمنطقة إلى مرحلة جديدة لا يمكن التنبؤ بعواقبها وتبعاتها).

اليمن

كما عبرت الحكومة اليمنية عن استيائها من ممارسات قطر ة تهمت قطر بدعمها الحوثيين وودعم الجماعات المتشددة، في وقت أعلنت السعودية والبحرين إنهاء مشاركة القطريين في قوات التحالف العربي في اليمن.

ليبيا

أعلنت ليبيا قطع علاقاتها مع دولة قطر، وقال وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة، المنبثقة عن مجلس النواب، محمد الدايري ( إن بلاده قررت قطع علاقاتها مع دولة قطر تضامنا مع أشقائنا في مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية. وأضاف الوزير: (سجل قطر في اعتداءاتها المتكررة والعديدة على كرامة الشعب الليبي بعد ثورة 17 فبراير لطالما أغضب قطاعات عريضة من الشعب الليبي).

جزر المالديف

أعلنت جزر المالديف قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر لتكون أول دولة غير عربية تتجه لهذه الخطوة، وجاء في بيان صدر عن وزارة الخارجية المالديفية: (اتخذت المالديف هذا القرار بسبب معارضتها الحازمة لأي أنشطة تشجع الإرهاب والتطرف،و أن المالديف كانت تمارس دائما سياسة ترمي إلى دفع السلام والاستقرار في الشرق الأوسط قدما إلى الأمام، وأكدت التزامها بالعمل مع الدول التي تدعم السلام والاستقرار وتبدي تضامنا في المعركة ضد الإرهاب).

3-    الدوافع الاستراتيجية السعودية لقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر .

شكلت قطر سياسية خارجية إقليمية مستقلة إلى حد كبير عن المحور السعودي، وباتت تشكل قلقًا في مجلس التعاون الخليجي بسياساتها الجديدة، التي اعتمدت فيها على التواصل مع منظمات وتجمعات عابرة للحدود لا سيما من الجماعات الإسلامية ذات الثقل النسبي، وكذلك عن طريق لعب أدور محورية في وساطات إقليمية كقضايا دارفور والصومال و اليمن و سوريا. وبذلك رفضت قطر الوصاية السعودية داخل إطار مجلس التعاون الخليجي، وهو بالدقة المحور الذي يدور حوله الخلاف بين قطر والسعودية على وجه الخصوص.

ومن ثم فان هذه الازمة هي محاولة لتقليم الأظافر القطرية التي نمت خلال السنوات الماضية، إذ يتملك السعوديون والإماراتيون شعورًا بأن قطر تجاوزت في تأثيرها حجمها الطبيعي والجغرافي. فضلاً عن ان المملكة العربية السعودية مستاءة جدا من علاقات قطر الجيدة مع ايران و توقيعها اكثر من اتفاق عسكري مع الاخير. و وفق تلك المعطيات فيما يبدو أن ثمة اتفاق إقليمي ( سعودي، اماراتي، تركي، مصري) برعاية جهة دولية ( الولايات المتحدة الامريكية) تم لتحجيم قطر وتقليص نفوذها الإقليمي إلى أقل درجة ممكنة، وفي ذلك تمكين للرؤية التاريخية لقطر التي تراها مصدر قلق على الإجماع الخليجي الذي تقوده السعودية، ويرون في سياساتها الداعمة لايران و الاخوان المسلمين ولحركات المقاومة خروجًا عن التقاليد المعروفة لدى أنظمة الحكم في دول الخليج.

كذلك هناك من يرى ان هناك دافع اقتصادي وراء قطع العلاقات الدبلوماسية بقطر تمثل بأمتناعها عن دفع مبالغ ضخمة طالبت بها واشنطن من كل من السعودية والامارات وقطر أثناء زيارة ترامب للرياض، تقدر بـ ترليون دولار” الف مليار دولار”، كأكلاف يتم منحها في سبيل توفير مظلة أمنية من الحماية الأمريكية للدول الخليجية تتمثل بإستمرارية تواجد القواعد العسكرية الأمريكية هناك، فضلاً عن ألاف من قوات المارينز فيها، بالضد من الاخطار التي تجسدها طهران في المنطقة. في الوقت الذي حصلت فيه واشنطن على ما يقارب 500 مليار دولار من السعودية والإمارات والبحرين، وهو ما أفصح عنه ترامب أثناء عودته الى واشنطن قائلاً: “عدتُ لكم بمئات المليارات من الدولارات من الشرق الأوسط” ثم أضاف ذلك يعني وظائف، وبذا ربما كان أمتناع الدوحة عن منح مبالغ ضخمة لواشنطن عبر السعودية قد وجد ضريبته في قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، لاسيما وأن أمتعاض دونالد ترامب وإدارته من الدوحة كان شاخصاً إلى حدٍ ما أثناء وبعد عودته إلى واشنطن، إذ صرح مستشاراً كبيراً في الإدارة الأمريكية بشأن موضوع قطع العلاقات الدبلوماسية قائلاً( إن الولايات المتحدة لا تريد أن ترى “صدعاً دائماً” بين دول الخليج)، لكنه أشار إلى أن (كثيراً من سلوكيات قطر مثير للقلق، ليس فقط بالنسية إلى جيرانها في الخليج، بل للولايات المتحدة أيضاً) وأضاف : ( نريد إعادتها إلى الأتجاه السليم). وربما هذا ما دعى وزير خارجية قطر للأتصال بوزير خارجية الولايات المتحدة بعد قرار المقاطعة بيوم واحد، أملاً في إيجاد مخارج لنزع فتيل الأزمة.

 

4-    الموقف الامريكي من الازمة.

السفيرة الأميركية لدى قطر دانا سميث، سارعت صباح يوم الإثنين 5/ حزيران نشر تغريدات نشرتها قبل عدة أشهر وأثنت من خلالها على التعاون مع قطر وعلى دورها في محاربة الإرهاب. وقالت السفيرة دانا شل سميث (يبدو أن هذا وقت جيد لإعادة نشر هذه التغريدة القديمة).

كما أعادت سميث نشر تغريدة ثانية في نفس الفترة الزمنية للسفارة الأميركية في قطر تعبّر فيها عن دعم أميركا لجهود الدوحة في مكافحة تمويل الإرهاب وتثمن دورها في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

في هذه الأثناء، طالب وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، دول الخليج الست (بالحفاظ على وحدتها، وتسوية الخلافات التي نشأت بينها مؤخراً)، وأضاف تيلرسون، على هامش مؤتمر صحفي في أستراليا صباح يوم الثلاثاء بالقول ( أن المطلوب الآن هو معالجة الخلافات القائمة بين دول الخليج، وحدتهما تهمنا، ومستعدون لأي دور في هذا الإطار).

وبعد ذلك نشر ترامب تعليقاً على ما يجري في تغريدتين متتاليتين، كتب فيهما: (من الجيد أن نرى أن زيارة المملكة العربية السعودية واللقاء مع الملك و50 دولة بدأ يعطي نتائجه. لقد قالوا إنهم سيتبنّون موقفاً أكثر حزماً في التعاطي مع تمويل التطرّف، وكل التلميحات كانت تشير إلى قطر. ربما هذا الأمر سيكون بداية نهاية الإرهاب).

 

5-    الموقف التركي.

صادق أردوغان على الاتفاقيات العسكرية الموقعة مع قطر بعد مناقشتها واقرارها في البرلمان التركي اللذين يجيز أحدهما نشر قوات مسلحة تركية في الأراضي القطرية، والثاني ينص على تطبيق التعاون بين أنقرة والدوحة حول تعليم وتدريب القوات الأمنية بين البلدين، لتصبح بذلك هذه الاتفاقيات سارية المفعول وتمهد لإرسال قرابة ثلاثة آلاف جندي تركي إلى القاعدة التركية في قطر.

 

6-    الموقف الروسي من الأزمة.

الموقف الروسي لم يتأخر كثيرًا حول الأزمة القطرية الخليجية، فقد قال رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد للبرلمان الروسي، فيكتور أوزيروف (إلى أنه لن تطرأ أي تغيرات في العلاقات بين روسيا وقطر). وأضاف أوزيروف: (بالطبع سندرس بعناية كافة المعلومات، التي تدعيها مصر والسعودية، والدول التي انضمت إليهم بأن قطر ترعى الإرهاب الدولي).

7-    الخسائر الاقتصادية التي ستحدثها الازمة.

النقل

قبل عام تحديداً، اتفقت كل من قطر والمملكة العربية السعودية على زيادة عدد الرحلات بين البلدين وفتح الأجواء بين الدوحة وكل من المدينة المنورة والطائف لتشغيل أكبر عدد من الرحلات.وتوصل الجانبان إلى اتفاق تضمن زيادة عدد الرحلات بين الدوحة وكل من جدة والرياض والدمام لتصل إلى 91 رحلة أسبوعياً.

وبالتالي ستتوقف نتيجة القرار على سبيل المثال 19 رحلة يومية من مطار دبي الدولي، و6 من مطار أبوظبي، و5 من المنامة، و3 إلى 5 من جدة و4 من الرياض.

إضافة إلى الإزعاج الذي سيسببه القرار للمسافرين الذين يقصدون قطر أو يعبرون بها “ترانزيت”، وأزمة بطاقات السفر المحجوزة مسبقاً، فهو سيكلف ساعات طيران إضافية، وذلك سيفقد قطر دور مطارها الذي رسخته في المرحلة الماضية كمحطة مركزية للطيران في المنطقة وحول العالم.

كذلك ان الرحلة إلى أوروبا التي كانت تستغرق ست ساعات ستصبح مدتها الآن تسع ساعات، وهذا ما سيفقد المسافرين الرغبة بالعبور من قطر. ويُذكر هنا أن مطار الدوحة كان قد استقبل 37.3 مليون مسافر في العام 2016، بزيادة نحو 7 ملايين مسافر عن العام 2015.

كما من شأن إقفال المعابر الحدودية تعطيل الكثير من المصالح القطرية مع الجارة السعودية ومع دول الخليج العربية التي ينفذ القطريون إليها من خلال السعودية، سواء كان ذلك بشكل فردي أو تجاري. يُذكر هنا مثالاً أن معبر أبو سمرة الحدودي بين البلدين كان قد استقبل أكثر من 326 ألف زائر في فترة أقل من شهر مطلع العام الحالي. كما يشهد المعبر يومياً مرور ما بين 600 و800 شاحنة.

 

العمالة

أن المشكلة الأساسية في العمالة تتمثل في حال لجأت مصر إلى إجراءات مماثلة بضرورة المغادرة، أو لجأت قطر لذلك في ما يخص المصريين. وتشير التقارير إلى تواجد حوالي 200 ألف مصري في قطر يعملون في مجالات الهندسة والطب والقانون والبناء.

كأس العالم في قطر

تزايدت المخاوف كذلك بشأن قدرة قطر على تلبية التزاماتها باستضافة كأس العالم بعد قرارات التضييق المستجدة.

فإغلاق الحدود الجوية والبرية أمام قطر، وفي حال استمر طويلاً، سيؤثر على قدرة الإمارة الوفاء بالتزاماتها بشأن استضافة كأس العالم في العام 2022.

وتستمر أعمال بناء ميناء جديد ومنطقة طبية ومشروع مترو وثمانية ملاعب لكأس العالم من ضمن مشاريع البناء الرئيسية الجارية في قطر، بينما يجري تأمين جزء من المواد الرئيسية من الجارة السعودية. ومع الواقع الجديد، إضافة إلى ارتفاع الأسعار، يشكل نقص المواد تهديداً لقطاع البناء في قطر.

الغذاء

يشكل الأمن الغذائي أولوية في بلد صحراوي كقطر، بينما تعتمد الأخيرة في ذلك على حدودها البرية الوحيدة التي تجمعها بالسعودية، إذ تعبر الحدود مئات الشاحنات يومياً، والتي تشكل محتوياتها 40% من الغذاء القطري، حسب المحللين. وبما أن هذه الحدود قد أغلقت، فستلجأ قطر إلى البحر والجو ما سيرفع تكلفة الغذاء بشكل كبير.

قد لا تظهر ملامح الأزمة قريباً، فقد تحدثت التقارير عن إمكانية صمود صندوقها السيادي في تلبية الاحتياجات الداخلية لفترة، لكن الأكيد بحسب المحللين أن هيبة الإمارة الصغيرة قد تعرضت لضربة قاسية.

قطاع التجارة الخارجية

تشير بيانات وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية إلى أن 80% من صادرات قطر إلى الدول العربية خلال عام 2016، موجهة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تبلغ قيمة هذه الصادرات 19.1 مليار ريال قطري، في حين وارداتها من الدول العربية تبلغ 23.9 مليار ريال، فيما يذهب 82% من الصادرات القطرية إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كما أنهما تستحوذان أيضًا على 65% من إجمالي صادراتها للدول العربية، فيما تمثل صادرات قطر إلى البحرين نحو 4%، من إجمالي الصادرات القطرية لدول الخليج.

وتكشف البيانات عن مدى عمق العلاقات التجارية القطرية مع هذه الدول، إذ إن البلاد استوردت عام 2016 ما قيمته 19 مليار ريال قطري من البضائع الخليجية، لا سيما من السعودية والإمارات التي شكلت صادراتها إلى قطر 83% من واردات قطر الخليجية، يضاف إليها 6% من البحرين، لتشكل صادرات الدول الثلاث إلى قطر 89% من إجمالي واردات قطر من الدول الخليجية، بحسب وزارة التخطيط التنموي والإحصاء.

وتأتي السعودية والإمارات في المرتبة الأولى والثانية من حيث الدول المصدرة للمواد الغذائية إلى قطر، بينما تحل السعودية بالمرتبة الأولى للمصدرين في تجارة المواشي، والإمارات في الخامسة، وفي تجارة الخضروات تأتي الإمارات في المرتبة الثانية والسعودية في الرابعة، ومن ناحية تجارة الوقود، تأتي البحرين في المرتبة الأولى من حيث المصدرين، والإمارات في المرتبة الثانية، أما في المعادن، فتأتي الإمارات في صدارة الدول المصدرة لقطر.

وفي خطوة سريعة، حظر ميناء الفجيرة الإماراتي رسو جميع السفن التي ترفع علم قطر، أو تلك المتجهة إلى المواني القطرية، أو القادمة منها.

 

8-    شروط المملكة العربية السعودي لحل الازمة مع قطر

‏شروط السعودية التي ابغلتها الكويت الى قطر والتي يجب على الدوحه تنفيذها خلال 48 ساعة

–         تتعهد قطر بعدم ممارسة حكومتها لأي دور سياسي يتنافى و يتعارض مع سياسيات دول الخليج الموحدة .

–         طرد جميع اعضاء حركة حماس وتجميد حساباتهم البنكية وحظر التعامل معهم .

–         ايقاف بث قناة الجزيرة فورا .

–         الاعتذار الرسمي والعلني للحكومات الخليج وحكومة مصر عن ما بدر من قطر خلال الفترة الماضية .

–         قطع العلاقات الدبلموماسية فورا مع ايران .

–         طرد تنظيم الاخوان المسلمين فورآ من الاراضي القطرية .

–         وقف التدخل الفوري بشوؤن مصر الداخلية .

–         ايقاف الدعم الفوري للتنظيمات المسلحة التابعة لها في سوريا ..

–         الالتزام بمواد ميثاق دول مجلس التعاون الخليجي الموقع عام 2012

–         عدم انفراد قطر باي اتفاقية عسكرية او امنية او بحرية دون الرجوع الى مجلس التعاون الخليجي .

8 – سيناريوهات مستقبلية.

–         ان احتمال اتجاه الولايات المتحدة نحو الانسحاب من قطر( قاعدة عديد) غير وارد حسبما صرحت وزارة الدفاع الأمريكية، لكن في حال الانسحاب فقطر لديها البدائل لتحافظ على امنها بمساعدة دولة ذات نفوذ اذ تمتلك اتفاقية مع تركيا لانشاء قاعدة عسكرية على الاراضي القطرية كما ان هناك رغبة لدى كل من فرنسا و برطانيا بان يكون لها وجود عسكري في الشرق الاوسط اضف الى ذلك تمتلك قطر اتفاقيات عسكرية مع ايران و التي قد ترغب بالتواجد في قطر. و ستعتمد قطر اقتصاديا وامنيا على كل من ايران وتركيا ودول اوربية بوجود حصار اقتصادي خليجي مصر على قطر.

–         أنّ السعودية والإمارات – بعد أن ظفرتا بصداقة ترامب– تسعيان إلى سحق أي معارضة تعرقل التحالف ضد نفوذ إيران في المنطقة. وهما تمارسان ضغوطات على قطر حتى تكف عن دعم حركات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين، وحماس، وقد أمنا محمد بن زايد، ولي عهد ابو ظبي، والأمير محمد بن سلمان، ولي ولي عهد الملك السعودي مسبقا الموافقة الامريكية في سحق قطر وسيتم ذلك عن طريق سيناريوهان مطروحان لعملية التغيير في القيادة القطرية:

الأول: حدوث انقلاب داخلي عسكري او امني، يقوده احد اجنحة الاسرة الحاكمة بدعم ضباط كبار، واحتمالات النجاح هنا تبدو ضعيفة لان الأمير هو وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ومن ناحية أخرى يعتبر وزير الدولة لشؤون الدفاع السيد خالد العطية ابن خال الأمير حمد بن خليفة، ومن الموالين جدا له ولنجله الأمير تميم، مضافا الى ذلك ان الأمير محمد بن خليف اشرف بنفسه على تركيبة الجيش بحيث يكون مواليا له.

الثاني: ترتيب غزو خارجي تشارك فيه قوات برية إماراتية سعودية مصرية بغطاء جوي سعودي اماراتي، وتوجد قوات ودبابات مصرية في الامارات، وترى مصادر ان التحضيرات ربما اكتملت لتهيئة البديل، والصحف المصرية احتفلت بالشيخ الدكتور سعود بن ناصر آل ثاني المرشح الأبرز لخلافة الأمير تميم الذي

تعتبره مصر والسعودية والامارات الوريث “الشرعي” للشيخ احمد بن علي اول امير لقطر بعد استقلال عام 1971، واطيح به بانقلاب ابيض على يد جد الأمير الحالي الشيخ تميم بن حمد عندما كان في زيارة الى طهران.

–         ستدخل كل من الكويت وعمان وتركيا بالوساطة لحل الازمة القطرية وهو سيناريو مشابه للازمة العلاقات السعودية القطرية عام 2014 و ستنتهي الازمة بالحل السلمي على الرغم من ثقل الشروط السعودية و التي تمثلت بتغير جذري لسياسات وتوجهات النظام القطر لكن النظام القطر ادرك ان هذه الازمة غير كل الازمات القطرية الخليجية والحليف الاستراتيجي لقطر(الولايات المتحدة) قد تخلى عنها، وبالمقابل استطاعت المملكة ان تشكيل حلف كبير وقد يتسع بالمستقبل وان المسالة اصبحت تهدد بقاء النظام الملكي القطري. و من ثم تستجيب قطر للشروط السعودي لكن بالتدريج، او ان تقبل بتغير نظام الحكم.

د. مصطفى كامل

قسمالدراسات السياسية

11/6/2017