الموقف التركي من الأزمة القطرية- الخليجية

تاريخ النشر : 2017-10-20

يعود تاريخ العلاقات التركية-القطرية الى العام(١٩٧٢) حيث تم الاعلان الرسمي عن اقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين، ومنذ ذلك الحين بدأ التعاون بينهما يزداد بشكل مضطرد لاسيما في المجال الاقتصادي، حيث وقع البلدين العديد من الاتفاقيات الثنائية، وفي شباط العام(2008) تكللت زيارة الرئيس التركي السابق(عبد الله غول) للدوحة بعقد اول “منتدى اقتصادي تركي-قطري لرجال الأعمال”، كما قامت تركيا مع قطر بدور محوري لإبرام (اتفاق الدوحة)في آيار عام(2008) وإنهاء الأزمة السياسية بين الفصائل اللبنانية المتنازعة، ومن جانبها دعمت قطر ترشيح تركيا للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي في تشرين الأول من العام (2008)، وعملت على حشد الدعم والمساندة لها عن طريق منظمة المؤتمر الإسلامي، وقد بلغ ذلك التعاون ذروته بعد احداث ما يسمى بالربيع العربي، لاسيما احداث الثورة المصرية، في حين عززت الأزمة السورية من التعاون العسكري والتنسيق السياسي بينهما بشكل كبير، ويمثل الدعم المشترك لتنظيم(جماعة الاخوان المسلمين) العامل الابرز من بين العوامل التي تعزز العلاقة بين الدولتين، بالإضافة الى دعمهما لحركة حماس الفلسطينية، ودعم بعض الجماعات المسلحة المعارضة لنظام الرئيس السوري(بشار الاسد)، إذ شاركت تركيا في اجتماع “أصدقاء سوريا” في حزيران عام(2013)، في قطر والذي اتُخذ فيه قرار تسليح المعارضة السورية، والعمل على استحصال قرار من مجلس الأمن الدولي حيال الأزمة السورية، وفقاً للفصل السابع من ميثاق المنظمة.
وبعد نشوب الأزمة الأخيرة بين قطر ودول الخليج العربي الاخرى في 23 آيار الماضي وتسارع وتيرتها بشكل كبير، حسمت تركيا موقفها من الأزمة واعلن رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان الوقوف مع قطر، واصدر البرلمان التركي في السابع من حزيران الجاري قراراً بتفويض الحكومة إرسال تعزيزات عسكرية برية وجوية الى القاعدة العسكرية التركية في قطر، الأمر الذي يجعل تركيا في مواجهة مباشرة مع المملكة العربية السعودية –التي ترى في تركيا منافسة لها على قيادة العالم الاسلامي السُني وتزايد نشاطاتها في جنوب افريقيا وأمريكا اللاتينية وأسيا- والامارات والدول الأخرى ويعمق الخلافات معها بشكل كبير، لاسيما مع الحديث عن احتمالية تشكيل محور ايراني- تركي- روسي-عراقي مؤيد لقطر يقف في وجه المحور السعودي-الاماراتي-المصري المعادي لها، وورد انباء عن وصول وحدات من قوات الحرس الثوري الايراني لحماية عرش الأمير(تميم بن حمد) تحت غطاء تدريب الجيش القطري.
المصالح التركية- القطرية المشتركة:
شهدت السنوات الاخيرة تطور العلاقات التركية-القطرية بشكل كبير، إذ اصبحت دولة قطر من بين الدول المهمة في اجندة السياسة الخارجية التركية، وبدعم مباشر من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، ويتجلى التعاون الثنائي في المجالات الآتية:
في مجال الاتصالات: حيث اقدمت الشركات القطرية على شراء بعض الشركات التركية الضخمة كشركة (Digiturk) ديجي تورك الخاصة لقنوات التلفاز.
في المجال المالي: استحوذ بنك قطر الوطني في كانون الاول عام(2015) على حصة بنك اليونان الوطني فينانس بنك (Finansbank)في تركيا والبالغة(99.81%) مقابل مبلغ (2.94)مليار دولار، ويعد “فاينانس بنك” خامس أكبر البنوك المملوكة للقطاع الخاص في تركيا من حيث إجمالي الموجودات وودائع العملاء والقروض، إذ تضم شبكة فروع البنك أكثر من(620) فرعاً، ويعمل لحسابه نحو(12)ألف موظف، مع قاعدة عملاء تزيد عن(5.3)مليون عميل، كما يمتلك البنك التجاري القطري حصة قدرها(75%) من (ألترناتيف بنك)التركي الذي يقدم الخدمات المصرفية للشركات المتوسطة من خلال شبكة تتألف من (64)فرعاً، منتشراً في(21)مدينة من مختلف أنحاء تركيا منذ العام(2013)، كما استحوذ بنك الاستثمار “كيو إنفيست” على كامل أسهم شركة “إرغو بورتفوي” إحدى أضخم شركات إدارة الأصول الإسلامية وأسرعها نمواً في تركيا، في مقابل ذلك ازدادت نشاطات الشركات التركية في قطر لاسيما في مجال المنتجات الغذائية.
بلغت صادرات تركيا الى قطر في عام(2016) نحو(421)مليون دولار، في حين بلغت صادرات قطر الى تركيا بالمقابل نحو(271)مليون دولار.
احتلت دولة قطر المرتبة الثانية في قائمة الدول المستثمرة في تركيا حيت تخطى مجموع استثماراتها في تركيا مبلغ (20)مليار دولار، وقد احتلت قطر المرتبة السابعة خلال العام(2016) وحده في مجال الاستثمار في تركيا، حيث بلغت قيمة استثماراتها في ذلك العام نحو(375)مليون دولار، في حين بلغت استثمارات مملكة هولندا في تركيا نحو(956)مليون دولار، حسب تقرير المستثمرين الدوليين (YASED).
تحويل قطر لنحو(600)مليون دولار الى صندوق الضمان في تركيا.
حصول الشركات الانشائية التركية في الآونة الاخيرة على عقود في قطر بقيمة(14)مليار دولار ضمن فعاليات الإعداد لمونديال كأس العالم لكرة القدم في العام(2022) حيث خصصت دولة قطر نحو(170)مليار دولار لاستضافة المونديال العالمي. ويبلغ عدد الشركات التركية العاملة في قطر(242) شركة.
صادق البرلمان التركي في 5 آذار عام(2015) على اتفاق التعاون العسكري بين البلدين، حيث تم انشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر، والتي تعد أول قاعدة عسكرية تركية خارج تركيا، ويتمركز فيها أكثر من(3)الآف جندي من القوات البرية التركية.
وقعّت تركيا وقطر في كانون الاول عام(2015) عدة اتفاقيات اقتصادية أبرزها مذكرة تفاهم لتصدير الغاز القطري إلى تركيا، وذلك خلال زيارة الرئيس(أردوغان) إلى الدوحة بعد الأزمة التركية-الروسية حول إسقاط الطائرة الروسية والعقوبات الاقتصادية على تركيا بعد هذه الحادثة وايقاف تصدير الغاز الروسي والتشديد على تأشيرات الدُخول والخُروج من وإلى تركيا، فجاء الموقف القطري عبر التوقيع على مذكرة تفاهم أولية لاستيراد تركيا نحو(1.2)مليار متر مكعب من الغاز القطري المسال، كما تم الاعلان عن إلغاء تأشيرات الدخول المتبادلة بين تركيا وقطر، ويشكل عامل الطاقة العنصر الاهم في التقارب بين الطرفين بحسب تقرير نشره مركز ستراتفور الاستخباراتي في كانون الثاني عام(2013)، حيث تعتمد تركيا بشكل كبير على الغاز الروسي، في حين أن وارداتها من إيران لا يمكن الاعتماد عليها بصورة كبيرة، في ظل تنامي استهلاك الطاقة في تركيا، الامر الذي يدفعها الى ضرورة تنويع مصادر إمداداتها منها.
من خلال ما تقدم، يبدو أن الحكومة التركية لن تتخلى عن كل هذه الامتيازات التي حصلت عليها من دولة قطر لاسيما بعد دخول رؤوس الأموال القطرية للسوق التركية والأهمية التي تمثلها هذه الاموال في السوق المالية التركية، باعتبارها عنصر رئيس لدعم الاقتصاد التركي في ظل استمرار تدهور العلاقات التركية مع دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيجعل تركيا تلقي بكامل ثقلها في الأزمة القطرية-الخليجية، وتُسخّر كافة امكاناتها السياسية والعسكرية من اجل حلها، بصورة تعزز من موقف الحليف القطري في هذه الأزمة، حتى لو اقتضى الأمر أرسال قوات عسكرية اضافية الى قطر، وهو ما خوله قرار البرلمان التركي الاخير بالاستناد الى معاهدة الدفاع المشترك بين الطرفين التي ذكرناها سابقاً.