قراءة في القمة العربية الاسلامية الامريكية

تاريخ النشر : 2017-10-20

قراءة في القمة العربية الاسلامية الامريكية

 د. مصطفى كامل

ليس بغريب أن تختار الادارة الامريكية (دونالد ترامب) المملكة العربية السعودية لتكون الوجهة الاولى له على المستوى السياسي الخارجي منذ أن تسنم إدارة البيت ألبيض، فترامب يدرك مدى الثقل الذي تحظى به المملكة في المنطقة جيوستراتيجاً وأقتصادياً، بالاضافة الى انه يواجه الان بعدم قبول ورضا شعبي وهو بحاجة الى تحقيق اي عمل خارجي او داخلي يعيد له رضا المجتمع الامريكي وكان اقرب نجاح يمكن ان يحققه خارجياً ويفي بوعوده الانتخابية بشأن ملفه الاقتصادي هو زيارة المملكة العربية السعودية. ونتيجة لتلك الاهمية كان فريق ترامب يضم ابرز قياداته، اذ شمل كل من زوجة الرئيس ترامب ميلانيا ترمب، وابنته إيفانكا، وعدٌد من كبار المسؤولين والمستشارين في البيت الابيض، منهم وزير الخارجية ريكس تيليرسون، ووزير التجارة ويلبر لويس روس، ومساعد الرئيس وكبير الموظفين راينس بريبس، ومساعد الرئيس كبير المستشارين جاريد كوشنر، ومساعد الرئيس مستشار الامن القومي الفريق هيربرت رايموند ماكماستر، فضلاً عن مساعدين اخرين ومستشارين إستراتيجيين واقتصاديين وعسكريين وشركات اقتصادية وعسكرية، تمثلت هذه الزيارة الرسمية التي حدد توقيتها بيومين فقط (20-21/8/2017)، بالمشاركة في ثلاث قمم تاريخية هي كالاتي :

أولا: القمة السعودية – الامريكية :

كانت القمة الاولى للرئيس دونالد ترامب هي مع المملكة العربية السعودية 20/8/2017، وكانت حصيلة هذا اللقاء هو عقد شراكة ستراتيجية بين البلدين سميت (الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الامريكية) وكانت حصيلة تلك الشراكة هي صفقات سعودية امريكة كبيرة وهي كالاتي :-

وقع الرئيس الامريكي دونالد ترامب ونظيره السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حزمة من الاتفاقيات الثنائية أطلق عليها (الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الامريكية). الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين بلغت قرابة 34 اتفاقية في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، تجاوزت قيمتها 380 مليار دولار في صفقة وصفت بـ(التاريخية)، حيث عول عليها الجانبان – لا سيما السعودي – في فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الرياض وواشنطن خلال المرحلة المقبلة، بما يعالج التوتر الذي شاب العلاقات بين الجانبين في عهد باراك أوباما.

الاتفاقيات الموقعة هي الاولى من نوعها من حيث الكم والكيف في تاريخ البلدين، ومن أبرزها عقود تسليح أمريكية للمملكة العربية السعودية بقيمة 110 مليارات دولار، وتعهد الرياض بتجميع 150 طائرة هليكوبتر بلاكهوك في المملكة.

أما في مجال الطاقة، فقد وقعت شركة النفط الوطنية السعودية (أرامكو)عددًا من الاتفاقيات قيمتها 50 مليار دولار مع شركات أمريكية، في إطار حملة لتنويع مصادر الاقتصاد السعودي بحيث لا يعتمد فقط على صادرات النفط.

كما شملت حزمة الصفقات عددًا من الاتفاقيات الاخرى في شتى المجالات منها: 3 اتفاقيات في مجال الحفر والتنقيب عن البترول، 6 اتفاقيات لتصنيع وتوريد الخدمات المتعلقة بالنفط والغاز، اتفاقية الرعاية الصحية “المعدات الطبية”، 4 اتفاقيات في أنظمة الدفاع “المؤسسة العامة للصناعات الحربية”، اتفاقية تأسيس صندوق الاستثمار في البيئة التحتية، اتفاقية في المجال الجوي تشمل شراء طائرات، اتفاقية إنشاء شركة رائدة في إدارة

المشروعات، اتفاقيتان في مجال التعدين: الاولى لتوسيع إنتاج الالومينيوم، والثانية اتفاقية وعد الشمال، التوقيع على اتفاقية التجمعات الصناعية واتفاقية مصنع لقاحات طبية، اتفاقية لبناء مركز تخزين معلومات، اتفاقية شراء وتوطين صناعات مروحيات عسكرية.

كذلك اتفاقية في مجال توليد الطاقة، اتفاقية تأسيس صندوق للاستثمارات التقنية، اتفاقية في مجال الاستثمارات البتروكيميائية، اتفاقية تأسيس مصنع للإيثيلين في الولايات المتحدة الامريكية، اتفاقيتي تعاون في مجالات الرقمنة والبحث والتطوير، اتفاقية في مجال الرقمنة التكنولوجية، واتفاقية في مجال الاستثمارات العقارية.

 

ثانياً: القمة الخليجية الامريكية :

عقدة القمة الخليجية الامريكية في اليوم الثاني من زيارة ترامب 21/5/2017، كانت القمة برئاسة الملك سلمان وبحضور ترامب ومجمل رؤساء الدول الخليجية، وفي هذا اللقاء اتسعت دائرة الاعتماد الاستراتيجي المتبادل أمنياً ودفاعياً واقتصادياً من نطاق السعودية وامريكا الى نطاق اوسع يغطي دول المنظومة الخليجية اي خليجي امريكي حيث ركزت القمة في اجتماعها المغلق على عدة مسائل، أهمها تشخيص التهديدات التي تواجه الامن والاستقرار في المنطقة ومكافحة الارهاب، وأستكمال بناء المنظومة الدفاعية الخليجية، فضلاً عن بناء علاقات تجارية بين الدول الخليجية وواشنطن، ومواجهة التدخلات الايرانية في دول المنطقة. وقعت دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الامريكية، مذكرة تفاهم لتأسيس مركز لتجفيف منابع تمويل الارهاب.

ثالثاً: القمة العربية الاسلامية – الامريكية .

وفي اليوم الثاني من زيارة ترامب ايضاً عقد ترامب قمة مشتركة جمعة الاخير مع 55 قائد عربي واسلامي برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز أعلنت القمة الاسلامية في بيانها الختامي عن بناء شراكة وثيقة بين قادة الدول العربية والاسلامية والولايات المتحدة الاميركية لمواجهة التطرف والارهاب وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية إقليمياً ودولياً. كما أعلنت القمة ايضاً عن انشاء تحالف الشرق الاوسط الكبير، وكذلك شهد اليوم الثاني افتتاح مركز اعتدال.

  • تحالف الشرق الاوسط الاستراتيجي هو تحالف اعلن عن تشيكله في البيان الختامي للقمة الاعربية الاسلامية الامريكية التي ضمت بجانب السعودية وامريكا 55 دولة وتكوين قوة قوامها 34 ألف جندي لمحاربة الارهاب وقيامه رسميا العام المقبل (2018).
  • مركز (اعتدال) لمكافحة التطرّف: قامت على تأسيس هذا المركز عدة دول، واختارت الرياض مقراً له ليكون مرجعاً رئيسياً في مكافحة الفكر المتطرف، من خلال رصده وتحليله؛ للتصدي له ومواجهته والوقاية منه، والتعاون مع الحكومات والمنظمات لنشر وتعزيز ثقافة الاعتدال، و يقوم المركز على ركائز أساسية ثلاث وهي مكافحة التطرّف وبأحدث الطرق والوسائل فكريا وإعلاميا ورقميا.

يطور المركز تقنيات مبتكرة يمكنها رصد ومعالجة وتحليل الخطاب المتطرف بدقة عالية، وجميع مراحل معالجة البيانات وتحليلها يتم بشكل سريع لا تتجاوز 6 ثوان فقط من لحظة توفر البيانات أو التعليقات على الانترنت، بما يتيح مستويات غير مسبوقة في مكافحة الانشطة المتطرفة في الفضاء الرقمي.

ويعمل المركز على تفنيد خطاب الاقصاء وترسيخ مفاهيم الاعتدال، وتقبل الاخر، وصناعة محتوى إعلامي يتصدى لمحتوى الفكر المتطرف بهدف مواجهته، وكشف دعايته الترويجية.

ويضم المركز عدداً من الخبراء الدوليين المتخصصين والبارزين في مجال مكافحة الخطاب الاعلامي المتطرف على كافة وسائل الاعلام التقليدية والفضاء الالكتروني. ويعمل المركز بمختلف اللغات واللهجات الاكثر استخداماً لدى المتطرفين.

 

  • ماذا تريد السعودية ان تحققه من من وراء زيارة ترامب .

مقابل جميع تلك الاتفاقيات والاموال السعودية التى اعطيت للولايات المتحدة على شكل استثمارات سيكون على الولايات المتحدة تنفيذ الطلبات السعودية، والتي تتمثل:-

أولًا : حل نهائي لأزمة قانون (جاستا)، الذي يضع كل استثمارات المملكة تحت الاجراءات القانونية التي تستهدف تجميد الاصول، كما أن هذا الحل النهائي سيشير للرياض بولاء الرجل الذي لا يحب تقاسم الارباح.

ثانياً: تمريره صفقات السلاح المتوقفة، التي تشمل سفن قتال ساحلية، وأنظمة دفاع صاروخية من طراز (ثاد)، وناقلات جنود مصفحة، وصواريخ، وقنابل، وقذائف موجهة بدقة، وهي التي أوقفها أوباما (قيمة الصفقة التي اوفقها اوباما جزء منها 140 مليار دولار).

ثالثا: إلغاء الاتفاق النووي الامريكي الايراني، ويجب التوضيح أن الرئيس السابق أوباما حذر ترامب من إلغاء الاتفاقية؛ بدعوى أنها تضع إيران أمام التزام دولي؛ لكن أحدًا لا يمكنه التنبؤ بما يمكن أن يفعله الرئيس الحالي.

رابعاً: توقف الحديث الامريكي الرسمي عن بعض القضايا التي أثارها ترامب أثناء حملته الانتخابية، مثل قضايا حقوق المرأة و انتهاكات حقوق الانسان في السعودية واليمن والتي هاجم فيها الرياض، فمن المتوقع أن يمتنع ترامب عن الحديث بشأنها؛ لأن هذا يدخل ضمن التنازلات المشتركة.

ولابد من الاشارة الى ان صندوق الاستثمارات العامة في السعودية، الذي اعلن في الاربعاء 17 مايو/ أيار2017، عن إنشاء شركة صناعات عسكرية وطنية بالشراكة مع الولايات المتحدة الامريكية تحمل اسم (الشركة السعودية للصناعات العسكرية)، بهدف زيادة الانتاج العسكري المحلي وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية. ويتمثل الهدف الاستراتيجي للشركة في الوصول إلى مصاف أكبر 25 شركة صناعات عسكرية عالمية مع حلول عام 2030، بما يجعل المملكة العربية السعودية شريكا قويا في قطاع الصناعات العسكرية على الساحة العالمية، و القدرة على توطين 50 في المئة من إجمالي الانفاق الحكومي العسكري في المملكة بحلول عام 2030.

خامساً: ماذا تريد ادارة ترامب تحقيقة من هذه الزيارة.

  • أولى أهداف زيارة ترامب إلى الرياض هي تحقيق الغرض الاقتصادي منها، وذلك من خلال العمل وفق شعار ترامب الذي دخل فيه إلى البيت الابيض وهو “أمريكا أولا” والذي يحمل في طياته التخلي عن الاعباء المالية التي تتحملها واشنطن في حراسة مصالحها في المنطقة وحماية حلفاءها، وتسليم المسؤولية الامنية إلى الدول الموجودة عبر آلية معينة، بحيث تتحمل دول المنطقة الاعباء المالية وتقوم واشنطن بدور الرقيب وتزويدها بالسلاح، بما يضمن إنعاش سوق السلاح والاقتصاد الامريكي. و بالفعل الاتفاقيات الموقعة مع السعودية تخلق مئات الاف الفرص في الولايات المتحدة، حيث حصد ترامب في زيارته صفقات بلغت قيمتها قرابة نصف
    ترليون دولار سيتم صرفها على مدى السنوات المقبلة وجزء كبير من تلك الاتفاقيات كان لبيع الاسلحة، حيث عقدت المملكة طلبيات أسلحة ومنتجات تحتاج من الشركات الامريكية شهورًا وسنوات لتنفيذها وتتطلب توظيف الالاف من الموظفين، وهذا سينعش الاقتصاد الامريكي بالمحصلة ويحقق بالتالي أهداف ترامب الاقتصادية.
  • القضاء على تمدد إيران في المنطقة وداعش والارهاب عمومًا، فسياسة ترامب وقفت ضد إيران وهددت بإلغاء الاتفاق النووي المعقود مع الادارة السابقة لأوباما، وحسب البيت الابيض فإن إيران تجاوزت الحد المسموح به لإنتاج المياه الثقيلة خلافًا للاتفاق النووي معها، وطورت بشكل غير قانوني صواريخ بالستية، ولها اعتداءات متكررة على دول المنطقة الحليفة لواشنطن.
  • تقارب عربي اسرائيلي. اذ سعى ترامب الى تقارب عربي اسرائيلي عبر توحيد جهود الطرفين في خلق عدو وهمي مشترك لهم وهو ايران وحزب الله عن طريق اتهام الطرفين بتمويل الارهاب في منطقة الشرق الاوسط.
  • حاجة ترامب الى تحقيق نجاح من اجل استعادة الثقة به كرئيس. اذ تعرض ترامب خلال 100 يوم من حكمه الى الكثير من الاخفاقات نتيجة تعطيل بعض قراراته من قبل المحكمة الاتحادية او عدم قدرته في الايفاء ببعض وعوده، فضلا عن ذلك تراجع مقبوليته لدى أغلبية الشعب الامريكي فاحتاج الى تحقيق نجاح وخاصة نجاح اقتصادي، فكان هدف الزيارة هو تحقيق نصر او نجاح خارجي ليعيد ثقة الشعب الامريكي بادارته.

 

سادساً: ترامب والصراع على الحكم بالسعودية.

الصراع على الحكم في المملكة العربية السعودية محصور بين ولي العهد محمد بن نايف وزير الداخلية وولي ولي العهد محمد بن سلمان و المستشار الخاص للملك، ووزير الدفاع، والنائب الثاني لرئيس الوزراء و رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يشرف على (أرامكو) السعودية، أكبر شركة منتجة للنفط في العالم. واذا ما اراد احدهما ان يحكم المملكة بعد الملك سلمان عليه ان يحضى بموفقة الولايات المتحدة الامريكية خارجياً، و داخلياً عليه ان يحضى بقبول اقطاب العائلة الحاكمة و قبول زعماء التيار الديني.

والامير محمد بن سلمان بعدما حسم امره داخليا واستطاع ان يسيطر على اغلب المراكز الحكومية المهمة، وان يحضى بثقة المؤسسة الدينية توجه إلى حسم الصراع خارجيا والسعي الى ان يحصل على قبول الولايات المتحدة .

وبالفعل كانت اولى خطوات محمد بن سلمان زيارة الولايات المتحدة الامريكية. و كانت زيارته حسب الخبراء ناجحه بكل المقاييس؛ فالمملكة أشادت في تصريح رسمي باللقاء الذي وصفته بأنه (نقطة تحوّل تاريخية)؛ ويبدو وكأنّ الاميرَ كان بصدد اختبارٍ صعبٍ بشأن (إعادة العلاقات) مع الادارة الامريكية التي كانت ترى في الامير محمد بن نايف رجلها الاول.

وفي هذا الاطار استطاع محمد بن سلمان ان يضع شقيقه خالد سفيرا في واشنطن بناءا على أوامر ملكية، ليمهد له الطريق والمقبولية لدى القيادات الامريكية في ان يكون الملك المستقبلي للسعودية، وبالفعل استطاع خالد بن سلمان التقرب الى جاريد كوشنر، كبير مستشاري الرئيس الامريكي وزوج ابنته، ان يكون معه علاقة وثيقة ليكون كوشنر المحور او ادات الضغط التي استخدمتها المملكة لتمرير اسم محمد بن سلمان كملك مستقبلي للسعودية.
اضف الى ذلك أن ترامب سرّح عدداً كبيرا من مناصري بن نايف في واشنطن، بعد ان غير ترامب في طواقم عمله.

واخر اعتراف بقبول ترامب و تايده لمحمد بن سلمان جاء على لسان ايفانكا ترامب وهي ابنة ترامب ومستشارته اذ ترى  ان رؤية المملكة 2030 تمثل نقلة نوعية لمستقبل المملكة داخليًا وعالميًا….. و أنّ شخصية ولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان شخصية محفزة ومؤثرة في الشباب السعودي والعربي والمسلم؛ لما يتمتع به سموه من صفات قيادية وطموح وحبه لوطنه وشعبه، مبيّنةً أنّ سموه صاحب حضور فعال).

و بذلك يكون محمد بن سلمان عراب العلاقات السعودية الامريكية في مرحلة رئاسة دونالد ترامب والاقرب من محمد بن نايف الى حكم المملكة بعد التأييد الضمني الذي حصل علية من ترامب خلال زيارته الاخيرة الى المملكة العربية السعودية .